; قصة العدد.. نور في الأفق المظلم.. تابع الجزء الثاني | مجلة المجتمع

العنوان قصة العدد.. نور في الأفق المظلم.. تابع الجزء الثاني

الكاتب المحرر الثقافي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1979

مشاهدات 129

نشر في العدد 427

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 09-يناير-1979

ملخص ما نشر:

عبد المجيد شاب صغير تحت العشرين، طالب في المرحلة الثانوية، يعمل مع أخ له في الله في جمع التبرعات لعائلات المعتقلين من الإخوان المسلمين الذين اعتقلوا في عامي 1954 و1955م.

وقد سافر إلى الإسكندرية في رحلة مدرسية صيفية، وتم اعتقال صديقه صادق هناك، فعاد عبد المجيد إلى القاهرة حيث وجد المخبرين ينتظرون، فسلم نفسه دون أن يفكر في الهرب، وذهب أبوه معه حتى مبنى وزارة الداخلية، ورأى السيارة العسكرية التي حملت عبد المجيد إلى مكان مجهول. 

رمته السيارة داخل أسوار السجن الحربي، وكانت بوابة السجن صفراء اللون أو هكذا رآها عبد المجيد لحظة دخوله ووقوفه للتفتيش، ورأى نفس اللون الأصفر على ملابس الجنود، وعلى وجه الشخص الأشقر الذي استقبله في حجرة ضيقة ملحقة بمعتقل رقم «4»، ورأى اللون ذاته على جدران الحجرة، وتذكر الموت، ولكن صرخة هائلة داخل المعتقل هزت الجدران وزلزلتها في أثناء شروده.

وأجال بصره في الحجرة، من الغريب أن لونها أصفر هي الأخرى، كاللون الذي رآه على البوابة، حتى هذا الأشقر تميل بشرته إلى الصفرة أكثر. تذكر الموت، شرد ذهنه، وبينما هو شارد إذ دوت صرخة هائلة داخل المعتقل، زلزلت الجدران، مزقت الآذان، شقت لها طريقًا في الفضاء شاكية ظلم الإنسان، فزع عبد المجيد والتفت وراءه، فرأى يدًا ترتفع إلى أعلى وتهوي على وجهه، كانت صفعة أسرع من حركته، فلم يستطع أن ينجو منها، صفعة الجندي الواقف خلفه لأنه التفت، وصاح بصوت أشد غلظة وقسوة من يده:

- ألم أقل لك لا تنظر وراءك؟

نظر عبد المجيد أمامه بوجه يحمل علامات اليد التي نزلت كالصاعقة، وجد الحجرة خالية، فقد هرع الرجل ذو الجلباب الأبيض مسرعًا مستطلعًا أسباب الصيحة المرعبة، وأسرع الشخص الأشقر ليرى ما هناك. وكانت الساحة تضج بأصوات دلت على أن الأمر خطير، وارتفع بكاء وعويل، إنه صوت واحد الذي يصرخ وينتحب، واستطاع عبد المجيد أن يسمع رغم الضجيج ذلك الصوت الممزق بالألم وهو يشكو للسماء:

- أنت المنتقم يا رب.. أنت المنتقم يا رب.

زمجرت السياط لكي تخلو الساحة من المعتقلين، وقد حدث ذلك في وقت قصير، ولم يعد هناك غير الجريح الذي يشكو لربه، ثم اختفى صوته تدريجيًّا مما يؤكد أنه ذهب بعيدًا، ربما خرجوا به، أو حبسوه وراء الأبواب وكتموا صوته. وخيم سكون تام كأنه سكون القبور، حتى ترامت إلى مسامع عبد المجيد أصوات أقدام آتية، ما إن دخلت الحجرة حتى تبين أنه الشخص الأشقر والرجل صاحب الجلباب الأبيض. جلس الأشقر على السرير وقال للآخر:

- إنه يستحق الضرب.
فقال صاحب الجلباب الأبيض: 

- ولكنه ضرب على عينه.. ففقأها.. ضربة سوط فوق العين.

قال الأشقر بلا مبالاة: 

- له عين ثانية سليمة.. وعلي أي حال.. قد ذهبوا به إلى المستشفى.. وانتهت مسؤوليتنا.. وينبغي أن ننتهي من هذا الزبون.

