; قصة قصيرة- أول فتاة ترتدي الحجاب في إربد | مجلة المجتمع

العنوان قصة قصيرة- أول فتاة ترتدي الحجاب في إربد

الكاتب مريم دنكلاي

تاريخ النشر السبت 08-يونيو-2013

مشاهدات 70

نشر في العدد 2056

نشر في الصفحة 44

السبت 08-يونيو-2013

ارتدت ثوباً قصيراً فاتنا، وذهبت إلى مدرسة أهلية لتدريس مادة الرياضيات، لكن المكلف باختبارها للقبول غضّ بصره ولم يُلق بالاً لجمالها ، بل أعطاها مسألة رياضية صعبة لتعجيزها، فإذا بها تحلها بذكاء خارق، فقال في نفسه، ما أحسن هذا الذكاء لو كان لخدمة الإسلام، ثم سألها: ما رأيك في المحجبات؟ ولم يكن في ذلك الـزمـان -بداية السبعينيات من القرن الماضي- في مدينة «إربد» بالأردن فتاة محجبة؛ لذلك لم تفهم سؤاله، فقالت: ماذا تقصد؟

قال: الفتيات اللواتي يلبسن الجلباب. 

قالت: «الهبل» اللواتي أراهن في عمان؟!

قال: إن شاء الله تصبحين مثلهن.

قالت: مستحيل.

عاد الشاب المهندس إلى بيته واستخار الله في خطبتها، ثم فتح المصحف عشوائيا ليتخذ القرار حسب الآية التي يقدرها الله له، فإن كانت خيراً أقبل وإلا انصرف عنها. 

فلما وجد سورة ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ (الفتح:١)؛ سارع في خطبتها، وبدأ يحاول إقناعها بالحجاب حتى أنه في يوم من أيام رمضان جاءها بعد صلاة الجمعة واستمر يحدثها عن وجوب الحجاب بالأدلة النقلية والعقلية، ويخوفها بالله، ويذكرها بالأجر العظيم حين تكون أول فتاة تلبس الجلباب في بلدتها فتقتدي بها الفتيات.. بينما هي تظهر له الاعتراض والصد عن الحجاب، حتى كاد أن ييأس منها حين أذن المغرب وخرج مهمومًا حزينًا، فأقبلت والدتها تسألها عن سبب انصرافه قبل الإفطار وقد أعدت له كل ما وطاب، فأخبرتها أنه يريدها أن تلبس الجلباب؛ فهاجت الأم وماجت، ولم تكن هي أيضًا محجبة، وقالت لابنتها: لماذا؟ هل أنت قبيحة أم عجوز؟ إذا أصر على طلبه هذا فليخل سبيلك، وأنا أزوجك من هو أفضل منه، وما أكثر الذين يتمنونك.

لكن الفتاة أخذت تفكر في كلامٍ خطيبها، ولم تستطع أن تنام تلك الليلة خوفا من الله تعالى حتى أصبحت وهي عازمة على تنفيذ أمر الله، لكن العقبة الكبرى هي توعد أمها بطلاقها منه إن فعلت ذلك؛ لذلك اتفقت مع خطيبها أن تلبس الجلباب بعد الزواج، لكنه سارع بأخذها إلى «الخياطة» لتحيك لها جلبابًا ساترًا، فأخذت «الخياطة» تعترض بقولها : «حرام إخفاء هذا القوام الرشيق»! وكـانـت مـع الـعـروس خالتها؛ فأيَّدت «الخياطة»، وكادت الفتاة أن تتراجع بتأثير وسوسة شياطين الإنس، فتدخل الشاب بحزم وقال للخياطة: لا تتدخلي فيما لا يعنيك، افعلي تمامًا مثل ما أقول لك.

وبعد الزواج تجهزت العروس للسفر إلى مصر لقضاء شهر العسل، فلبست أكثر فساتينها فتنة وأقصرها، ونسيت أمر الحجاب، فسألها الزوج:

- هل جهزت؟

- قالت: نعم.

