; قصة العدد.. نور في الأفق المظلم | مجلة المجتمع

العنوان قصة العدد.. نور في الأفق المظلم

الكاتب المحرر الثقافي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-1979

مشاهدات 83

نشر في العدد 428

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 16-يناير-1979

تابع الجزء الثاني

ملخص ما نشر:

عبد المجيد شاب صغير تحت العشرين، طالب في المرحلة الثانوية، يعمل مع أخ له في الله في جمع التبرعات لعائلات المعتقلين من الإخوان المسلمين الذين اعتقلوا في عامي 1954 و1955 م.

رمته السيارة داخل أسوار السجن الحربي، وكانت بوابة السجن صفراء اللون أو هكذا رآها عبد المجيد لحظة دخوله ووقوفه للتفتيش، ورأى نفس اللون الأصفر على ملابس الجنود

ورموه في زنزانة انفرادية، وجاء صاحب الجلباب الأبيض ونصحه بعدم الاعتراف بأحد.

وانتقل عبد المجيد إلى حديقة السجن التي جرى فيها التحقيق، وسقط تحت وابل من ضربات السوط، وبين وجوه الكلاب المتوحشة حتى هوى على الأرض، لا يرى شيئًا ولا يسمع، رغم إحساسه بما حوله.

إنه الموت المؤكد، إنه لون البوابة الصفراء، ولون الأشياء، ولون السجان الأشقر الأصفر ترنح بين الكلاب وسقط فوق الأرض على قطرات من الدم لم يعد يرى الظلام ولا اللون الأصفر الذي كان يراه ملأ يده بحفنة من التراب، ثم غرز أصابعه فيه لم يسمع للسوط صوتًا. ولم يحس به فوقه ولم ير الكلاب، وإن كان لا يزال إحساسه عميقًا بالألم.

- 6 - 

صمت مخیف مريب مخيم على فضاء الحديقة وأرضها، صوت الغناء اختفى، طواه الصمت الغريب، ماذا يجري هناك؟ هل انتهى التحقيق؟ جسمه ثقيل جريح، ورأسه ملقاة على التراب، وأصابع يده اليمنى مدفونة في تراب مبلل بالدم وأعماقه الملتهبة تنزف ألمًا.

 آه.. آه من قسوة البشر على البشر يتمنى الموت في تلك اللحظة، فلا ينهض برأسه أبدًا، ولا يقع بصره على الذئب الذي يحقق معه بید أنه فتح عينيه قليلًا كمن يفتح نافذة تطل على الوجود، يفتحها بحذر، ويود لو أغلقها إلى ما لا نهاية رأى قمم الأشجار في الظلام كأنها رؤوس الأفاعي، أدار بصره إلى جهة الضوء، فرقصت المصابيح فوقه فرحًا بليلة العذاب، فعاد يغلق عينيه يكره النور الساطع من ناحية المحقق الحاقد على صفاء الكون.

تأوه کبرکان - زفر الحمم تلوث أمعاؤه وشاركته الألم انتزع يده من التراب ومسح على بطنه، هبط عليه صوت من الفضاء. كأن الصوت غليظًا كأنه عصًا تمزق الآذن:

- قم انهض وإلا تركت السوط يتولى هذه المسالة لا تتصنع المسكنة.

فتح عينيه رأى الجندي الضخم كالطود ألفاه واقفًا كجبل يحجب السماء، قال الجندي بصوته القبيح:

- مرت دقائق وأنت نائم كالميت، انهض. 

ولوح بالسوط، ضرب به الهواء. قام يجمع جسمه، ويحمل نفسه، ويستعد لمعركة لم تنته.

 اقترب من منضدة المحقق، فوجد فوقها قدحًا من الشاي يرتشف منه المحقق، كما يرتشف من سيجارة بين أصابعه. بدأ التحقيق معه بلهجة هادئة، وبابتسامة تلعب دورها، وبكلمات رقيقة تريد أن تبلغ غايتها.

ثم فوجئ به يتحول إلى وحش ينقض عليه بأنياب لا ترحم زأر بأعلى صوته:

- أنت لا تريد أن تعترف، ستموت الليلة.

 وكانت كلمة الموت هي الإشارة التي التقطها الجندي وأعلن بها الحرب عليه، لا يرى عبد المجيد من أين يأتي السوط، ولا من أين تهجم الكلاب، وسمع المحقق يأمر بهدنة لمدة دقيقة وقال له بعد أن ابتعدت عنه ألسنة جهنم:

- صادق اعترف بكل شيء ونجا من الموت، اعترف أنت أيضًا.

تذكر المقابلة الخاطفة التي تمت بينه وبين مصطفى صاحب الجلباب الأبيض، أكد له أن صادقًا لم يعترف بشيء فقال بصوت يختنق في حنجرة نالت نصيبها من العقاب: 

- ولكني أنا لا أعرف، نقود كنت أجمعها ثم أدفعها هذا هو كل شيء ولم أهرب ولم... 