وأشار إلى عبد المجيد الواقف أمام المنضدة كتمثال من حجر لا يتحرك، وإن كانت أعماقه تتحرك مضطربة. كان الاضطراب من المفاجأة التي سمعها، أفقد أحد الإخوان عينه بضربة سوط غير محسوبة؟ أبلغت الوحشية هذا الحد؟ وما يزيد البلاء هذه اللا مبالاة من هذا الأشقر الأصفر. وتنبه على صوته حين أمر الجندي بتفتيشه، خلع ملابسه ما عدا سرواله، وفتشت الحقيبة بطريقة همجية، وحجزت في مكان بالحجرة وعندئذ سأله الأشقر:

- أتشرب شايًا؟

أجاب بأدب: 
- أشكرك

ودهش عبد المجيد من السؤال الغريب، أيريد أن يقدم له الشاي كأنه ضيف؟ أيتحول الوحش إلى إنسان يفهم في الأصول والذوق؟ وزالت دهشته عندما علم أن الشاي هو خمس وعشرون ضربة بالسوط فوق ظهره العاري، وأمره الجندي بالنوم على بطنه، لم يكد يفعل حتى لصق وجهه بالأرض كيلا يصل السوط إلى عينيه، لم تكن اليد التي تضربه من الأيدي التي تعرف الرحمة، إنها اليد التي صفعته منذ دقائق، وإنها اليد التي تشبه الصخرة، جندي ضخم كالثور الهائج، ونار تحرق الظهر، وهو لا يفكر إلا في عينيه.

ونهض بعد ما انتهت التحية التي يسمونها الشاي، وأخذ ملابسه، وجرى إلى جهة جندي يلوح له، أمره بالجلوس فورًا لينتزع شعر رأسه بآلة حلاقة قديمة أخذت تحرث وتبحث عن الشعر في كل الاتجاهات، إلى أن جعلت الرأس يشبه الطرقات، لا يوجد به شعر، وفي نفس الوقت ليس خاليًا تمامًا، وكانت الحلاقة نوعًا آخر من أنواع العذاب. وقفزت إلى ذهنه فكرة كاد يقولها للحلاق، ويضحك عليها معه، ولكنه أغلق فمه، لن يضحك أحد هنا، كاد يقترح عليه أن يسموا الحلاقة قهوة مثلًا، ويشربها كما شرب الشاي.

أخفى عبد المجيد وجهه وابتسم رغم الجو المشحون بالإرهاب، وقام يطيع الأمر ويجري ويصعد فوق الدرج، وسقطت ابتسامته، وغطى وجهه بإحدى يديه خوفًا على عينيه، فقد كان الجندي الذي يجري خلفه يطارده بالسوط، صعد إلى الطابق الثالث وهو يحمل ملابسه وخوفه على عينيه، واتجه إلى حجرة تسمى «زنزانة» في عالم السجون، دخلها دون أن يدري، فقد قذفه الجندي إلى جوفها، وأغلق الباب.

-4-

ضوء الشمس هو الذي يحدد الزمن بالتقريب. ساعة يده محبوسة في الحجرة التي تم فيها التفتيش، مع الحقيبة ومع النقود ومع أشياء أخرى. وجلس يتأمل الزنزانة بعد أن دخل في ملابسه، جلس على الأرض يرسل بصره بين الجدران، حتى إذا ما اطمأن إلى أنه في مأمن، وأن ليس هناك ما يخشاه، ابتسم وهو يتذكر فكرة تسمية الحلاقة بالقهوة، بل ضحك على الفكرة وأوغل في الضحك، مع أنه كان يحس باللسع في ظهره من أثر الضرب الموجع. 

صلى العصر بوضوء أول النهار، فقد خرج من بيته متوضئًا، وبعد الصلاة وضع عينيه في فتحة الباب لعله يلمح أحدًا ليطلب منه الذهاب إلى الحمام، وأحس بألم السجن لأول مرة في تلك اللحظة التي يريد فيها الذهاب إلى الحمام ولكنه لا يستطيع. أحس قبضة الألم تعصر قلبه إذ تذكر أنه لا يملك حريته، ولا يزيد على أن يكون رقمًا من الأرقام التي أضيفت إلى عدد المعتقلين. رفع عينيه عن فتحة الباب، وجعل يفكر في نفسه وهو واقف يحدق في الجدران.

