العنوان قصة قصيرة.. الخوف
الكاتب سمير الكفراوي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1994
مشاهدات 70
نشر في العدد 1109
نشر في الصفحة 55
الثلاثاء 26-يوليو-1994
كان الليل قد أرخى سدوله.. وتلاشت كل الأصوات
سوى هزيز الريح وهزيم الرعد وتلاطم الأمواج على صخور الشاطئ الخافت الضوء..
و«سالم» يكمن في حجرته منكفئًا على كتبه يحاول -في صعوبة بالغة- أن يفهم ما يقرأ
وأنى له ذلك وقد تسلل الخوف إلى قلبه، فليس في المنزل سواه، العائلة في زيارة
للأقارب، وقد آثر أن يمكث في حجرته ليحاول استذكار ما قد فاته من دروس، وهو الآن
نادم على تلك الفكرة، فوحشة المنزل وصوت الريح والموج ألقى في صدره رعبًا لم يشعر
به من قبل.
تمضي عقارب الساعة في تثاقل عجيب فتزيد من قلق
«سالم» وخوفه.. فيأخذ كرسيًا ويجلس في شرفة المنزل المطلة على البحر يقطع على نفسه
تلك التداعيات السوداوية التي تسيطر عليه.. يراقب حركة الموج على رمال الشاطئ..
يروح بخياله إلى عالم ملائكي آمن.. ودنيا من الخير لا تعرف ضيمًا ولا ختلًا..
تتوالى الأفكار الواحدة تلو الأخرى.. وإذا به يفيق من رحلته اللانهائية على «جسم»
يحاول الموج أن يلقي به على رمال الشاطئ التي تأبى أن تضمه إليها فيعيد الموج
الكرة ويلقيه عليها.
يمكث «الجسم» على الشاطئ و«سالم» تكاد عيناه
أن تخرجا من رأسه.. انتفض واقفًا وارتجفت يداه.. اصطكت أسنانه.. عجزت قدماه أن
تحمله فألقى بنفسه على الكرسي مرة أخرى.
- يا
إلهي.. ما هذا؟ لابد أنه قتيل.. أو غريق ألقى به الموج إلى الشاطئ.. يحملق
أكثر..
- يا
إلهي إنني ألمح بعض أجزائه تتحرك.. لابد أنه ما يزال على قيد الحياة.. ماذا
أفعل؟
و«سالم»، يتملكه رعب رهيب وتنتابه حيرة شديدة
فهو لا يحب المغامرة، ولكن ماذا عن ذلك المسكين الذي ربما يحتاج إلى مساعدة؟
- هل
أتصل بالبوليس؟ سأل «سالم» نفسه، ولكنه أسرع بالإجابة:
- لا..
لا.. فأنا لم أذهب إلى قسم الشرطة أبدًا.. ولم أتحدث إلى شرطي من قبل، ثم إن
الشرطة قد تأخذ وقتًا قبل مجيئها.. وربما جاءت بعد فوات الأوان.. وما أدراك
أنها إذا جاءت لن تتهمك أنت بعلاقتك بالمجني عليه؟
«ياربي ... لا شيء سوى الإسراع بإنقاذ ذلك
المسكين».
و«سالم» يجر قدمه المثقلتين.. ويحاول أن
يتجاوز الباب الخلفي للمنزل في اتجاه مكان الشيء الذي مازال يتحرك على صورة تؤكد
«لسالم» أنه على قيد الحياة.. الرياح تصفع وجه سالم، والأمواج لا تنفك تصرخ في
أذنيه محذرة من شيء ما.. يزداد خوفه وتسرع دقات قلبه.. وتتسع حدقتاه ومع ذلك فإن
رؤيته تقل شيئًا فشيئًا.. يحاول الاقتراب وهو يتمتم ببعض الأذكار التي يحفظها ليهدئ
من روع نفسه.. يخطو خطوات أخرى قليلة.. ثم يقف فجأة:
- لقد
توقف المسكين عن الحركة.. ترى هل فارق الحياة أم...؟!
أسرع إذن ولا تتردد كثيرًا.. فربما يكون
مغشيًا عليه.. أسرع.. يعاود «سالم» السير ثانية فيقترب أكثر فأكثر.. وتزداد قدرته
على رؤية الشاطئ وما يدور عليه..
- إنه
مازال ساكنًا..
- اقترب
أكثر.. لتتأكد من ذلك..
(يقترب خطوات قليلة)..
- ما
زال ساكنًا.. ويبدو أنه قد فارق الحياة.. يا ربي.. إنني لم أر في حياتي
غريقًا.. أراه في هذه الساعة المتأخرة من الليل وفي هذا المكان.. وحدي؟!
- دعك
من هذه المهاترات الصبيانية وتقدم علك تستطيع مساعدته.. ويتقدم سالم أكثر حتى
يكون على بعد خطى قليلة من الجسم الذي بدا في ناظري «سالم» وكأنه ملفوف في
شيء.. يقترب أكثر..
- جوال؟
هو إذن قتيل.. لا شك في ذلك!
يقترب حتى يجاور «الجوال» الذي يبدو منتفخًا
ويحاول أن يتحسس ما به.. يداه لا تستطيعان وقد أثقلهما ما أثقل قدميه من الخوف..
يحاول ثانية وثالثة..
- ما
هذا؟ لا أكاد أحس تحت أصابعي عضوًا آدميًا!
- أفتح
الجوال إذن.. فربما وضعت حوله بعض الأقمشة لإخفائه.
يحاول أن يفتح الجوال جاهدًا، فقد أحكم بكثير
من الخيوط.. وينجح في ذلك.. ثم استجمع كل ما تبقى داخله من رباطة جأش، وهو يسمع
دقات قلبه في أذنيه.. وأغمض عينيه ودس يده في الجوال وحاول أن يخرج بعضًا مما
فيه.. وإذا به يلقي بنفسه على رمال الشاطئ ويضرب بكفه على جبهته.. فقد كان «الشيء»
جوالًا للقمامة ألقى به الموج إلى الشاطئ!
تنفس «سالم» الصعداء.. خط بإصبعه على الرمال
بيتًا من الشعر كان يحفظه:
وإذا لم
يكن من الموت بُدٌّ فمن
العجز أن تموت جبانًا