; قصة قصيرة.. الإعلامي المطلوب | مجلة المجتمع

العنوان قصة قصيرة.. الإعلامي المطلوب

الكاتب يوسف مصطفي عبدالله

تاريخ النشر الثلاثاء 02-أغسطس-1994

مشاهدات 79

نشر في العدد 1110

نشر في الصفحة 57

الثلاثاء 02-أغسطس-1994

«جهاز إعلامي بحاجة إلى موظف: الشروط المطلوبة...»..

قفزت فرحًا وأنا أمسك الجريدة بيدي، لقد وجدت أخيرًا فرصة عمل بعد سنتين من البطالة.. فتحت الصحيفة، وقرأت الشروط مرة أخرى، كلها متوفرة في شخصي المتواضع، قصصت الإعلان من الصحيفة، وبادرت على الفور لتجهيز الطلبات: الشهادة الجامعية، صور شمسية، شهادة السيرة والسلوك، كشف الدرجات، صور من الهوية الرسمية.. أخيرًا تم كل شيء، سأذهب غدًا للتقديم.

لم أستطع النوم تلك الليلة، الأحلام تتصارع في رأسي: الوظيفة، الزوجة، المستقبل، الشهرة...

وبعد ساعات من الأرق والتقلب، وجد النوم طريقه إلى عيني.

وفي الصباح الباكر أحسست أن جسمي كله قد أصبح مولدًا للطاقة، يتحرك بأقصى قوته، ارتديت بذلة أنيقة، فرجل الإعلام لابد أن يكون أنيق المظهر، سرحت شعري، وأغرقت بذلتي بنوع فاخر من العطر لا أستعمله إلا في المناسبات السنوية فقط، وخرجت من بيتي والأرض لا تكاد تسعني.

وصلت إلى المبنى، نظرت في ساعتي، لقد وصلت مبكرًا نصف ساعة، لا يهم؛ الإعلامي الناجح يسبق الأحداث.. دخلت بهو المبنى الفخم، واتجهت إلى موظف الاستعلامات وسألته عن مكان التقديم، فأشار إلى باب جانبي، اتجهت إلى الباب وفتحته فقادني إلى صالة واسعة انتشرت المقاعد في أطرافها.. وفي جانب الصالة وجدت شباكًا عنده موظف يتلقى الطلبات، سلمته ملفي فأعطاني استمارة لملئها، فيما أخذ يدقق في أوراقي المقدمة في الملف، ثم أمرني بالانتظار، جلست على أحد المقاعد، وقد زال كثير من التوتر الذي اعتراني، وأخذت أحدث نفسي: يبدو أن المتقدمين للوظيفة قلائل، وهذا في صالحي، بيد أنني طردت هذه الوساوس بعيدًا بعد فترة عندما شاهدت تقاطر الشباب على التقدم لتلك الوظيفة، وكلما ازداد عدد المتقدمين أحسست بالأمل يخبو في نفسي، ولكني أقنعت نفسي بأنني سأتفوق عليهم في المقابلة الشخصية والامتحان التجريبي.

وبعد ساعات من الانتظار خرج إلينا أحد الموظفين، وأبلغنا أن المقابلة الشخصية والامتحان التجريبي سيكونان بعد أسبوع!

خرجت وأنا في غاية التعب، وفجأة وجدت كفًا تمسك بي من الخلف، التفت فوجدت صديقي سمير فبادرته محييًا: أهلًا سمير، فرد: أهلًا شوقي. لقد كان أحد زملائي في الجامعة، وقد تقدم لنفس الوظيفة، لكنه لن ينجح (هكذا قلت لنفسي)، إنني أعرفه جيدًا فهو مهمل وكسول وانتهازي وغشاش، إنني أعرفه جيدًا، وبعد التحية والسؤال انصرف كل منا إلى شأنه.

وبعد أسبوع كنت أنتظر دوري في المقابلة الشخصية في تلك الصالة، وبعد فترة نودي علي فدخلت، وأجريت المقابلة الشخصية ووفقت فيها، لكنني أبلغت أن القبول وعدمه يتوقف على الاختبار التجريبي بعد غد.

سألت بعض معارفي عن ماهية هذا الاختبار فأفادوني بأنه اختبار للقدرات الإعلامية لدى المتقدم في كفاءته في كتابة التقارير، ونقل الأخبار والمعلومات، وطريقة عرضها وما أشبه ذلك.

قضيت يومي التالي كله في التدريب على كتابة التقارير، وصياغة الأخبار، وتقديم المعلومات في قوالب جذابة.

وجاء يوم الامتحان، ووجدت صديقي سمير في مقعد بجانبي، تبادلنا التحية ثم بدأ الامتحان، فعرضت علينا في البداية بعض الأحداث عن طريق التلفاز، وعن طريق الإلقاء، وطلب منا قراءة بعض الصحف والمجلات، وكان المطلوب كتابة عدة تقارير عما شاهدناه وسمعناه، ونقل الأخبار التي تلقيناها.

كان صديقي سمير خلال العرض يعبث بقلمه على الطاولة، ولم يكن ينتبه لما يلقى، فأيقنت أنه لم يتغير، أما أنا فلم أجد صعوبة في كتابة التقارير، ونقل المعلومات، ولم تمض إلا ساعة حتى أنجزت المطلوب، سلمت أوراقي وخرجت إلى الصالة، وبدأ المتقدمون يخرجون الواحد تلو الآخر، وبدأ الحديث يدور بيننا عن الاختبار وما كتبه كل منا، وتأكدت من خلال ما دار من حديث أنني سأفوز بالوظيفة.

وفي اليوم التالي حضرنا للاطلاع على النتائج النهائية، وفي لوحة الإعلان وجدت اسم الموظف الذي قُبِل، وأحسست بلطمة قوية؛ لم يكن اسمي، وأحسست بلطمة ثانية؛ لقد كان اسم صديقي سمير! ذلك المهمل الانتهازي.. وانهارت أحلامي، لكنني تجلدت وصممت على معرفة السبب فربما يكون هناك خطأ، لابد أن أعرف السبب.. كنت أعرف أحد أصدقاء والدي الذي يعمل في قسم آخر في ذلك المبنى، ذهبت إليه وبعد إلحاح شديد توسط لي لمقابلة المسؤول عن إعلان النتائج، ذهبت إليه، طرقت الباب ودخلت إلى مكتب وثير، جلس خلفه رجل تبدو عليه علامات المكر والدهاء، سألني عن طلبي فأفضيت له بمكنونات صدري وما كنت أحلم به.

وبعد صمت قصير قال لي: سأخبرك بالحقيقة، ولتكن درسًا لك.. إياك أن تنساه، ولولا مكانة الشخص الذي توسط لك لمقابلتي لما أخبرتك.. اسمع يا بني، إنك تعيش في عصر تغير فيه كل شيء، إن اختبارك التجريبي ممتاز، معلومات واضحة ودقيقة، وتغطية شاملة، حقائق كاملة، نظرة متوازنة. ثم صمت لفترة، وأردف قائلًا في هدوء: ولكننا لا نريد هذا! دهشت وفتحت فمي من دهشتي، ثم تابع قائلًا: أما زميلك سمير فإن معلوماته ناقصة، وأخباره مضللة وملفقة، ويذكر أنصاف الحقائق، وتقاريره ملتوية ومليئة بالأخطاء والتزوير.. ثم صمت فحبست أنفاسي لأسمع النتيجة فأردف قائلًا في هدوء: وهذا هو المطلوب!

الرابط المختصر :