العنوان قصة العدد.. صورة على جدار الزمن
الكاتب عبد العزيز عطايا
تاريخ النشر الثلاثاء 06-مارس-1979
مشاهدات 100
نشر في العدد 435
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 06-مارس-1979
عند فم الحارة الضيقة، يوجد مقهى قديم مكتوب على واجهته «مقهى الكادحين».
ومن المؤكد أن اسم المقهى يعبر عن الحقيقة لأن رواده من أصحاب الجلاليب، من طبقة العمال تلك الطبقة التي تعمل طوال النهار نظير قروش قليلة، وهي في أغلب الأحوال راضية قانعة، وتأتي إلى هذا المقهى من أجل أن تجد بعض الراحة وتجتمع حول المناضد لاحتساء الشاي الثقيل والزنجبيل وأقداح القهوة وغيرها من المشروبات الساحنة الملتهبة، وهي في أثناء ذلك تلعب الورق أو النرد، بينما يندفع آخرون إلى أنواع شتى من المناقشة، ويحتدم الجدل في حديث طويل ينتهي عادة إلى صمت يخيم على الجميع بعد أن يتعبوا من كثرة الكلام وأحيانًا يتحول الكلام إلى خصام، وقد يتطور بينهم إلى عراك.
من المحتمل أن يفسد جو المقهى العام، ويحطم بعض المقاعد إذا استخدمت الأيدي والرؤوس والضرب بالكؤوس فيضطر صاحب المقهى المعلم جلال أن يقتحم حلبة الصراع، ويحاول أن يعيد إلى النفوس صفاءها، وإلى العقول تفكيرها، وإلى القلوب حبها.
ويذكر الجميع أنهم إخوة، وأنه المسؤول عن الهدوء، كما أنه حريص على سمعة المقهى التي أمتدت إلى الآفاق البعيدة، وأنه يخشى أن يفقد المقهى تلك السمعة الحسنة. مما يؤثر على دخله وعمله، وهو يكره أن يصاب المقهى بضرر، وإذا عجز عن إقناع شخص متمرد متهوس، أمر صبيانه أن يحملوه إلى الحارة ويمنعوه من الدخول، إلا إذا جاءه معتذرًا نادمًا على ما حدث.
وكان المعلم جلال يجلس في صدر المقهى، فوق مقعد طويل يشبه الكنبة، ويطل برأسه على الزبائن ويشملهم بابتسامة ودودة وبكلمات الترحيب التي تجذبهم إلى وجوده بحبال الود والألفة، ولا يبخل عليهم بالانتقال إليهم، ويتوسط حلقة من اللاعبين بالورق، أو حلقة من المتجادلين فيما اتفق من حوار عقيم. ولم يكن الرجل يظهر ضيقه أو تبرمه بما يسمع، بل كان ينصت ببراعة يحسد عليها. ويتجاذب أطراف الحديث كما لو كان مهتمًا بالأمر ولا ينصرف عن أي جماعة جاء يجالسها إلا حين يصل معها إلى مرحلة تسمح له بالإنصراف.
وإلى يمينه فيما يلي مكتبه الذي وضع فيه النقود، يوجد ركن منعزل منحصر بين مكان المعلم جلال والمقصف حيث تصنع المشروبات وتجهز النارجيلة للمدخنين في هذا الركن المنعزل عن بقية المقهى، يجلس رجل عجوز بلغ من العمر التسعين، هو موظف أحيل إلى المعاش منذ ثلاثين عامًا، ورغم ذلك لا يزال يغشى المقهى ويحتل مقعده العتيق، ويخلع طربوشه ويضعه فوق المنضدة، ثم يضع عصاه إلى جوار الطربوش، وينتظر صبيًا من صبيان المقهى يلتفت نحوه، فيشير إليه ليأتي بطلباته.
وما هي إلا لحظات حتى يقترب الصبي منه حاملًا صينية فيها قدح الشاي وقدح الماء، يضعهما على المنضدة يزاحمان الطربوش والعصا في المساحة التي لا تتسع لكل هؤلاء، ولكنه يحسن التصرف كصبي مدرب على جلب السعادة إلى الزبون.
وصبيان المقهى رجال، طوال عراض ومع ذلك يصر المعلم جلال بأن يطلق عليهم ذلك الاسم الغريب صبية المقهى، ولا يناديهم بأسمائهم، كأن كلمة صبي هي التي تصلح لكل واحد منهم، وكأنه اصطلاح يفرض عليهم فرضًا، كما تفرض أشياء كثيرة كالأجر الزهيد، والعمل الشديد.