لمح المحقق ينأي عنه بوجهه وينظر بعيدًا، وإذا بالسوط يطير في الجو ويقذف عليه الضربات، وكأن الكلاب كانت تنتظر انطلاق السوط، فهجمت بأنیابها ومخالبها، وإنها مدربة على عملها الذي يلقي الرعب في القلوب، وفقد عبد المجيد صوابه، وجعل يجري كالمجنون تحت الأشجار، جيوش جهنم تحيط به من كل جانب، وتلاحقه أينما ذهب وكان الغناء قد عاد يملأ الفضاء.

وكان عبد المجيد يقع فوق الكلاب، أو كانت هي التي تقع فوقه، وكان السوط يقع بينهم جميعًا، فيشعل النار الملتهبة ويعود عبد المجيد إلى التحقيق، ثم يحاصر بالتعذيب، حتى انتصف الليل، وأغلق المحقق سجله بائسًا ورجع عبد المجيد إلى الزنزانة بسرواله بعد أن سقطت كل ملابسه ممزقة كجسمه الدامي.

- 7 -

لم يشعر بدخول مصطفى ووقوفه عند رأسه كأنه غاب عن الوجود لم ينم كيف ينام مع تلك الآلام؟ أفاق على صوت مصطفى:

هل اعترفت؟ 

- لا..

- هكذا يكون الرجال.

- يبدو أني لن أرى الصباح سأحمل إليك حقيبتك وترتدي بعض الملابس.

- الدم يسيل من كل جزء في جسمي ولا أستطيع النوم إلا على بطني.

- سأكون إلى جوارك حتى الصباح وسأحمل لك شيئًا تفرشه على الأرض. 

- ألا تتعرض للخطر يا أخي؟

- يا أخي أنت أولًا.. أنت نائم على بطنك تشكو أما أنا فكما تراني أتحرك على قدمي كل الحرس ناموا وكل من في المعتقل وما أشد حاجتك إلى شخص مثلي.

- ولكن كيف تأتي؟ 

- خلسة والمفاتيح في يدي أنا معتقل منذ عام وأتو بمساعدة داخل السجن وهذا الأشقر الذي التقيت به برتبة شاويش ويعتمد على مساعدتي له في أعمال كثيرة.

هز له رأسه مطمئنًا، وشيعه ببصره وهو يخرج.

- 8 -

اكتشف أن معتقل «4» يضم عددًا كبيرًا من الإخوان، وفي كل زنزانة أكثر من خمسة أشخاص. 

ظل وحده لمدة يومين، ثم انتقل إلى زنزانة فيها شخص آخر يضع على عينيه منظاره الطبي، فسأله بدهشة:

- ألا تخشى على هذا المنظار من الكسر عندما يسقط السوط فوقك فالضرب في كل وقت بلا سبب؟ 

- لا أرى بدون المنظار، إذا كسر أمري لله.

ثم أردف قائلًا:

- أنا نسيت تاريخ الأيام هل أنت تذكره؟ 

قال عبد المجيد:

- اعتقلت يوم 25 أغسطس ومر يومان، اليوم 27 أغسطس، فلنصنع نتيجة على الحائط.

-كيف؟ 

- بهذا المسمار، وقع في يدي وأنا في الساحة، لن نجهل التاريخ ما دمنا في هذه الزنزانة.

وصنعت النتيجة بطريقة الحفر الجدار وطغت الابتسامة على وجه الصديقين كأنهما يعيشان أحلى أيامهماـ وحكى كل منهما لصاحبه ذكرياته وكلما هبت على السجن عاصفة من الغضب، وأشتد التعذيب، كان عبد المجيد يجد في صديقه ألفة، وحبًا، وأخوة، وصفاء.

وعرف عبد المجيد أن الأخ الذي فقد عينه يوم دخوله السجن رجل في الخمسين من عمره، ومريض، ويستحق الرحمة، ولكن الرحمة لا وجود لها في هذا العالم. والتقى عبد المجيد ذات يوم بصادق وهما يهبطان فوق الدرج، وتعانقا دون أن يلمحهما الجندي الذي يمسك السوط في يده.

 ومرت الأيام وجرى الزمن في صورة متشابهة، حتى هذا السوط صار مألوفًا ومحبوسًا مثلهم، لم يعد يخيف أحدًا، ولا وجه الأشقر، العدو الأول داخل المعتقل، ولا الجدران الضيقة القاسية، ولا النظام الصارم، كأن الحياة خلقت بتلك الصورة التي تبدو لهم ليلًا ونهارًا. الذهاب إلى الحمام مع الفجر، وتناول الطعام قبل شروق الشمس، والخروج إلى طابور الصباح، والجري أمام الضابط المسؤول، والجنود تجري في الخلف تلوح بالسياط وتضرب أحيانًا ليكون الجري بنشاط وسرعة، إلى أن يأمر الضابط بالراحة وبالجلوس في الشمس، وكأنه يمنح الجالسين أشعة من ملكه الخاص وكانت أشعة الشمس دافئة وذات فائدة حين أقبل الشتاء، وينتهي ذلك الطابور بالعودة إلى الحبس في «الزنازين» إلى أن يحين وقت الظهر، وتفتح الأبواب لتوزيع طعام الغداء، وتغلق بعد ذلك حتى وقت المغرب تلك الساعة التي يتم فيها توزيع طعام العشاء. لم تغلق الأبواب في أول الليل، ويغرق المعتقل في الظلام إلى فجر اليوم التالي ليشهد هؤلاء الأبرياء يومًا جديدًا لا يختلف عن أمس.