وفيما كان متوغلًا في تفكيره، سمع خطوات تقترب من الباب، فأسرع إليه وقال للجندي الذي فتح الباب:

- أرجوك أريد أن أذهب إلى الحمام.

- جئت من أجل ذلك.

ذهب وعاد ليقف بين الجدران، وغابت الشمس، فغرق في الظلام، لم يسمح له الجندي بالوضوء، فكر في أن يتيمم، ونهض يقيم صلاة المغرب، ولكن الباب انفتح دون أن يسمع خطوات القادم. دخل صاحب الجلباب الأبيض الذي كتب اسمه وعنوانه في السجل، رآه على ضوء ضعيف دخل معه، قال صاحب الجلباب الأبيض:

- أنا اسمي مصطفى ومن الإخوان، وجئت أنصحك.. لم يلمحني أحد وأنا قادم. اعتقد أنه يخدعه، فقال:

- ماذا تريد؟

- صادق.. الذي كان معك في الإسكندرية واعتقل من معسكر المكس موجود هنا ولم يعترف بشيء ويطلب منك عدم الاعتراف. 

بدأ يطمئن إليه، قال بعد تفكير:

- من المعروف أننا كنا نجمع التبرعات من أجل المعتقلين.
- حسنًا ولكن لا تعترف بأعضاء آخرين.

- فهمت.

أنت وصادق كنتما تعملان معًا دون أن يطلب أحد منكما ذلك، ودون أن يشترك معكما أحد. 

- فهمت كل شيء يا مصطفى.
وضع يده على كتفه وقال: 

- كن رجلًا.. قد تتعرض لشيء من التعذيب في أثناء التحقيق.. ولكن لا تعترف.

- متى سيكون التحقيق؟ 

- بعد قليل.. في هذه الليلة.

وتركه وانصرف، ووقف عبد المجيد يصلي ويدعو ربه أن يمده بالعون حتى تمر تلك الليلة بسلام.

-5-

حديقة السجن الحربي لا تشبه الحدائق العامة أو الخاصة، ولا أي حديقة في العالم كله، أخذت شكل الحديقة، وفقدت جوَّها، فكانت الأشجار موجودة، والأرض مفروشة بسجادة خضراء، وفيها ممرات مغطاة بالرمل الأصفر، ولكن ذلك كله بدا كأنه محبوس داخل سور السجن. وقف عبد المجيد عند فم الممر الموصل إلى حجرة الضابط منتظرًا خروجه ليشير إلى مكان التحقيق، وكان الجندي الذي يشبه الثور واقفًا وراءه. خرج الضابط وسار في الممر حتى بلغ مكانه، وسأل الجندي:

- من أين؟

- من معتقل رقم «4».

- اذهب به إلى خلف هذه الحجرة.. ستجد منضدة.. اجعله يقف هناك.

ضربه الجندي قبل أن يأمره بالجري، وضع عبد المجيد يديه فوق وجهه، كان الخوف من السوط أن يقع على عينيه، أخذ يجري بأسرع مما ينبغي ليسبق السوط الذي يحلق فوق رأسه، ودار حول الحجرة إلى أن وقف أمام المنضدة، وفي نفس اللحظة سمع صوتًا من ورائه:

- أما إنك لمغفل.

فالتفت مجفلًا من المفاجأة ولكنه لم يحرك رأسه بالقدر الذي يكفي ليرى قائل هذه الجملة، فقد صعق السوط كتفه، لا يسمح له الثور بالحركة دون أمر مسبق، وظهر الرجل الذي قال الجملة وجلس على مقعد أمام المنضدة وقال:

- أنت مغفل لأنك أتيت.

وفرد أوراقه، وفتح سجله.. أدرك عبد المجيد أن وقت التعذيب قد اقترب، وأن موعد اختبار صلابته قد أزف، فراح يقرأ القرآن بلا حركة من شفتيه، ثم استعاذ بالله من الشيطان ومن الضعف، واستعان بالله على هؤلاء الذين قست قلوبهم. وعندما ارتفع صوت الغناء عاليًا من مكبر معلق في شجرة قريبة، عرف عبد المجيد أن هذه هي إشارة للبدء في التحقيق؛ فلا يسمع أحد صوته إذا صرخ من شدة الضرب، ومع ذلك وقف عبد المجيد ثابت الجنان، مستعذبًا كل ألوان العذاب، مستعدًّا للموت، ونسي عينيه، فلم يفكر في أن يضع يديه على وجهه حين يعلو السوط مزمجرًا ومهددًا، وحين يمطر بالألم.

