; قصة المادة الثانية من الدستور الكويتي | مجلة المجتمع

العنوان قصة المادة الثانية من الدستور الكويتي

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 10-يونيو-1980

مشاهدات 78

نشر في العدد 484

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 10-يونيو-1980

       

  • دين الدولة الإسلام، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع.
  • خليفة الجري يقول: أطالب وأصر أن تكون الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع.
  • الشعب الكويتي شعب مسلم لم يعرف غير الشريعة مصدرًا للأحكام والقضاء.
  • بدهاء الخبير الدستوري تمت الموافقة على المادة الثانية خلال جلستين فقط من جلسات المجلس التأسيس!!
  • تعديل المادة الثانية خطوة أولى وأساسية على درب تطبيق الشريعة الطويل.

من الواضح أن تطبيق الشريعة الإسلامية والمناداة بالنص على ذلك في الدستور أصبح مطلبًا شعبيًا ملحًا، وأن مختلف قطاعات المواطنين لم تعد تطيق أن تحاد الله -سبحانه- بإقصاء شرعه الذي ارتضاه لنا رحمةً وعدلًا.

 فهل يتحقق هذا المطلب الشعبي ليحصل التوافق بين عقيدة الشعب ونظمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟!

 ذلك بالطبع ما يصبو إليه كل مسلم ومنصف وعاقل.

 ولكي يكون الشعب الكويتي المسلم على بينة من الأمر، فإنه له الحق أن يعرف لماذا لم ينص الدستور على إلزام المشرع باستنباط قوانينه من مصادر الشريعة الغراء. وإسهامًا منا في هذا السبيل نحكي للشعب الكويتي المسلم وللمسلمين جميعًا قصة المادة الثانية من الدستور من أولها. 

البداية

 تبدأ قصة المادة الثانية من الدستور بالطبع من تاريخ استقلال البلاد ووضع الدستور الذي وافق عليه المجلس التأسيسي الذي أسس خصيصًا لهذه الغاية. 

 وقبل الشروع في سرد القصة لا بد من الإشارة إلى حقيقة مهمة، وهي أن الكويتيين فيما قبل الاستقلال، لم يكونوا يعرفون غير أحكام الشريعة مصدرًا للأحكام والأقضية، اللهم إلا بعض التجار الذين تجاوزوا أكل الربا بحجة ضرورات العصر، ولذلك كان ينبغي بعد الاستقلال تكريس هذه الحقيقة وتقنين الشريعة الإسلامية من مصادرها المختلفة. ولكن ذلك بكل أسف لم يحدث، ومن هنا كانت القصة.

 الكويت كبلد ناشئ استقل حديثًا، أراد أن يلحق الأمم والدول التي سبقته في التنظيم والتقدم العمراني، فصوبت الحكومة أول ما صوبت تجاه وضع الدستور «أبو القوانين»، وهي في ذلك محقة، فالدستور ينظم أسس الاجتماع والاقتصاد والسياسة، وهذا ما لا بد منه لأية دولة أو بلد. وبسبب قلة الخبرة تم استقدام خبير دستوري من دولة عربية سابقة في هذا المجال فوضع الدستور، وبدأ المجلس التأسيسي مناقشة مواد الدستور مادة مادة.

  • وفي الجلسة رقم 62/20 تاريخ 9/18/ 1962بدأ المجلس مناقشة المادة الثانية التي نصت على «دين الدولة الإسلام والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع» وعندما تليت المادة تكلم مسلم غيور هو السيد خليفة طلال الجري حيث قال: «أرجو أن توضع عبارة «المصدر الرئيسي للتشريع» عوضًا عن عبارة «مصدر رئيسي للتشريع»، وإني أصر وأطالب بذلك وأضاف: «فإن ذلك معناه تحقيق العدالة الاجتماعية، وتحرير الفرد، وضمان الحريات على الطريقة التي أرادها الله لعباده، ويعتبر ذلك تمسكًا بديننا وامتدادًا لدعوة نبينا الرسول الأعظم -صلى الله عليه وسلم- وتوكيدًا لإيماننا بالله وتعاليمه لنا في الأرض، وإن ذلك غاية لنا وغاية كل مسلم».

