العنوان قصة العدد: خميس في بلاد العجائب 7
الكاتب يحيي البشيري
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1989
مشاهدات 62
نشر في العدد 924
نشر في الصفحة 55
الثلاثاء 11-يوليو-1989
قصة العدد - خميس في بلاد العجائب 7
لم يمض سوى يومين على عودة خميس من العاصمة حتى
توالت الأخبار إلى القرية من القرى المجاورة أن أسرًا كثيرة قد حصلت على بطاقات
لزيارة أبنائها في السجن الصحراوي! وكانت خالته أم هشام أكثر أهل القرية اهتمامًا
بهذا الخبر، وتصديقًا له!! فهي تريد أن تكحل عينيها برؤية هشام حيًا ولو في السجن،
بعد أن حرمت من رؤيته طبيبًا كما كانت تحلم من قبل.
كان خميس يخشى أن يكون الخبر مجرد إشاعة من
ورائها خدعة، ولكن خالته وأمه غلبتاه، فوافق على مرافقتها للحصول على البطاقة؟!
وأعد السيارة للسفر إلى المدينة الساحلية، ومن هناك إلى قرية الهندي حيث تقيم أم
قائد السجن الحربي التي ترفض أن تستلم نقودًا مقابل رسالة إلى ابنها للسماح
برؤية السجين الملتمس.. ولكن تصر على الأساور والعقود الذهبية أو ما شابههما.
في صباح يوم باكر انطلقت سيارة صغيرة تضم شابًا
وعجوزين من قرية «يا ظالم لك يوم تعبر الطريق الزراعي باتجاه المدينة فلفت نظر
خميس وجود مساحات كبيرة من الأراضي عند مدينة «قزاز» تختلف في تسويرها والعناية
بها عن بقية الأراضي فقال قاطعًا الصمت الذي خيم على السيارة! كم جميلة هذه
الأراضي! إنني ما زلت أحن للزراعة، على الرغم من أنني لا أجيدها!!
ابتسمت أمه، وعلى وجهها مسحة من الأسى وقالت: أين
لك يا ابني ولأمثالك مثل هذه الأراضي إنها للعقيد «تاجر» ألا تعرفه؟ لم يجب خميس:
بكلمة، بل أنصرف ذهنه إلى لقائه مع صبري. في العاصمة وتذكر ما قاله صبري بالحرف :
ستعرف يا خميس بعد ذلك لماذا يطلق اسم تاجر على مسؤول المخابرات؟!
مع اقتراب السيارة من قرية بير الليمون»
ومع ضجيج الحياة تلاشى من ذهنه أي أثر للحديث، بينما انطلقت خالته باكية حين
اقتربت السيارة من كلية الطب، وأطلقت آهات متوجعة! هنا كان هشام يدرس يا أم خميس.
فراحت أم خميس تخفف عنها وتؤملها بعودة هشام قريبًا، لتراه طبيبًا مشهورًا بين
الناس..
قبيل الظهر كانت السيارة على أبواب «المدينة»
فألحت أم خميس عليه أن يترك سيارته فيها، لينتقلوا إلى سيارة أجرة، خشية أن تطمع
أم غانم بهم، ولا ترضى بالإسوارتين عندما ترى السيارة الفخمة لأن عشيرة أم غانم
معروفة بالدناءة والجشع..
وبعد أقل من ساعة كانت سيارة الأجرة تقف عند قصر
فخم في قرية «الهندي» وعلى الباب الرئيسي كان يقف شاب وسيم ينظم عملية الدخول ...
في البهو الداخلي فوجئ خميس بعدد كبير من النساء والرجال من مختلف المحافظات،
وبسلال كثيرة من الفواكه وعلب حلوى الأفندي والمستت، ولكن أحدًا لم يكن يلقي لها
بالًا أو يهتم بها؟!!
أشار الشاب الوسيم لأم خميس وأختها بالدخول
فتأكدت أم هشام من وجود الإسوارتين، وما هي إلا دقائق حتى خرجتا وقد بدا الانشراح
عليهما، ففهم خميس أنها حصلنا على البطاقة.. في ساحة الشيخ ظاهر فوجئ خميس بأن
السيارة ليست في مكانها، فأوقف أمه وخالته قرب بائع للعصير، ومضى يبحث عن سيارته؟!
انقضى من الوقت نصف ساعة. ساعة. ساعة ونصف!! ولم يعثر على أي أثر لها؟! فعاد إلى
أمه وخالته وأخبرهما بالأمر وطلب منهما أن ينتظرا قليلًا ليبلغ الشرطة.. لاحظ خميس
أن شخصًا دميمًا كان يتبعه، فتذكر أنه رأه قبل ذلك قرب بائع العصير.
-يا أستاذ.. یا سید.
إلتفت خميس: خيرًا في شيء؟!
-عندنا فندق مريح.. غرف نوم مع حمام مستقل.
خميس: «بنزق» أخي أنا مسافر اليوم.
-على كيفك.. لكن في أي خدمة؟؟
خميس: لا.. ما في شيء
-نحن بالخدمة أستاذ..
خميس: اتركني بحالي لأرى أين أصبحت السيارة..
ابتسم الدميم عن أسنان صفراء وقال: نمرة ٤٠٥١٢٣٥
خميس: إيه - إيه هو الرقم نفسه!
-ولا يهمك
خميس: أين السيارة؟؟
-موجودة عند الرفيق توفيق.
خميس: توفيق؟! توفيق مين؟!
-توفيق ابن شقيق خابز..
ابتلع خميس ريقه بصعوبة، ودوى في داخله صوت!
خسرت سيارتك..
فقال: كيف أحصل عليها؟
-بالبخشيش.
خميس: طيب - عجّل.. أريد أن أسافر.
-هات خمسة آلاف.. وخمسمائة خدمات لمحسوبك -
وبعملية حسابية سريعة قدر خميس ثمن السيارة في الحراج، فوجد أنها تساوي عشرة آلاف
ريال، فعزم على أن يضحي بخمسمائة وخمسين ريالًا أي ما يعادل المبلغ الذي طلبه
الدميم، وقال:
هات السيارة وتعال خذ البخشيش..
ابتسم الوغد ذو الأسنان الصفراء وقال: سلّم
واستلم.
قال خميس: كيف أسلمك المال وأنا لم أحصل على
السيارة ...؟!!
أشار الدميم إلى بياع العصير وقال: هذا شخص ثالث،
ضع المبلغ عنده، وستأتيك السيارة.
ذهب خميس إلى بائع العصير الذي لم يكن أقل وقاحة
من الدميم فابتسم له وقال وهو يضع المبلغ خلف الإناء الزجاجي: سيارتك في شارع / ۸ آذار، يا
حبيب الله معكن».
انطلق خميس، ولم يشأ أن يخبر أمه وخالته بشيء، كي
لا يعكر عليهما فرحتهما بالبطاقة، وحين اطمأن أنه تجاوز الحدود أوقف السيارة قرب
مقهى صغير رفعت عليه لافتة باهتة كتب عليها مقهى الذوق وجلس يشرب القهوة، وينفث
دخان سيجارته ويستعيد حديث صبري معه، لقد اكتشف اليوم ماذا تعني كلمة تاجر.. وماذا
تعني كلمة غانم ؟؟. فضرب فنجان القهوة بكأس الماء الذي أمامه.