العنوان قصة العلاقات اليمنية- الأمريكية من الريحاني إلى النقطة الرابعة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-2000
مشاهدات 61
نشر في العدد 1395
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 11-أبريل-2000
كان وراء حرص الإمام يحيى على التقرب إلى الأمريكان الحصول على اعتراف دولي بشرعية نظامه.
رحلة الأديب الريحاني الشهيرة في العالم العربي، هل كانت لتوحيد كلمة العرب أم لاكتشاف مناطق نفوذ للأمريكان؟!
اتسمت العلاقات اليمنية الأمريكية في بداية تكونها قبل الثورة اليمنية بإعراض أمريكي عن إقامة اتصالات دبلوماسية تفضي إلى علاقات كاملة بين صنعاء وواشنطن، فيما كان الإمام يحيى حميد الدين حريصًا على التقرب إلى الولايات المتحدة، والحصول على الاعتراف به ملكًا على اليمن، حيث بادر إلى توجيه رسالة إلى الرئيس الأمريكي ويلسون عام ۱۹۱۸م في أعقاب تسلمه حكم اليمن من الأتراك الذين انسحبت قواتهم بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، واتفاقهم مع الإمام يحيى على أن يكون وريثًا للسلطة.
وتجاهل الأمريكيون رسالة الإمام يحيى التي أرسلها عبر القنصلية الأمريكية في عدن، فيما ظهر الأديب اللبناني أمين الريحاني في اليمن في إحدى مراحل رحلته الشهيرة في البلاد العربية ۱۹۲۲م، والتي كان الهدف المعلن منها توحيد كلمة ملوك العرب وسلاطينهم لكن عددًا من الدراسات آثار بعد سنوات من رحلة الريحاني علامات استفهام حول الدوافع الحقيقية للرحلة، وأنها كانت بإيعاز من السلطات الأمريكية لتلمس مناطق للنفوذ الأمريكي المقبل.
لم يكن الهدف الحقيقي من حرص الإمام يحيى على التقرب إلى الأمريكان إلا الحصول على اعتراف دولي بشرعية نظامه، بينما اعتمد سياسة العزلة عن كل ما هو أجنبي بدعوى الحفاظ على استقلال اليمن، وفيما سعى يحيى العلاقات تجارية ظل يسوف في إقامة علاقات دبلوماسية أيًا كانت.
وفي إطار هذه السياسة، عقد الإمام يحيى اتفاقيات ومعاهدات مع الاتحاد السوفييتي ۱۹۲۸ وهولندا ۱۹۳۳م والحبشة ١٩٣٥ وفرنسا وبلجيكا ١٩٣٦، ويبدو أن هذه السلسلة من المعاهدات جات بعد فشل محاولته عام ١٩٢٧م في الاتصال بالأمريكان عبر التاجر الأمريكي «تشارلز كرين» الذي بني عددًا من الجسور على طريق صنعاء- الحديدة، وتمكن من كسب ثقة الإمام، لكن وزارة الخارجية الأمريكية رفضت التجاوب مع محاولات الإمام، بحجة أنه ليس من المناسب إقامة علاقات سياسية مع صنعاء. وربما كان للخلافات بين الإمام يحيى والوجود البريطاني في جنوب اليمن دور في الموقف الأمريكي، إذ ظلت تلك الخلافات حول تحديد الحدود بين الطرفين مثار احتكاكات سياسية وعسكرية لم تهدأ إلا في الثلاثينيات بعد اتفاق أعقب مناوشات عسكرية نجح خلالها البريطانيون في ضم أجزاء أخرى من اليمن إلى مناطق نفوذهم.
وفي ثنايا رياح التغيير التي جاءت بها الحرب العالمية الثانية، أسفرت زيارة شخصية قام بها القنصل الأمريكي في عدن «هارلين كلارك» عام ١٩٤٥ لصنعاء عن وضع أول أساس عملي الإقامة العلاقات اليمنية- الأمريكية، حيث تم الاتفاق على عقد معاهدة بين البلدين، وبالفعل فقد قام مفوض أمريكا في جدة «وليام أدى» بزيارة صنعاء عام ١٩٤٦ لعقد المعاهدة وإعلان اعتراف أمريكا باليمن، كما دعمت أمريكا انضمام اليمن إلى عضوية الأمم المتحدة ١٩٤٧م لتصير العضو رقم ٥٦ في المنظمة الدولية الجديدة.
نقطة الصفر
ومع ذلك، فقد ظل مستوى هذه العلاقات عند نقطة الصفر تقريبًا، وإن كان بعض الباحثين يزعم أن الإمام حصل على معونة أمريكية عام ١٩٤٨م قيمتها مليون دولار، كما سبق لأحد أبناء الإمام زيارة أمريكا عام ١٩٤٧م وهو عبد الله بن يحيى الذي سوف يتهم بأنه كان وراء انقلاب عسكري عام ١٩٥٥م للتمهيد للنفوذ الأمريكي في اليمن، وقد لقي عبد الله حتفه على يد أخيه الإمام أحمد بعد فشل ما يعرف في التاريخ اليمني المعاصر بثورة «التلايا» التي شارك فيها بعض قوى المعارضة الداخلية مع عدد من أشقاء الإمام، ونجحت في إجبار الإمام أحمد على التنازل عن العرش لأخيه عبد الله لكن المعارضة اليمنية في الخارج أعلنت رفضها للثورة- الانقلاب، باعتبار أن الإمام الجديد هو رجل أمريكا، ومع أن الإمام أحمد نجح بعد أيام في إفشال الانقلاب، إلا أن المكسب الحقيقي له كان حصوله على دعم عربي لنظامه، أدى إلى تخفيف انطباعات السوداوية عن النظام اليمني آنذاك في أعقاب المجزرة الدموية التي نفذها ضد معارضيه في أعقاب فشل ثورة ١٩٤٨م.
لكن قبل ذلك، كان الإمام قد نجح في إقناع الأمريكيين بالقبول بفتح «مفوضية يمنية» في أمريكا عام ١٩٥١م مقابل فتح مفوضية أمريكية في اليمن تأخر افتتاحها إلى عام ١٩٥٩م.
وانفتحت الأبواب
بدأ الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين تنفيذ سياسة انفتاح حذرة بعد منتصف الخمسينيات في أعقاب فشل ثورة التلايا عام ١٩٥٥م، حتى وصل عدد الخبراء والعمال الأجانب حينها إلى رقم خيالي بالنسبة لسياسة العزلة اليمنية المشهورة «۷۰۰ صيني و۲۰۰ أوروبي»، وكان الإمام يهدف من وراء الظهور بمظهر المنفتح الحد من نشاط المعارضة اليمنية في الخارج بالإضافة إلى الحصول على بعض المساعدات المادية، فشارك في حلف ثلاثي عربي عام ١٩٥٦م، كما انضم عام ١٩٥٨م إلى الاتحاد العربي مع الجمهورية العربية المتحدة مصر وسورية للتخفيف من الآثار الحماسية للوحدة المصرية- السورية في الشارع اليمني.
وفي عام ١٩٥٧م تزايد الاهتمام الأمريكي باليمن بعد ازدياد الدعم السوفييتي والصيني، فقد بنى السوفييت ميناءً حديثًا في الحديدة، كما بدأوا في بيع السلاح عام ١٩٥٧م، فيما بنى الصينيون طريق صنعاء- الحديدة المهم والوعر، ومصنعًا للغزل والنسيج في صنعاء، كما قدم الطرفان قروضًا لليمن، وفي المقابل -وفي الفترة نفسها من نهاية الخمسينيات- رفض الإمام أحمد قبول مساعدات أمريكية عام ١٩٥٨م احتجاجًا على مساندتها لبريطانيا التي كانت تحتل المناطق الجنوبية والشرقية في اليمن، لكن الإمام تراجع سريعًا وقبل بالمساعدات الأمريكية ويفتح مفوضية عام ١٩٥٩م.
وصارت اليمن الدولة الوحيدة في الجزيرة في ذلك الحين التي تقيم علاقات مع أمريكا والاتحاد السوفييتي والصين معًا.
الإطاحة بنظام الإمام
وبعد أقل من ثلاث سنوات تعرضت العلاقات اليمنية- الأمريكية لأزمة جديدة بعد نجاح جماعات المعارضة اليمنية- العسكرية والمدنية- في الإطاحة بنظام الإمام في ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢م، وهي الثورة التي حولت الطرف الجنوبي إلى بؤرة اهتمام إقليمي ودولي، فانعكست عليها مقتضيات الحرب الباردة بين الغرب والشرق واعتبرت الولايات المتحدة أن التغيير الذي حدث في صنعاء حركة يسارية موالية لليسار العربي المدعوم من المعسكر الاشتراكي، وبالتالي فهو يهدد الاستقرار في المنطقة حيث المصالح الأمريكية المتمثلة بالبترول وبالإضافة إلى ذلك، فقد كان هناك مخاوف أمريكية من تأثير الأحداث في اليمن على المنطقة بما يصب في مصالح الاتحاد السوفييتي وخاصة مع وصول الجيش المصري لدعم الثورة اليمنية.
وعلى الرغم من الاعتبارات السابقة، إلا أن الولايات المتحدة عادت وأعلنت اعترافها بالنظام الجمهوري في صنعاء بعد ثلاثة أشهر خشية انحياز اليمن إلى المعسكر الشرقي كما أن اليمن من جهتها هددت بإغلاق سفارات الدول التي لم تعترف بالتغيير الذي حدث لكن الاعتراف الأمريكي كان مشروطًا بإعلان اليمن احترامها للمعاهدات السابقة، وإصدار نداء لليمنيين في المناطق المجاورة باحترام القانون، واستعداد النظام الجديد لإعادة العلاقات الودية مع الجيران إلى مجراها الطبيعي.
اعتراف بالنظام الجديد
وفي ١٩ ديسمبر ١٩٦٢م صدر النداء اليمني، وفي ٢٠ ديسمبر، أعلنت أمريكا اعترافها بالنظام الجديد في صنعاء، وفي اليوم نفسه استلمت اليمن مقعدها في منظمة الأمم المتحدة، وبالطبع فإن ذلك كان يعد نصرًا سياسيًا كبيرًا لليمن.
لم ينته الأمر بالنسبة للولايات المتحدة باعترافها المشار إليه سابقًا، فقد كانت الأحداث اليمنية أول أزمة حقيقية تواجهها إدارة الرئيس جون كينيدي في الشرق الأوسط وبالنظر إلى الأخطار التي وجد الأمريكيون أن أزمة اليمن يمكن أن تفجرها، فقد تم تشكيل لجنة خاصة برئاسة روبرت كومر تهتم بالأزمة، وتم نقل القضية إلى اختصاص البيت الأبيض بدلًا من وزارة الخارجية حتى تكون القيادة الأمريكية في حالة متابعة مستمرة للتطورات.
وفي الإطار العملي بدأت الإدارة الأمريكية سلسلة من الخطوات للحد من أخطار الأزمة في اليمن، وذلك عبر الاتصال بكل من مصر والسعودية لحثهما على استخدام نفوذهما الإيقاف الحرب الأهلية، كما سعى الأمريكان الإرسال بعثة من الأمم المتحدة للمراقبة، لكن المحاولة فشلت، مما دفع الأمريكان للاكتفاء بمراقبة الأوضاع، وخاصة بعد تدهور العلاقات الأمريكية- المصرية في عهد الرئيس جونسون بسبب تعصبه المعروف وانحيازه الفاضح «لإسرائيل»، كما أن تطورات الأحداث في المنطقة طمأنت الأمريكيين من جهة عدم تعرض مصالحهم للخطر نتيجة الحرب الأهلية، فيما بدا لهم أن الحرب تحولت إلى ورطة للجيش المصري.
واكتفت أمريكا بتعيين سفير غير مقيم في اليمن، وتم تعيين قائم بالأعمال في «تعز» لكتابة التقارير فقط وإرسالها إلى مقر السفير في السعودية، أما اليمنيون فقد سعوا إلى تحسين علاقاتهم مع واشنطن، وطلبوا من الأمريكان استكمال مشروع شق طريق «المخأ- تعز- صنعاء» الذي كان قد بدئ العمل فيه قبل قيام الثورة، وبالفعل وافق الأمريكيون على تنفيذ المشروع بقيمة ١٥ مليون دولار، كما وافقوا على استمرار مشروع إمداد تعز -عاصمة الإمام- بالمياه الذي كانوا وعدوا بتنفيذه من قبل الثورة ومع ذلك، فقد شاب العلاقات فتور وشكوك ربما كانت انعكاسًا لأجواء العلاقات بين أمريكا ومصر صاحبة النفوذ المؤثر في اليمن لكن الأمريكان استعادوا اهتمامهم باليمن بعد إعلان بريطانيا ١٩٦٦م اعتزامها الانسحاب من عدن في أوائل ١٩٦٨م، مما يعني أن الذين كانت واشنطن تعتمد عليهم في جنوب الجزيرة العربية قد قرروا التخلي عن مسؤولياتهم هناك.
أزمة ساخنة
وفي عام ١٩٦٧م، وفي ذروة التوتر الذي شاب منطقة الشرق الأوسط بسبب قضية فلسطين انفجرت أزمة ساخنة بين الولايات المتحدة واليمن، ففي ٢٥ أبريل ١٩٦٧م القت السلطات اليمنية القبض على موظفين أمريكيين اثنين بتهمة ضرب مخزن سلاح يمني في تعز، مما أدى إلى مقتل جنديين: يمني ومصري.
أدى الحادث إلى قيام مظاهرات صاحبة في المدينة، حيث كان اليساريون يتمتعون بنفوذ شعبي قوي، وتعرض مقر البعثة الأمريكية للرمي بالحجارة، كما حطم المتظاهرون مكتب وكالة التنمية الأمريكية «المعروفة باسم النقطة الرابعة».
وفيما لم يعرف أحد حقيقة الاتهامات ضد الأمريكيين إلا أن محكمة يمنية أدانتهما بالتخريب لكن مصر تدخلت لضمان الإفراج عن المعتقلين، وقد ألقى الحادث بظلاله على العلاقات الثنائية بين أمريكا واليمن، وعادت للدخول في طور من الجمود قبل أن يتم قطع هذه العلاقات بعد عدوان يونيو ١٩٦٧م احتجاجًا على الدعم الأمريكي «لإسرائيل».