 وقد وافقه على ذلك عدد من السادة الأعضاء، منهم أحمد الفوزان ونايف الدبوس وسعود عبد العزيز العبد الرزاق وغيرهم. فيما رأى أحد الأعضاء أن لا فرق بين العبارتين! كما أصر آخر-نرجو أن يكون قد تاب إلى الله عن ذلك- على النص الوارد في مشرع الدستور لأنه إضافة «ال» التعريف تعني «أن البنوك والشركات يجب أن تغلق!» وأن 90% من الكويتيين يتاجرون ويتعاملون مع البنوك والشركات، بل إن الرأسمال الذي لديهم، إنما يأتيهم في معاملاتهم مع البنوك بفائدة 5% أو 7% قبلًا، وهذا أيضًا محرم في الدين الإسلامي، ولذلك فإنني أريد أن يكون البحث في هذه المادة على مستوى تفهم أكثر للواقع وضروراته!».

 وإذا كان هذا العضو قد قال ذلك بسبب ارتباط مصالحه بالبنوك والشركات وجهله بالإسلام، فإن من يراجع محضر الجلسة المذكورة يتبين له كيف أن الخبير الدستوري لم يكن نزيهًا بل كان مضللًا، فهو الذي تكلم أكثر من الأعضاء وبالذات في تفسير هذه المادة، ومما قاله:

«ومع أننا نريد أن نجعل التزامنا أكثر ما يكون بالشريعة، لكننا في الوقت ذاته أردنا أن نتيح للمشرع مجال الأخذ بالقوانين الحديثة، التي لم يكن لها أصل في الشريعة!».

 أما إذا قلنا «الشريعة هي المصدر الرئيسي» فإنما نضيف فيها إلزامًا قد يحرج المشرع مستقبلًا، ويمنعه من قوانين لازمة، وإن كانت لا تتمثل في الشريعة الإسلامية. أما النص الحالي فيعطي برحابته مجالًا أوسع للمشرع!! وما هذا الحرج وما هذه الرحابة يا ترى؟! إن الخبير لا يدعنا نتساءل بل يجيب وبصراحة: «فلو أخذ بالنص التالي المقترح وهو المصدر الرئيسي، فماذا يكون مثلًا مصير البنوك والشركات والتعامل التجاري والتأمين وقوانين العقوبات؟!».

 كل ذلك مشرع في الشريعة الإسلامية بل وقد لا تقره! ومن العجيب أن نائب الرئيس آنذاك وهو الدكتور أحمد الخطيب، قد استغرب أي يعني ذلك تطبيق بعد الحدود «كقطع يد السارق، والعين بالعين».

 وهكذا بسبب دهاء وعدم نزاهة الخبير الدستوري، وجهل بعض الأعضاء بالإسلام وتفاصيل أحكامه وقلة درايتهم، ثم إرجاء البحث في المادة الثانية إلى جلسة أخرى.

  • وفي جلسة رقم ٢٥/ ٦٢ تاريخ ٣٠/١٠/ ١٩٦٢، تمت الموافقة على المادة الثانية كما هيبعد أن تولى الخبير الدستوري منذ بداية الجلسة، توضيح المادة وبيان أنها لا تمنع من وضع الشريعة موضع الصدارة في مصادر التشريع، وكرر ما قاله سابقًا ولكنه استخدم هذه المرة خدعة جديدة، هي الإحالة إلى المذكرة التفسيرية التي ذكرت أن هذه المادة «تفتح الباب على مصراعيه للأخذ بالشريعة الإسلامية، بالقدر الذي يراه المشرع أي القانون العادي، فإذا رأى المشرع العادي أنه في الإمكان الأخذ بالشريعة الإسلامية مائة بالمائة، وقدر أن مصلحة البلد تسمح بذلك، فهذا النص الدستوري لا يمنعه منه...»!!

 وهكذا بخبث العالم، تم إقناع المعترضين ممن ليس لديهم الخبرة الكافية في هذا المجال، وأقرت المادة كما وضعها الخبير لتحول بين الشعب المسلم وأحكام شريعته!

 ومع تقدم الزمان ووضع الدستور قيد التجربة والتنفيذ، أخذ يتبين يومًا بعد يوم أن لا بد من تحكيم الشريعة الإسلامية كاملة غير منقوصة. وقد أصبح هذا الأمر قناعة عامة لدى الشعب الكويتي، ولكن العقبة كانت من السلطة التنفيذية من جهة، ومن المثقفين «المضبوعين» بالمدنية الغربية، و«الديمقراطية» أو العصرنة، والجاهلين بطبيعة الحال بدينهم.

 ومع ذلك فقد ظل صوت المنادين بتطبيق الشريعة مسموعًا بوضوح.

 ومنذ أوائل السبعينيات، بدأ هذا المطلب يأخذ شكلًا شعبيًا عامًا بسبب تنامي الوعي الديني من جهة، وبسبب الثغرات الكثيرة التي كشف عنها التطبيق القانوني غير الإسلامي من جهة ثانية.