فأخرج لها من الدولاب الجلباب الموعود، وقال: 

- ما رأيك في هذه المفاجأة؟

قالت: لم تنس الجلباب.. حسنًا ألبسه في مصر هناك حيث لا يراني أحد يعرفني. 

عجب الزوج من تفكيرها وتفكير جيلها أن تخجل من الجلباب ولا تخجل من العري.

قال لها: جربيه.

فلما لبسته أثني عليها يشجعها قائلًا: 

ما رأيتك أبدا بمثل هذا الجمال، أنت بالجلباب والحشمة ،أجمل، وعند الله أفضل. 

ولأول مرة خرجت فتاة إلى شوارع «إربد» بالجلباب تصف شعورها كيف كان في تلك اللحظات، تقول: 

كنتُ خجولة من نظرات الناس كوني الوحيدة بهذا الجلباب في زمن أصبح فيه التعري عادة والحشمة تخلفا وبلادة، لكن هذه النظرات كنت أتجاهلها حيث كان زوجي طوال الطريق يثبتني قائلا: الناس ينظرون إليك باحترام، وستثبت لك الأيام ما أقول. 

فلما سافرت إلى مصر لم تجد واحدة تلبس مثلها، بل كانت تسمع السخرية عن يمينها ويسارها فانفجرت في زوجها قائلة: 

لا يمكن أن أكون وحدي على حق.. لا يمكن أن تكون جميع النساء على باطل.. ألا ترى أن غطاء الرأس لا يكون إلا على عجوز أو فلاحة؟!

صبر زوجها على تمردها، وأخذ يفكر في طريقة تجعلها تعتز بحجابها وتعلو به. 

وعندما عادت إلى بلدها بدأت الجارات والصديقات يزرنها ليباركن لها الزواج ففوجئت بزوجها يطلب منها أن يتحدث إليهن وبالفعل أخذ يذكرهن بالله تعالى واليوم الآخر، ويشرح لهن فريضة الحجاب، وهكذا تحجبت جاراتها وصديقاتها حتى انتشر لبس الجلباب في الحي، وأصبحت «المتبرجة» هي الغريبة في المدينة وتلاقي السباب والشتائم من المارة، بينما «المحجبة» يحترمها الجميع ويدعون لها، ومن المعروف الآن إذا صعدت «المحجبة» الحافلة في الأردن تجد من يقوم لها لتجلس، بينما «المتبرجة» لا تجد من يلقي لها بالا، إلا أن يتعرض لها السفهاء بالمغازلة. 

بعد مدة سافرت إلى بريطانيا مع زوجها ليحضّر رسالة الدكتوراه في الهندسة، فكانت معتزة بحجابها، وإن كانت لا ترى لها مثيلات بل كانت نشيطة مع زوجها في الدعوة إلى الله تعالى. 

بعد ذلك قدمت إلى السعودية حيث يعمل زوجها في جامعة الملك عبدالعزيز والتحقت هي بإحدى مدارس تحفيظ القرآن الكريم، ودرست فيه مستويات التجويد ولكونها تجيد اللغة الإنجليزية اختارتها المدرسة لتتولى مسؤولية فصل خاص للناطقات باللغة الإنجليزية وغالبيتهن من أوروبا وأفريقيا والهند، وقد كنت أدرس في نفس المدرسة، فكانت لنا كالأم الحنون.. حسنة الخلق.. حلوة المعشر.

وكانت لها رؤى صادقة؛ أولها كانت بعد حجابها وهي عروس، حيث رأت أنها أعطيت خمسة كيلوجرامات من السكر، فأوَّلتها إحدى قريباتها أنها ستنجب خمس بنات مثل السكر وبالفعل تحققت الرؤيا، وإن كانت الخامسة قد أنجبتها عندما كانت أكبر بناتها في الجامعة. 

حاليًا عادت إلى الأردن نهائيا، وتقوم بتدريس القرآن الكريم في إحدى مدارس تحفيظ القرآن الكريم هناك.

 (*) كاتبة إريترية

الرابط المختصر :