; ثم أشرق القلب (قصة قصيرة) | مجلة المجتمع

العنوان ثم أشرق القلب (قصة قصيرة)

الكاتب أبو مروان

تاريخ النشر الثلاثاء 23-أغسطس-1977

مشاهدات 95

نشر في العدد 364

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 23-أغسطس-1977

التقيت بخالد لأول مرة في السنة الأولى من المدرسة الثانوية التي التحقنا بها بعد إتمام الدراسة المتوسطة. كنت مع مجموعة من الزملاء نعيش حياة لهو وعبث وصخب ولعب.. لا نأبه بنظام ولا ننضبط بضوابط.

عرفت من الزملاء في الفصل أن خالدًا كان من الأوائل في الشهادة المتوسطة.

وعرفت أيضًا أنه طالب ذو دين وخلق أو قل إنه كان «ملا» كما كان بعض الزملاء يقولون..

قال أحد الزملاء يومًا: سمعت أن خالدًا لا يذهب إلى «السينما» وأنه يعتبر أن معظم الأفلام التي تعرض فيها هابطة تؤذي الشباب في أخلاقهم وتهز مثلهم... ولقد كان هذا الخبر كافيًا لأن ينأى بي عنه.

بل ربما لا أرتاح له بل إني أكرهه.

لا أنكر أنه كان يبتدرني بالسلام كلما قابلني في فناء المدرسة أو في الطريق المؤدية إلى الفصل ولكن شيئًا من هذا لم يقربه من نفسي!

كان العدد الأكبر من طلاب الفصل يحبونه يلتفون حوله يسألونه عما يعجزون عن فهمه من مواد الدراسة لكنني كنت من أولئك الذين لا يعبأون بأمر الدروس ولذا كان بيني وبين خالد جدار سميك من الجفاء.

نقل خالد في نهاية العام إلى فصل جمع فيه الطلاب المتفوقون، ودارت الأيام دورتها ولم أعد أعرف من أمر صاحبنا شيئًا.. أتممت دراستي الثانوية ثم الجامعية.. 

وعدت إلى وطني مهندسًا..

وفي ميدان العمل كان لقائي الجديد بخالد الذي كان قد سبقني إلى التخرج.

كان قد سبق له أن عُين منذ عام في نفس قسمي الذي التحقت به في وزارة الأشغال.

كعادته.. استقبلني خالد بابتسامته الهادئة إنها هي نفسها التي كنت أراها على ثغره وهو يقابل الزملاء منذ كنا في أول مراحل الدراسة الثانوية.

  • أهلًا بك يا أخي بادرني قائلًا بعد أن سلمت على بقية الزملاء في القسم، وأفسح لي المجال للجلوس في الكرسي المجاور له..
  • أهلًا بك يا خالد أجبته وكأنني أحسست بشيء من تجاوب نفسي معه لأول مرة.

وجدت خالدًا لعهده أيام كان طالبًا، يسأله الزملاء بعض الأسئلة في المشروع الذي كانوا يقومون بالإشراف عليه هو موضع ثقة الجميع توجه إليه الأسئلة، فيجيب في ثقة المتواضع وتواضع الواثق.

لأول مرة في تاريخ معرفتي بخالد أحسست أن قلبي ينفتح له وأن صدري ينشرح لحبه.

كنت على صلة بأصدقائي التقليديين من زملاء الدراسة..

تعرضت لامتحان عسير وابتلاء شديد بوفاة والدي موتًا مفاجئًا..

كانت الصدمة عنيفة قاسية..

لقد كان الوالد يتمتع بصحة جيدة، لم يسبق له أن أصيب بمرض شديد، وهو لم يتخط العقد الخامس من العمر كانت وفاته صدمة مفاجئة.

كانت الصدمة علي وعلى العائلة شديدة قاسية بل مفجعة..

ودارت الأفكار برأسي فصرت أعيش في دوار عنيف..

سأتحمل مسئوليات البيت والأسرة كاملة فأنا أكبر أخوتي..

ليست الشدائد شرًا محضًا..

كانت تلك الظروف فرصة لأمحص أصدقائي أو من يسمون أصدقائي.

افتقدت أكثر من كنت أظن أنهم قريبون مني ممن زاملوني بل صادقوني وصادقتهم معظم سني الدراسة الأصدقاء الذين كنت معهم معظم أيامي والشطر الأكبر من ليالي لم أجد منهم إلا القليل..

حتى هذا القليل واساني مواساة المجامل وسارع بالخروج.

من بين كل أولئك كان شخص واحد يلازمني خلال الأيام العصيبة كان ذلك هو خالد!

أمام الصدمة تبدر من الإنسان كلمات كأن فيها معنى من عدم الرضا بالقضاء والاعتراض عليه..

فأجد كلمات خالد الصادرة من قلب مؤمن ثلج إلى قلبي:

-يا أخي إن أمر المؤمن كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له..

وجدت ظلام الأحزان يتبدد أمام إشراق قلب صاحبي ونور توجيهه ومواساته ومشاركته.

ووجدت سحب الأسى والألم تنقشع شيئًا فشيئًا تفتح قلبي بالحب لهذا الشاب النبيل الذي وقف إلى جانبي في الشدة بصورة من الإخلاص فريدة..

ما زالت كلماته ترن في سمعي وهو يقول لي: - يا صديقي إن المرء منا قد يسمع الآية من كتاب الله بأذنيه عشرات المرات، دون أن يسمعها سمعًا واعيًا يجعلها تنفذ إلى قلبه.

ولكنه قد يسمع نفس الآية في لحظة من لحظات الصفاء، حيث يكون القلب جاهزًا للاستقبال فتنفذ إلى أعماق قلبه فتكون الهداية! 

ويبدو أن قلبي والحمد لله قد هيئ جهاز استقباله لاستقبال معاني الخير والهداية.

ومنذ ذلك اليوم عرفت حلاوة المحبة في الله ونعمة إشراق القلب بالتوجه إلى الله والقرب منه سبحانه. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

204

الثلاثاء 24-مارس-1970

الثَور الأبيَض

نشر في العدد 10

152

الثلاثاء 19-مايو-1970

النصر الأعظم