محاولة لتعديل المادة

 وفي عام ١٩٧٥ تم إدراج بند لتعديل المادة الثانية على جدول أعمال مجلس الأمةـ في دور الانعقاد العادي الأول من الفصل التشريعي الرابع.

 وفي دور الانعقاد الثاني وبالذات في الجلسة الأولى/ جـ يوم4/ 11/ 1975، تم تلاوة اقتراح بمشروع قانون دستور مقدم من «۲۲» نائبًا بتعديل المادة الثانية من الدستور ومذكرته التفسيرية. 

 وقد طالب هؤلاء الأعضاء بتعديل المادة الثانية لتصبح كالتالي: «دين الدولة الإسلام، ويعاقب على المساس به، والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع».

 ومن ضمن ما جاء في المذكرة التفسيرية لمشروع القانون المقترح، فضلًا عن ضرورة الاحتكام لقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: 47) ما يلي: 

 ولما كان الزمان قد أثبت أن الرخصة الدستورية الواردة بالمادة الثانية من الدستور في وضعها الحالي -والتي لم تستعمل جديًا حتى الآن- يمكن أن تستمر إلى أجل غير مسمى، ونحن لا نقترب من الحكم الشرعي، بل وربما نبتعد عنه خطوة خطوة، ولذلك أصبح لا مفر من الرجوع إلى أحكام الشريعة رجعة حاسمة، من وضع نص قاطع شامل في المادة الثانية من الدستور، وذلك بالنص على أن الشريعة الإسلامية هي «المصدر الرئيسي للتشريع» ومقتضى ذلك أنه لا يؤخذ في التشريع عن مصدر غير الشريعة الغراء، إلا في الأمر التي لم يرد حكم شرعي في شأنها، ومن ثم يبطل كل نص في القوانين أو اللوائح يخالف أحكام الشريعة المذكورة.

 وقد أحيل المشروع للجنة الشؤون التشريعية والقانونية بموافقة عامة.

 وقد نظرته اللجنة ورأت إرجاء البت في الموضوع حتى أخذ رأي الحكومة.

 ولم تتوفر لدينا مصادر موثوقة عن نتيجة التشاور مع الحكومة، إلا أن بعض الصحف ذكرت آنذاك أن الحكومة تعارض ذلك. وكان واضحًا أن هذا المشروع كان يتطلب أغلبية من (٤٢) عضوًا، باعتبار أن أعضاء المجلس مع الوزراء (٦٦) عضوًا. ولكن في هذه الفترة أي عام ١٩٧٦ كانت قد ظهرت بوادر الأزمة بين الحكومة والمجلس، التي انتهت بقرارات أغسطس ٧٦ بحل المجلس وتعليق العمل ببعض مواد الدستور.

 وكان الشعب الكويتي قد طالب بتطبيق الشريعة قبل حل المجلس، وعندما أعلنت السلطة التنفيذية عن نيتها سن بعض التشريعات الإسلامية، وذلك من خلال عرائض موقعة من قبل الآلاف، وقد بدأ اتجاه السلطة التنفيذية إلى سن تلك التشريعات، وكأنه تطويق لهذه المطالب، ومع ذلك فقد ازداد الوعي لدى عامة المسلمين بضرورة أخذ الأمر مأخذ الجد.

 وقد تعزز هذا الوعي خلال السنوات الأربع الماضية، بسبب انتشار الحركة الإسلامية من جهة، وبسبب العنت الذي لحق الناس من جراء تعطيل الحياة النيابية، وتفرد السلطة التنفيذية في اتخاذ القرارات والقوانين التي تراها دونما رقابة شعبية من جهة ثانية. وقد برزت كذلك منذ عهد الاستقلال ظاهرة تركز الثروة، والتفاوت في الدخول والامتيازات في المجتمع الكويتي بشكل واضح، كما برزت بعض مظاهر التحلل والتفسخ والفوضى، وانتشار بعض الأمراض الاجتماعية بسبب غياب الحكم الشرعي.

 ولذلك ما أن أعلنت الحكومة تشكيل لجنة النظر في تنقيح الدستور، وطلبت إلى المواطنين إبداء آرائهم، حتى سارعوا إلى التأكيد على مطلب إصلاح الحياة النيابية، وتعديل المادة الثانية من الدستور لتنص على أن الإسلام هو مصدر التشريع.

