; قصة العلاقات اليمنية- الأمريكية «٢-٢».. نفط أرض سبأ يدشن عصر الصداقة بين الصقر والهدهد | مجلة المجتمع

العنوان قصة العلاقات اليمنية- الأمريكية «٢-٢».. نفط أرض سبأ يدشن عصر الصداقة بين الصقر والهدهد

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-2000

مشاهدات 66

نشر في العدد 1396

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 18-أبريل-2000

■ ترددت واشنطن أكثر من مرة في تزويد صنعاء بالسلاح رغم حاجتها إليه.

■ في حرب الوحدة اليمنية ظهر انقسام داخل الإدارة الأمريكية فبينما كان البيت الأبيض يدعم موقف الرئيس عبد الله صالح كانت وزارة الخارجية تتعاطف مع الاشتراكيين.

شهدت صنعاء في نوفمبر ١٩٦٧م تغييرًا سياسيًا أقصى الجمهوريين المتشددين بقيادة الرئيس الأسبق عبد الله السلال، وجاءت قيادة أعلنت نبذ خيار الحرب ضد أنصار النظام الإمامي، وفتحت أبواب المصالحة مع قوى المعارضة في إطار النظام الجمهوري. 

وكان طبيعيًا أن يشمل نهج المصالحة إعادة التفكير في السياسة الخارجية لليمن ولا سيما بعد خروج القوات المصرية وتضاؤل النفوذ السياسي المصري.. وكانت إعادة العلاقات المقطوعة بين صنعاء وواشنطن في مقدمة الأولويات، ففي مطلع ١٩٦٩م أعلن وزير الخارجية اليمني- آنذاك- «يحيى جخمان» عن رغبة اليمن في إعادة العلاقات مع الولايات المتحدة، إلا أن هذه الخطوة لاقت إحجامًا أمريكيًا حينها.

وفي سبتمبر ١٩٦٩م، أعاد المهندس «عبد الله الكرشمي» رئيس الوزراء إعلان الرغبة بإعادة العلاقات مع أمريكا، وشهد نهاية العام نفسه أول لقاء رسمي بين وزيري خارجية البلدين على هامش اجتماعات الدورة السنوية للأمم المتحدة.. وفي مطلع العام ۱۹۷۰م، تم السماح بافتتاح مكتب لرعاية المصالح اليمنية في واشنطن تحت رعاية السفارة الصومالية، وآخر في اليمن لرعاية المصالح الأمريكية تحت رعاية السفارة الإيطالية. 

كان الاستعجال اليمني والتجاوب الأمريكي مرتبطين بالتطورات التي شهدها اليمن بشطريه الشمالي والجنوبي، فقد نجحت السياسة الخارجية اليمنية في تحقيق تقارب مع المملكة العربية السعودية بعد زيارة عدد من كبار المسؤولين اليمنيين لمدينة جدة لحضور مؤتمر وزراء الدولة الإسلامية «مارس ۱۹۷۰م»، واللقاء بعدد من المسؤولين السعوديين، وهي خطوة يتبعها اعتراف السعودية بالنظام الجمهوري في صنعاء «يوليو ۱۹۷۰م».

لكن من أهم الأسباب التي تفسر الرغبة اليمنية الحميمة لإعادة العلاقات مع أمريكا تزايد النفوذ الروسي في جنوب اليمن بعد استيلاء الشيوعيين على السلطة في عدن «يونيو ١٩٦٩م»، مما أوجد الحاجة لإحداث توازن يقابل النفوذ السوفييتي الذي ورث النفوذ البريطاني، فيما أغلق الشيوعيون في عدن القنصلية الأمريكية التي ظلت متواجدة طوال خمسين عامًا. 

وطوال العامين «۱۹۷۰ م- ۱۹۷۱م»، بدأت العلاقات اليمنية الأمريكية تستعيد عافيتها شيئًا فشيئًا، فقد باشر ممثلا البلدين في مكتبي رعاية مصالحهما عملهما، كما تمت زيادة عدد الأعضاء العاملين، وتوجت هذه المرحلة بوصول وليم روجرز، وزير الخارجية الأمريكية إلى صنعاء في أول زيارة من نوعها «١/ ٧ /١٩٧٢»، حيث تم توقيع اتفاقية إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة. 