وتجرأ أحد الصبية ذات مرة وأدار حوارًا مع ذلك العجوز الذي يطلب الشاي والماء، ويظل ينظر إليهما، ولا ينقل بصره عنهما إلا ليعود لينظر إليهما بنظرات كلها شوق ولهفة، غير أنه لايمد يده إلى قدح منهما ويلمسه بشفتيه، وقبل أن يغادر المقهى يدفع ثمن ما طلب، ويخرج وهو بما فعل جد سعيد مال عليه الصبي وسأله:
- أستاذ فتوح لماذا تطلب الشاي ولا تشربه؟
رفع عينيه إليه، ونظر إلى وجهه من خلال منظار طبي مربوط برأسه خشية السقوط، أطال النظر إليه كأنه يفكر، ثم قال همسًا:
- ممنوع.
وأشار إلى قدح الشاي، فأطلت الدهشة من وجة الصبي، فقال فتوح بنفس الهمس الذي يكاد يسمع:
- منعني الطبيب، ولكني لا أحب أن أرى المنضدة خالية.
سأله الصبي بوجه يزداد دهشة:
- وهل الماء ممنوع أيضًا؟
قال وقد غض بصره:
- لا.. بيد أني أشرب بحساب لأسباب شخصية.
وعند ذاك صاح المعلم جلال ينهر الصبي لوقوفه أمام منضدة فتوح كل هذا الوقت. فأسرع الصبي يولي الفرار، كأنه نحلة حطت على المنضدة ثم طارت ولاحظ المعلم سحابة من الغضب قد غطت وجه العجوز، وضاعفت تجاعيده. وما لبث المعلم أن قام وانتقل إليه.
سحب مقعدًا وجلس في ركنه فهو زبون طعن في السن، ولا أمل في مجيئه على المدى البعيد. إما أن الموت يخطفه، وإما أن العجز يقعده، إلا إنه زبون له حق التكريم والترحيب بالإضافة إلى ذلك هو من طبقة مختلفة عن طبقة هؤلاء العمال. كان موظفًا يومًا ما والموظف متعلم، وعلى أقل تقدير له نصيب من العلم لا يتوفر لتلك الطبقة الكادحة التي تملأ مقهاه وظن المعلم جلال إنه أستطاع بأسلوبه العذب أن يزيل ما علق بنفس العجوز من أثار الغضب والألم ونسي أنه في سن تشبه سن الطفولة التي لا ينفع معها المنطق كوسيلة للإقناع إنه وسيلة الكبار، أما الصغار فلهم وسيلة أخرى مختلفة تعالج الموقف بدعابة خفيفة.
نهض المعلم تاركًا العجوز غارقًا في حزنه وهو لا يدري ولما هم العجوز بمغادرة المكان، هرع إليه المعلم وساعده على النهوض، ورفض أن يأخذ ثمنًا للشاي في هذا اليوم، وسار معه حتى الباب يودعه، وبحث العجوز عن الصبي ليعطيه ثمن الشاي
كهبة فوقف قرب المقهى إلى أن عثر عليه ودفع النقود إلى يده وقال له:
-ربما غدًا لا تراني.
قال الصبي بإيماءة دلت على أنه ثمل:
- أشكرك على هذه الهبة ولا تغضب من المعلم فهو لا يقصد إنه مع الزبائن كريم ومع الصبية لئيم.
هز رأسه بمعنى لم يفهمه الصبي عاقته عن الفهم حركة رأسه الغامضة التي لا تحسن ترجمة ما يريد ابن التسعين أن يقول تعبيره معقد كحياته، وكالشاي الذي لا يشربه وشيعه بعينيه وهو يتحسس النقود بأنامله، وأفاق على صيحة المعلم وجرى إلى الداخل على صوته الذي يحمل كل أنواع القذف والسباب وتمنى الصبي أن يغيب العجوز غدًا.
كما قال، ربما يتنبه إلى ذلك صاحب المقهى المتوحش ويستبدل وحشيته مع الصبية بأسلوب جديد لا ينفر منه الزبائن.
سار فتوح في الحارة متجهًا إلى داره مع غروب الشمس كان منحنيًا فوق عصاه، ينقل قدميه بحذر وحرص يخضعان لنظام دقيق في المشي، كأنه يحبو فوق رجليه. وقد أعطته العصا قدمًا ثالثة.
وكان يحدث نفسه بالإقلاع عن الذهاب إلى هذا المقهى، ولكنه المقهى القريب من الدار، وهو لا يستطيع أن يطيل المسافة التي يقطعها كل يوم وأحس بجسمه يرجف من هواء بارد تسلل إليه عرف أن فصل الخريف أوشك على الإنتهاء، وأن فصل الشتاء يدق الأبواب، وفي هذا الفصل القارس لا يخرج من داره حتى يهل الربيع أو يدنو الصيف.
ساءه أن مانعه من الخروج هو البرد، وليس عدم ذهابه إلى المقهى بسبب خلق المعلم ود لو يذهب إلى مقهى آخر، أو يحبس نفسه في حجرته برغبته وكره أن يكون البرد هو المانع والقاهر فضرب الأرض بعصاه كطفل يتمرد على الوجود. كادت عصاه تخونه حين ضرب بها الأرض، فترنح وارتمى على الجدار، وإذ امرأة تلحق به، وتمد له يديها لتعينه على الوقوف بصورة تليق برجل في سنه التصقت به وهي تصنع الجميل ولم يخطر في بالها إنه رجل قد يعجبه إنه في حضن امرأة ولا يعجبه أنها تقدمت نحوه بدافع الشفقة والإنسانية.
ما أن انتهت من مهمتها أدارت ظهرها منصرفة إلى طريقها، فأحدق فيها كأنه شاب طائش أغرته لحظة أتى فيها الشيطان أطرق فتوح بعد أن غابت المرأة عن بصره. لم يرها طويلًا. منظاره الطبي المربوط بفتلة من حرير حول رأسه لا يجعله قادرًا على الرؤية الواضحة.
عاد يسير نحو الدار وفي ذهنه تتكون صورة زوجته التي ماتت منذ ربع قرن علق الصورة على جدار من الضباب كان يتلاشي شيئًا فشيئًا حتى صار لا يرى سوى عتبة الدار وهو يعبر فوقها، وفوجئ بالعتبة نفسها تختفي تحت قدميه، فراح يتحسس طريقه بعصاه وبيديه.
رقد على فراشه تلك الليلة التي أجهد فيها نفسه وجسمه، وجاء الرجل الذي يقوم بخدمته ليقف بين يديه ويلبي طلباته، ولكنه لوح بيده له، فأدرك الرجل أنه لا حاجة له به وأنصرف من الحجرة ودارت الأحداث فيما يشبه العرض السينمائي أمامه كأنه جالس في المقهى غاضبًا من المعلم فيم كان الغضب؟ تساءل كأنه بدأ يعاتب نفسه، ويوجه لها حسابًا عسيرًا هو مجرد انفعال عنيف فكيف يستحيل هذا الغضب المؤقت إلى حقد يقتل النفس؟ على أن هذا أقل بكثر مما حدث في الطريق حين لمس المرأة بذهن لا يخلو من تفكير سيء إنه أحمق لا شك ولا جدال، ألم يتب إلى الله، ورغب في العبادة الخالصة؟ أليست قدماه تجره إلى القبر في كل لحظة تمر؟
بكى بدموع فاضت من عينيه وبنفس ضاقت بالألم علت همهمة البكاء حتى بلغت مكان الرجل الذي لا ينام إلا بعد أن يطمئن عليه، دخل يفتح باب حجرته ويسأل:
- ما بك يا أستاذ فتوح؟
قال وهو ينتحب:
- ساعدني على النهوض.
والظاهر أنه كان لديه ما يقوله غير ذلك لأنه ارتبك حين وقف، بيد أنه لزم الصمت، ولوح له أن يذهب وتبعته عيناه حتى غيبه الباب، ثم خرج بعده واتجه إلى الحمام.
واغتسل بقدر ما استطاع ورجع متوضئًا ليقيم الصلاة.
كان ذا قلب يفيض بالطهر يخاف أن يموت قبل أن ينفض الكراهية عن النفس، وينظفها من الإثم. لم تبلغ كراهيته درجة المقت وأنه يبرأ من نظرته إلى المرأة. ووقف يقيم صلاة المغرب، وانساب الهدوء إلى أعماقه وغمرها بإحساس من السعادة والرضا.
جلس يدعو الله فاطمأن قلبه، رفع يديه إلى أعلى، ولكنها لم تصعد أكثر من ارتفاع ذقنه عن الأرض، ثم سقطت في لحظة غاب فيها عن الكون مال إلى الأرض واستقر إلى الأبد، وكأن حركة وقوعه على السجادة وصلت إلى مكان جلوس الرجل، فسرعان ما اقتحم الحجرة وأذاع الخبر.
وصمت صبي المقهى فلم تنفرج شفتاه عن كلمة حين سمع بموت فتوح في تلك الليلة، وترامى إليه صوت معلمه جلال وهو يقول لزبائن آخر الليل:
- الله يرحمه كان جالسًا معنا هنا قبل المغرب.
وكان الليل قد انتصف والسكون قد شمل سار الصبي في الحارة التي خيم عليها صمت يشبه صمت القبور، ومر أمام دار فتوح، فرأى حجرته مضاءة، فدخل الدار ودلف إلى الحجرة، ألقاه مسجى على فراشه وحوله خادمه ونفر من أهل الحي. انضم إليهم واستسلم للتفكير الحزين والدمع الغزير، وغالب النوم وشارك القوم ذلك الجلوس المقبض وتساءل هل يحس فتوح به أو يراه أم انقطعت كل صلة بينه وبين هذا العالم وهل كان يحس أنه سيموت عندما قال له:
-ربما غدًا لا تراني.
حرك الصبي رأسه بحيرة وغرق في يقظة صامتة.