لجنة النظر في تنقيح الدستور

 والاتجاه العام لدى الحكومة هو تحجيم دور المجلس النيابي، وتقوية دور السلطة التنفيذية على حساب السلطة التشريعية، بحسب ما تشر من نصوص تصورات الحكومة لتنقيح الدستور، حيث لم تشر تلك التصورات إلى المادة الثانية. 

 كما أن السلطة التنفيذية إياها قد تدخلت بنشاط جمعية الإصلاح الاجتماعي، فأوقف برامج أسبوع الدستور الإسلامي التي جسدت خلال اليومين الأولين، المطلب الشعبي بتطبيق الشريعة، ومع ذلك فقد تجد السلطة التنفيذية نفسها مضطرة للاستجابة لهذه الرغبة الشعبية، التي تأكدت لديها من جديد عندما تقدم ستة عشر عضوًا من أعضاء لجنة التنقيح، بمشروع لتعديل المادة الثانية، وقد ذكرت مصادر مطلعة أن عدد هؤلاء قد انخفض إلى ثلاثة عشر عضوًا خشية الإحراج أمام الحكومة!

 ويبدو أن الحكومة تفكر جديًا في إعادة النظر في تعديل هذه المادة، وذلك من خلال استشارتها لعدد من المختصين في القانون، من بينهم أساتذة في جامعة الكويت. وما تريد أن تتأكد منه الحكومة هو هل سيؤثر هذا التعديل على قانون توارث الحكم؟ فإن هي اطمأنت لذلك فقد تستجيب للمطلب الشعبي. ولا شك أن المواطنين سيرحبون لهذه الاستجابة، وسيعتبرونها برهانًا صادقًا على صدق التوجه الشعبي لدى الحكومة، وإصلاح الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية على أساس من العدل والإنصاف طبقًا لأحكام الشريعة الغراء.

وبعد

 فها هي المادة الثانية الآن بين يدي لجنة النظر في تنقيح الدستور، تنتظر منهم النصر والتأييد، وهي أمانة في أعناقهم، أمانة لأنهم مسلمون أولًا وسيسألهم الله يوم القيامة عن ذلك، وأمانة لأن الشعب الذي يمثلونه قد أمنهم على تلبية مطلبهم بتطبيق الشريعة، وهي أمانة موضوعية كذلك لأن المجتمع الذي تحكمه الشريعة وتسري فيه القيم الربانية مجتمع متكامل متعاون أمن مطمئن.

 وينبغي أن يكون واضحًا أننا حين نطالب بتطبيق الشريعة في الوقت الحاضر من خلال تعديل المادة الثانية من الدستور، ندرك تمامًا أن الشريعة سوف لا تطبق بالكمال والتمام،إنه لا تزال هناك عقبات أهمها من يقوم علىتطبيق الشريعة، وقد يقول قائل: ها قد عدل الدستور في مصر السادات فهل طبقت الشريعة؟! ونحن قد بينا زيف التعديل الساداتي في العدد السابق، ونوهنا إلى أن غرضه كان تطويق المعارضة الإسلامية، والحصول على حق الرئاسة مدى الحياة!

 وقد يكون من شروط نجاح تطبيق الشريعة، اقتناع الناس بأمثلة حية لمؤسسات إسلامية. ومن فضل الله أن نجحت خلال فترة وجيزة تجربة البنك الإسلامي والاستثمار الإسلامي في أكثر من بلد، مع العلم أنه لا توجد معاملة مالية ولا تنظيم اقتصادي أو اجتماعي، إلا وله بديل في النظام الإسلامي أحكم وأيسر في التطبيق فضلًا عن تحقيق العدل.

 وبعد، فبالرغم من إدراكنا التام لجميع العقبات التي تعترض تطبيق الشريعة، إلا أننا نصر على هذا المطلب ولو كخطوة أولى وأساسية على الدرب الطويل. وللذين يتكئون على هذه العقبات ولا يلحقون بالمطالبين بتطبيق الشريعة، نقول لهم إنكم مقصرون أولًا، وستسألون عن هذا التقصير أمام ملك الملوك تبارك وتعالى،

ومغرقون جدًا في الحذر من هذه العقبات، وهنا في الكويت قد صدرت مؤخرًا عدة قوانين استندت في كثير من أحكامها وموادها إلى الشريعة الإسلامية، مما يسهل عملية تعديل اللوائح والقوانين طبقًا للدستور، إذا ما عدل لينص صراحة على أن الإسلام مصدر التشريع.

 هذه هي قصة المادة الثانية لم تكتمل بعد، فمن يكون يا ترى بطل القصة: الحكومة أم لجنة التنقيح أم المجلس المرتقب؟!

الرابط المختصر :