وقد اقتصرت العلاقات بين صنعاء وواشنطن في تلك السنوات على التعاون في المجالات الاقتصادية والثقافية، وفي أثناء الحرب الأهلية بين شطري اليمن «سبتمبر۱۹۷۲م»، اكتفت الولايات المتحدة بإعلان موقف ضعيف أدى إلى انزعاج صنعاء التي كانت تتوقع موقفًا أمريكيًا قويًا يوازن موقف السوفييت حلفاء «عدن»، لكن فترة ما بعد الحرب القصيرة شهدت تنشيط المساعدات الأمريكية في مجالات الزراعة والمياه والطيران والعلاقات التجارية والتعليمية.. فيما ظل التعاون العسكري منعدمًا.

وجاء دور السلاح

دخل النظام الحاكم في صنعاء فترة انهيار إداري ومالي وسياسي زاد من حدته الأداء السيئ للدولة في الحرب الأهلية مع الشيوعيين في الجنوب، ونضجت الأوضاع يونيو «١٩٧٤م» لإجراء تغيير حقيقي في صنعاء، يجيء بقيادة تستطيع مواجهة التهديد الماركسي الذي مثله نظام عدن وجماعات الماركسيين الموالية له، التي شنت حرب عصابات على عدن.

تولى العقيد إبراهيم الحمدي السلطة في صنعاء ۱۳ يونيو ١٩٧٤م، ولاقت حركته ارتياحًا أمريكيًا لاهتمام الحمدي بتعزيز العلاقات مع الجيران، ووصل وفد عسكري أمريكي في العام نفسه لدراسة موضوع تزويد اليمن بالسلاح الأمريكي، وتم وضع خطة لذلك في نهاية ١٩٧٤م، وفي مطلع ۱۹۷۵م، تم توقيع اتفاقية بقيمة ١٣٨ مليون دولار لتزويد اليمن بأسلحة أمريكية.

وبالرغم من الحاجات الماسة في صنعاء للسلاح الأمريكي، إلا أن وصول الشحنات الأولى ظل متعثرًا، وفي منتصف ١٩٧٦م، أعلن الرئيس الأمريكي عن نية بلاده تزويد اليمن بالسلاح وفقط في فبراير ۱۹۷۷م بدأ وصول الأسلحة ومعها سلاح فرنسي أيضًا، وشهدت العلاقات التجارية زيادة ملحوظة، وقدم الأمريكان مساعدات وقروضًا اقتصادية، كما تم افتتاح مركز ثقافي أمريكي في صنعاء سيكون هو الأنشط بين أمثاله طوال السنوات التالية.

وفي أغسطس ۱۹۷۸م تم الاتفاق على أكبر صفقة سلاح أمريكي لليمن بقيمة٤٠ مليون دولار تضم ۱۲ طائرة إف ٥، و٦٤ دبابة أم ٦٠، لكن كالعاد تأخر وصول السلاح، لكن انفجار الحرب الأهلية الثانية في فبراير ۱۹۷۹م أوجد اهتمامًا أمريكيًا مباشرًا باليمن على خلفية التهديد الذي واجهه النفوذ الأمريكي بعد سقوط نظام الشاه في إيران، وبعد أيام من الحرب، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية إدانتها للعدوان الذي شنه النظام الشيوعي في عدن على الشطر الشمالي.. وأبلغ الأمريكان الروس بمخاوفهم، وتم استدعاء السفير الروسي في واشنطن بشأن هذا الأمر.. كما قامت الولايات المتحدة بإرسال طائرتي «أواكس» إلى المنطقة فيما توجهت عدة سفن حربية إلى خليج عدن.

أما بالنسبة لصفقة السلاح المتعثرة، فقد وقع الرئيس الأمريكي كارتر مذكرة إلى وزارة الدفاع- ودون الرجوع إلى الكونجرس- يطلب فيها ضرورة إرسال السلاح إلى اليمن بصورة مستعجلة.. ويبدو واضحًا أن التحرك الأمريكي السريع جاء نتيجة التحدي الخطير الذي مثله النظام الشيوعي في عدن في المعارك العسكرية ونجاح قواته في السيطرة على عدد من المدن الشمالية المهمة، وهو أمر عكس مدى الدعم العسكري الروسي الذي كان قد حصلت عليه عدن طوال سنوات أدت إلى رجحان الكفة العسكرية لأحد أشد الأنظمة اليسارية عداء لأمريكا في المنطقة فيما لاح في الأفق- حينها- أن الروس على وشك إحراز انتصار جديد في منطقة القرن الإفريقي يشكل خسارة إضافية للأمريكان.

ونتيجة للعوامل السابقة، فقد بدأ وصول أول دفعة من السلاح الأمريكي إلى صنعاء، مع مائة خبير، ولكن بعد اتفاق وقف إطلاق النيران مباشرة ومع ذلك الاهتمام وعملية  التشريع في إرسال الأسلحة فقد تعثر وصول السلاح من جديد بعد التوقيع على اتفاقية وحدوية جديدة وقعها زعيما شطري اليمن الرئيس علي عبد الله صالح، والرئيس الأسبق عبد الفتاح إسماعيل، وقد أدى التسويف الجديد إلى اتجاه صنعاء لشراء سلاح روسي بقيمة ٦٠٠ مليون دولار تمثل أهم صفقة أسلحة عسكرية حتى ذلك الحين، مكنت القيادة اليمنية من إعادة بناء الجيش بصورة حديثة ومتوازنة سوف تظهر آثارها بعد ذلك في الحرب ضد الانفصاليين عام ١٩٩٤م. 

مع مطلع الثمانينيات شهدت العلاقات اليمنية- الأمريكية نموًا مطردًا واضحًا، فقد أعاد الأمريكيون إرسال الأسلحة إلى صنعاء بعد صفقة الأسلحة الروسية المذكورة، وبدأ الأمريكيون من يومها في توجيه اهتمام خاص بعلاقاتهم باليمن وقدموا مساعدة عسكرية سنوية قيمتها ۱۱ مليون دولار لتدريب عسكريين يمنيين في المعاهد العسكرية ولصيانة الأسلحة، وعلى صعيد العلاقات الاقتصادية قدمت الولايات المتحدة مساعدة بقيمة تتراوح بين ۲٥ و۳۰ مليون دولار سنويًا، بالإضافة إلى تقديم قروض للإسهام في تمويل خطة التنمية.

وكانت ذروة التطور نجاح اليمنيين في إقناع شركة هنت الأمريكية بالبدء في عملية البحث عن النفط.. الذي ظل يمثل حلمًا يمنيًا طال أمده وبالفعل نجحت «هنت» في العثور على البترول في منطقة «مأرب» وأنشأت مصفاة للنفط مثلت بداية عصر النفط في اليمن، كما دشنت مرحلة علاقات اقتصادية مهمة وشراكة وضع اليمنيون عليها كثيرًا من الآمال، رغم الشروط القاسية التي طلبتها شركة «هنت»، لكن صنعاء تساهلت في إبرام الاتفاقية رغبة منها في تشجيع أي شركة للبدء في استخراج النفط وليمثل ذلك إغراء للشركات الأخرى التي توالي وصولها بالفعل بحثًا عن النفط.

مفاجأة من شمال الجزيرة

لم يكن أحد يخطر بباله أن مسيرة العلاقات اليمنية- الأمريكية يمكن أن تتعرض لانتكاسة سريعة، وخاصة بعد أول زيارة قام بها الرئيس علي صالح لواشنطن في يناير ۱۹۹۰م، لكن اندلاع أزمة الخليج الثانية بعد قيام الجيش العراقي باحتلال الكويت عرض هذه العلاقات لتهديد واضح نتيجة عدم اقتناع الأمريكان بالموقف الرسمي اليمني من الأزمة والحقيقة أن الخلاف بين الموقفين اليمني والأمريكي لم يحطم العلاقات بينهما.. وإن شابها نوع من الفتور مع إيقاف المساعدات الأمريكية الضئيلة أصلًا.. لكن الأمر على الصعيد الداخلي لم يكن بالمستوى نفسه، فقد نشطت السفارة الأمريكية في أعقاب الحرب في الاهتمام بالوضع السياسي اليمني الداخلي الذي شهد السماح بحرية الأحزاب والصحافة للمرة الأولى في  تاريخ اليمن... وتحول السفير الأمريكي الجديد- آنذاك- آرثر هيوز إلى وجه مألوف في الوسط السياسي المحلي، ونجح في إقامة اتصالات مستمرة مع رجال الأحزاب، فيما نشط الدبلوماسيون الأمريكيون في تقوية روابطهم والانغماس في متابعة الشؤون الداخلية.. وكان الجو مهيئًا لهم حينها مع ضعف النشاط الدبلوماسي للدول الأخرى، ولا سيما الروس الذين انشغلوا بمشكلة انهيار الاتحاد السوفييتي.