قال المحقق المحدق فيه: 
- أنت مغفل كبير.. كنت هاربًا في الإسكندرية.. لماذا جئت؟ قل يا عبد المجيد واعترف أنك هربت. 

- لم أهرب.. ذهبت مع الطلاب إلى معسكر المكس.

- لست مغفلًا مثلك لأصدقك.. أنت بعد أن ذهبت إلى المعسكر بيوم واحد استقلت واختفيت.. أين كنت؟

- في بيت عمتي بحي فيكتوريا.. من الطبيعي أن أقيم في بيت عمتي. 

قال وقد صوب القلم في اتجاهه: 

- يعني عمتك ساعدتك على الهرب.. اعترف بالحقيقة أفضل لك ولها وإلا سأرسل من يأتي بها الليلة إلى هنا لنسمع منها كل شيء.. سأتركك دقيقة واحدة تفكر.. إما أن تعترف وإما أن تأتي عمتك لتعترف بدلًا منك.

جفل عبد المجيد عند سماع هذا التهديد، ألقى بصره إلى الأشجار التي تلوح له بأغصانها، وتخيل عمته وهي تستنجد به من الغرق في بحر متلاطم لا تجيد السباحة فيه، ثم وهي تجري تحت الأشجار والسوط يولول فوق رأسها، ثم وهي تتعثر والكلب المتوحش الذي اسمه عنتر ينهش من جسمها، ثم وهي تصرخ من الأسئلة التي تحاصرها من كل جهة دون أن تجد لها إجابة.

أشفق على عمته العجوز من ذئاب السجن وقال بلا وعي:

- أعترف بكل ما تريد بشرط... 

قاطعه المحقق قائلًا:

- عدم مجيء العمة.. مفهوم.. لن تأتي إلى هنا.. اعترف إذن أنك هربت وأنك كنت تعمل مع صادق ضد نظام الحكم وأن معكما آخرين.. من هم يا عبد المجيد؟

أجاب عبد المجيد بحيرة حقيقية لأنه لم يجد أحدًا كان يعمل معه ضد النظام، بل هو نفسه لم يكن يعمل ضد الحكومة القائمة، كل ذنبه أنه كان يجمع التبرعات ويدفعها لعائلات المعتقلين، وحاول أن يقنع المحقق بالحقيقة ولكنه لم يصدق، وأعطى إشارة بيده ترجمها الجندي الواقف خلف عبد المجيد، فرفع السوط وبدأ يضرب بعنف، نسي عبد المجيد عينيه، لم يرفع يديه ويغطي وجهه، فقد نسي عبد المجيد نفسه ومكانه وحياته، وراح يدافع عن الحقيقة ويصمد للسوط.

جلس المحقق يشاهد منظر التعذيب مبتسمًا، ويعطي إشارة ثانية لتأتي الكلاب من كل ناحية، وصرخ عبد المجيد في الوجوه المتوحشة الفاتحة أفواهها، البارزة أنيابها، الهاجمة بمخالبها، والسوط يحلق في الجو ويهبط ويمزق، معركة بين الحق والباطل، فتحولت الحديقة إلى جهنم، كل الحديقة ملعب للحيوان وللسوط الظمآن. تمزقت ملابسه، سالت دماؤه، أظلم الفضاء رغم الأضواء التي كانت تسطع حول المحقق المتفرج على تلك الملهاة، فيبتسم لها ويشعل نارها، إنه الموت المؤكد، إنه لون البوابة الصفراء، ولون الأشياء، ولون السجان الأشقر الأصفر. ترنح بين الكلاب، وسقط فوق الأرض على قطرات من الدم، لم يعد يرى الظلام ولا اللون الأصفر الذي كان يراه، ملأ يده بحفنة من التراب، ثم غرز أصابعه فيه، لم يسمع للسوط صوتًا، ولم يحس به فوقه، ولم يرَ الكلاب،وإن كان لا يزال إحساسه عميقًا بالألم.

  • البقية في العدد القادم -
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

636

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

213

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية