العنوان قصة خيانة عبديتش.. وصمود بيهاتش
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1995
مشاهدات 72
نشر في العدد 1136
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 31-يناير-1995
لم يكن الرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش لديه أدنى رضا من البداية على
سلوك فكرت عبديتش الذي كان في عام 1992 أحد أعضاء مجلس الرئاسة الحاكم للبوسنة
والهرسك ومع ذلك فقد حاول بيجوفيتش استيعاب عبديتش مثلما يستوعب غيره لا سيما وأن
البوسنة قد دخلت الحرب في اليوم الذي أعلنت فيه استقلالها، ولم يكن هناك مجال لترك
الفرصة لعبديتش وغيره حتى ينخروا داخل البناء الذي لم يكتمل بعد، إلا أن عبديتش
ترك سراييفو في نهاية عام 1992 إلى غير رجعة وذلك حينما اشتد بها القتال واتجه إلى
مسقط رأسه في بيهاتش ليعلن تمرده على مسلمي البوسنة وتعاونه الكامل مع الصرب
والكروات ضد المسلمين وذلك بمباركة القوات الفرنسية الدولية التي كانت ترابط في
المنطقة، طبقًا لتأكيد أرمان كوانتيه مراسل صحيفة "لوفيجارو" الفرنسية
في سراييفو، وكان تصرف عبديتش تأكيدًا- لمن عرفوا تاريخ الرجل وسلوكيات حياته- بأن
مثله لا يصلح أن يكون عنصرًا يؤمن له أو يعتمد عليه داخل صف مسلم.
ولد فكرت هاشم عبديتش- وهو اسمه الكامل- بالقرب من مدينة فيليكا
كلادوشا الواقعة في إقليم بيهاتش المسلم عام 1942 وبعدما تخرج في كلية الزراعة عمل
مديرًا لتعاونية زراعية صغيرة في فيليكا كلادوشا وسرعان ما تطور العمل في
التعاونية وتحول بعد ذلك إلى أكبر شركة زراعية غذائية في منطقة البلقان كلها وهي
شركة "أجروكوميرتس"، حيث توسع نشاطها وحجمها حتى أصبحت تضم 60 مزرعة و6
آلاف فلاح و15 مصنعًا ووصل عدد العمال العاملين بها ما يقرب من 14 ألف عامل وصارت
تنتج 600 نوع من المنتجات الغذائية الزراعية وتتعامل تجاريًا مع 38 دولة.
ومع نمو "أجروكوميرتس" كان ينمو معها عبديتش الذي أصبح
عضوًا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الحاكم في يوغوسلافيا السابقة، وصار أحد
الشخصيات المقربة من صناعة الأحداث في يوغوسلافيا حتى كشف الستار في عام 1987 عن
أكبر فضيحة مالية في تاريخ يوغوسلافيا حيث اتهم عبديتش بإصدار شيكات بدون رصيد إلى
شركات ومؤسسات دولية بلغت قيمتها مليار دولار، وحوكم مع 16 من كبار مساعديه وسميت
القضية باسم فضيحة "عبديتش جيت"، وكانت جلسات المحاكمة تبث عبر
التلفزيون، وظهر عبديتش في إحدى الجلسات على شاشة التلفزيون وهو يبكي ويذرف الدموع
بغزارة ويقول: "إنني بريء وهذه الفضيحة ليست سوى مكيدة من الحاسدين الذين
يريدون تحطيم شركة أجروكوميرتس"، وحكم على عبديتش بالسجن، وزادت شعبيته أثناء
فترة سجنه وخرج بعد ثمانية عشر شهرًا شن بعدها حملة على رموز الحزب الشيوعي الذي
كان الشعب اليوغوسلافي يكن له كراهية شديدة، فاستقبله عمال شركة
"أجروكوميرتس" استقبال الأبطال.
وحينما انهار الاتحاد اليوغوسلافي عاد عبديتش إلى رئاسة الشركة ونجح
في الانتخابات البرلمانية التي جرت في جمهورية البوسنة عام 1991 بعد ما أخذ يستمر
في إظهار عدائه للشيوعيين، وتسلق حزب العمل الذي أسسه الرئيس بيجوفيتش حتى وصل إلى
منصب نائب رئيس الحزب وعضو مجلس الرئاسة، وكان الوحيد من بين أعضاء حزب العمل
المعروف بانتمائه الشيوعي القديم، ولذلك فقد استمرت الشكوك والريبة تحيط به حتى
أعلن تمرده في نهاية عام 1992 على حكومة البوسنة فأعلن فصله من مجلس الرئاسة
والحزب ووجهت له تهمة الخيانة بعدما أقام تحالفًا مع الصرب في بيهاتش، ثم أعلن في
سبتمبر 1993 عن قيام حكم ذاتي في إقليم بيهاتش، كما أعلن في سرقة مكشوفة كبيرة عن
انتقال ملكية شركة "أجروكوميرتس"، من الملكية العامة للدولة إلى ملكيته
الخاصة واستغل العاملين في الشركة وأسرهم الذين يزيدون عن خمسين ألفًا وشكل منهم ميليشيات
مسلحة مدعومة من الصرب قوامها خمسة آلاف مقاتل وأخذ بمعاونة الصرب يبث الرعب
والفزع في نفوس مسلمي بيهاتش الذين يزيدون عن ربع مليون نسمة، واشترك بميليشياته
مع الصرب في ضرب حصار قوي على إقليم بيهاتش بدأ منذ بداية الحرب في عام 1992 ولا
زال مستمرًا حتى الآن إلا أن الفيلق الخامس التابع لجيش البوسنة والهرسك المدافع
عن بيهاتش أظهر بطولات فائقة في حرب غير متكافئة وحصار مضروب عليه من جميع الجهات
واستطاع طوال السنوات الماضية حصر عبديتش وميليشياته في مناطق محدودة وصغيرة
ملاصقة للصرب...
أما بيهاتش فهي تمثل أقصى بعد جغرافي وسكاني للمسلمين في شمال أوروبا،
وتبلغ مساحتها 2500 كيلو متر مربع، وسكانها الذين يزيدون قليلًا عن ربع مليون نسمة
تسعون بالمائة منهم من المسلمين ورغم هذا الثقل السكاني الإسلامي الجيد، إلا أن
الصرب يحيطون بها من كل جانب، وتفصلها مساحات كبيرة عن باقي مناطق المسلمين في
البوسنة ومن ثم فإنها تحتل مكانة خاصة وبعدًا استراتيجيًا ونفسيًا ودينيًا ليس لدى
مسلمي البوسنة فحسب، وإنما لدى كل مسلم ينظر إلى خريطة الدنيا فيرى تميز هذه
البقعة الواقعة في أقصى الطرف الشمالي الغربي من البوسنة فيصل بينها وبين ماليزيا
التي تقع في أقصى بعد في الجنوب ويرى عزة دينه وأمجاد قومه بين النقطتين.
ورغم الحصار الذي دخل عامه الثالث إلا أن صمود أهل بيهاتش فاق كل
التوقعات رغم تحالف عبديتش مع الصرب وتواطؤ المجتمع الدولي معهم، وفي بداية العام
قبل الماضي 1993 كلف الرئيس بيجوفيتش الجنرال عاطف دوداكوفيتش الذي يعتبر من أذكى
قيادات جيش البوسنة لقيادة الفيلق الخامس المدافع عن بيهاتش، واستطاع عاطف أن يذيق
عبديتش مرارة الخيانة، وقال عاطف لقواته المسلمة المحاصرة: "إنه ليس لكم من
سبيل للحصول على أسلحة تدافعون بها عن بيهاتش سوى أن تستولوا على الأسلحة من أيدي
أعدائكم الصرب والمتحالفين معهم"، واستطاع عاطف أن يدير خديعة كبرى لعبديتش
أطلق عليها اسم "عملية النمر" استولى من ورائها على ست شاحنات محملة
بالصواريخ والأسلحة والذخائر غيرت مجرى المعارك في بيهاتش وشن عاطف هجومًا شاملًا
ضد الصرب وقوات عبديتش في نوفمبر الماضي، حيث فر الصرب أمام المسلمين كالجرذان،
واستولى على مساحات شاسعة من بيهاتش أدت إلى كشف قواته وكانت هزيمة كبرى للصرب أدت
إلى قيام الجنرال راتكو ملاديتش قائد القوات العسكرية للصرب بقيادة صرب البوسنة
وصرب كرايينا، وصرب صربيا بنفسه وشن هجومًا مضادًا بالدبابات والطائرات على
المسلمين في بيهاتش الذين لم يجدوا بداً من التراجع وتحصين مواقعهم من جديد، لكنهم
تمكنوا من طرد عبديتش مع ميليشياته من القصر القديم الذي كان يقيم فيه بالقرب من
فيليكا كلادوشا، ولا زال المسلمون يواصلون صمودهم وهم يدخلون عامهم الرابع من
الحصار.. فيما بقيت هناك فصول لم تكتب بعد لقصة خيانة عبديتش وصمود بيهاتش..