وفي الوسط السياسي اليمني الداخلي تمايز تیاران رئيسان، أحدهما تيار الإصلاح الإسلامي.. والآخر التيار اليساري العلماني بقيادة الحزب الاشتراكي، وعكس الصراع الفكري والإعلامي بين الطرفين صراع الفكرة الإسلامية مع الفكرة العلمانية، ووجه الإسلاميون اتهامات قوية لخصومهم الاشتراكيين ومؤيديهم بأنهم يسعون لتمكين النهج العلماني بتشجيع من الأمريكان... وفي المقابل، فإن الاشتراكيين أقاموا علاقات جيدة مع الغربيين ولا سيما الأمريكان، وقدموا أنفسهم لهم بأنهم دعاة التحديث، ولا شك أن وجود تيار إسلامي ذي جذور شعبية واسعة، ومقدرة على ممارسة النشاط السياسي الرسمي كان يثير قلق الأمريكيين وخاصة بعد أن أظهرت نتائج انتخابات ۱۹۹۳م مقدار الشعبية التي يتمتع بها في الشارع اليمني وقدرته على الحشد الجماهيري.

وشهدت سنوات «۱۹۹۰م- ١٩٩٤م» ظهور ما يمكن تسميته بالتنافس على الفوز بثقة الغرب والأمريكيين بين الحزب الاشتراكي والمؤتمر الشعبي العام، حيث كان عدد من قادة المؤتمر يعدون أنصار التعاون اليمني الأمريكي أمثال د عبد الكريم الإرياني وربما تصور هذا التيار أن الاشتراكيين يسعون هم- أيضًا- للظهور بمظهر الأكثر تعبيرًا وقناعة بأهمية التعاون مع أمريكا.. وهكذا شهد ازدياد النشاط الدبلوماسي الأمريكي الذي خفف كثيرًا من آثار الخلاف الناتج عن أزمة الخليج الثانية.

وعندما اندلعت الأزمة السياسية الشهيرة في اليمن في أغسطس ۱۹۹۳م، لعبت الولايات المتحدة دورًا مهمًا عبر سفارتها في صنعاء.. ومن المثير للانتباه أن الأزمة بدأت بعد عودة نائب الرئيس اليمني- آنذاك- علي سالم البيض الأمين العام للحزب الاشتراكي من أول زيارة لقيادي اشتراكي إلى الولايات المتحدة.. وصحيح أن الزيارة كانت بغرض العلاج، إلا أن البيض أجرى لقاءات مع مسؤولين في الخارجية الأمريكية، دون حضور السفير اليمني في واشنطن ويرجح بعض المراقبين أن البيض نجح في كسب بعض المسؤولين الأمريكيين لوجهة النظر التي تقول إن الحزب الاشتراكي يمثل طليعة تحديثية تعاني من التيار المحافظ الذي يقوده الإسلاميون الذين يجدون تعاطفًا ودعمًا من داخل المؤتمر الشعبي.

وطوال فترة الأزمة السياسية- أغسطس ۱۹۹۳م يوليو- ١٩٩٤م، شارك الأمريكيون في جهود سياسية وعسكرية لاحتواء التطورات وعندما انفجرت الحرب في مايو ١٩٩٤م، بدا وجود موقفين متناقضين للبيت الأبيض ولوزارة الخارجية الأمريكية، فقد بدت الخارجية أكثر تعاطفًا مع الاشتراكيين وتحمسًا لأفكارهم ومواقفهم، ولا سيما عندما انهارت مقاومتهم تباعًا في أرض المعركة أما البيت الأبيض فقد كان ميالًا لتأييد الرئيس صالح باعتباره رمز الشرعية الدستورية، ويمكن ملاحظة آثار هذا الخلاف في التناقض الذي ظهر في المواقف الأمريكية أثناء الحرب، ويقال إن د. الإرياني عندما التقى مسؤولين في الخارجية الأمريكية في أثناء الحرب، سمع انتقادات شديدة اللهجة وتحذيرات من دخول عدن، الأمر الذي دفع الرئيس صالح لاستدعاء السفير الأمريكي في صنعاء ليسمعه انتقادات قوية للموقف الأمريكي الغريب!

وفي أعقاب الحرب الأهلية عام ١٩٩٤م، استقرت الأوضاع بالنسبة للقيادة اليمنية، وتيقن الأمريكان من حقيقة سيطرة الحكومة على الأوضاع، وأيدت واشنطن صنعاء في مسعاها لتنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي برعاية صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كما شهدت سنوات ما بعد الانتخابات الثانية ۱۹۹۷م، تزايد التعاون العسكري فيما يختص بتقديم تسهيلات عسكرية للأسطول الخامس، والقوات المركزية التي زار قائدها زيني اليمن أكثر من خمس مرات.

الرابط المختصر :