- 9 -

حياة مغلقة من كل جانب، مختلفة عن الحياة الحقيقية، ولكنها كانت مع ذلك أقرب إلى الحقيقة نفسها، وأكثر عمقاً وفهمًا لكل ما يحدث في تلك الدنيا، لقد ظهرت أنها زائفة، وأنها تلهث بالبشر في طريق لا ينتهي إلى شيء.

تأمل

 عبد المجيد هذه الدنيا من بعيد.

 وهو غارق في ظلام السجن خلا إلی نفسه فرأي نفسه كما ينبغي أن يراها لا قيمة لها بدون هدف، ولا معنى لها بدون ثمرة يجنيها، وكان الهدف واضحًا رقم شدة الظلام والظلم، وكانت الثمرة بادية في عالم الخلد.

وبات يفكر في الحياة الجديدة، ونسي تاريخ الأيام كما نسيه كل من في السجن. غادر الزنزانة التي حفر فيها النتيجة على الحائط. وفي الخفاء انتقل من زنزانة إلى أخرى إلى أن صار مع صادق ومع شباب «عزبة النخل».

وذات صباح، جلس مقرفصًا أمام الحمام منتظرًا دوره في الدخول وكان الجميع يجلس بتلك الصورة وجندي يجلس على مقعد ويمسك سوطًا وينظم حركة الدخول والخروج، ولا يسمح لأحد أن يأخذ أكثر من خمس دقائق، ولا يعرف غير تنفيذ الأوامر، والتلويح، بالسوط، والضرب بقسوة، وكان هذا الجندي مشهورًا في المعتقل بالغلظة وبالقلب الحجري.

وفي ذلك الصباح لاحظ عبد المجيد شيئًا على وجه الجندي. اقترب منه وأحدق فيه، فرأى الدموع تسيل على وجهه. أيبكي صاحب القلب المتحجر؟ إنه يبكي بدموع غزيرة، ويجلس كأنه في مأتم، يطل من عينيه شعاع الحزن، إلى درجة أنه لا يراه، مع أنه اقترب منه حتى كاد يلتصق به. بحث عبد المجيد عن سوطه فلم يجده في يده السوط معلق على مسند المقعد.

 لا يقطع الدهشة إلا سؤال يوضح ذلك الموقف الغريب، إنه يترك المعتقلين يدخلون الحمام ويخرجون بلا كلام منه وبلا استخدام للعنف، ولا ينظر إليهم شذرًا، ولا يدير بصره ولا يرفعه عن الأرض. سأله عبد المجيد أخيرًا:

 - ما خطبك؟

التفت إليه ولم يرد، فعاد يسأل:

- لماذا تبكي أنا أخوك أنت مسلم مثلي ومن حقي أن أشاركك حزنك، بل ومن حقك تكلم؟

قال بصوت خفيض:

- لعلك تذكر أني غبت يومين. 

- هذا صحيح، أين كنت؟

- كنت في إجازة، وصلتني برقية من أهلي تخبرني أن أمي مريضة فحصلت على يومين وذهبت لأراها، كانت رائدة في الفراش تودع الدنيا الفانية. 

رفضت أن تكلمني أو تنظر إلى وجهي أو تمد يدها ليدي، لما سألتها عن السبب قالت لي وهي غاضبة: لأني علمت يا بني أنك تضرب المسلمين في السجن وتسبهم وتقسو عليهم، وعدتها أني لن أفعل ذلك أبدًا، فإذا بها تمد يدها لي وتبتسم ولكنها لم تبتسم طويلًا فقد أغلقت عينيها وقالت جملتها الأخيرة: قد رضيت عنك يا بني، ثم سكتت إلى الأبد ماتت أمي بين يدي، ماتت أغلى أم. 

وانفجر الجندي يبكي كأنه طفل يتيم وعرف المعتقلون الخبر الأليم.

وشاع في المعتقل أن الجندي عبد الله لن يمسك سوطه بعد اليوم، حرمه على يده وأقسم وهو يدفن أمه بالإقلاع عن الضرب وأنه نادم على ما ارتكب في حق إخوته المسلمين، وسمع الشاويش الأشقر، وتأكد أنه لا يصلح ليكون مجرمًا وبلغ المسؤولين، ولم يأت وقت الظهر من نفس ذلك اليوم حتى تحول الجندي عبد الله إلي مسجون في معتقل رقم «3»، وكان الشاويش يضحك ويقول:

 - يعتزل العمل من أجل أمه.

إنها كانت ستموت سواء رضیت عنه أو لم ترض، وما أهمية الرضا وهو الآن محبوس ومعذب.

 وفي جوف الليل، دون صرخة مستغيث، خرجت الاستغاثة من نافذة تابعة لمعتقل رقم «3».

- البقية في العدد القادم -

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

636

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

213

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية