الثلاثاء 06-نوفمبر-1973
بقلم: أبو عمرو
جامعة الكويت
عاودتني صورة «عاصم» وهو يردد مع
الكون تسبيحاته، وقد تضاءلت ذاته بين يدي الله تعالى، رافعًا يديه إلى السماء
والدموع ناطقة في عينيه، وهو يردد في خشوع وإخبات عميقين: «وأمتني على
الشهادة في سبيلك».. كان هذا هو حال
صاحبنا، باسم الثغر، طلق المحيا، ترى في عينيه نورًا من الإيمان، كان ذا عزيمة
ماضية وإيمان عميق، لا تفتر شفتاه عن ترداد معاني الجهاد، والشهادة في سبيل الله
وكأنه يرى من خلال سجف الغيب بأنه سيموت شهيدًا، وطالما نفث في قلوب إخوانه أطيابًا
من هذه الروح العالية الكريمة.
جلس «عاصم» ذات عشية يحدث
أمه عما يراوده من أحلام لطيفة، وأمان عذاب، وقد ذكر لها بأنه يجد في قلبه اطمئنانًا
لأن يلحق بركب الشهداء الكرام، وفي حنان يشبه رهبة الموت ضمت الأم الحانية وحيدها
الحبيب إلى صدرها، وأحاطته بذراعيها الذابلتين المعروقتين، وأخذت تمطره بقبلات
حانية باكية مبكية.. وكأنها خشيت أن
يخطف الموت وحيدها من حجرها.. طال بعاصم هذا المشهد الحالم الرهيب وقد راعه أن رأى أمه تنهال عليه بقبلات
يزيدها عمقًا خلجات نفسها، وحركة شفتيها المرتجفتين، وتكتب بمداد دموعها على صفحة
جبينه صك الوداع، وكأنها أدركت أن وليدها سيكون شهيدًا في سبيل الله.. ثم رفعت بصرها
محدقة بنظرات فاحصة تتأمل العزم والتصميم في ملامح ابنها، وتراجعت الدموع في
عينيها، وبدت عليها إمارات العزم الذي يزينه يقين الإيمان، وأخذت وجه عاصم بيدها
وهي تردد: امض يا بني لما
عزمت باركك الله وسيكون عزائي فيك إنك في سبيل الله.
وبكامل الخشوع الذي يقتضيه المثول بين يدي هذا الملاك الطاهر، عانق عاصم
والدته، وأنهال يلثم جبينها ويديها في شكر وولاء وحنو، وهو يردد: «أبقاك الله يا أماه
وبارك عزمك وإيمانك، وإني لأرجو الله تعالى أن يقبلنا في سبيله».
وتدور عجلة الأيام سريعة ويكرس عاصم جهده ووقته وروحه في سبيل الله وينخرط
في صفوف كتائب الإيمان العاملة وسرعان ما يعرف مكانه لعزمه وإخلاصه ونشاطه، وهو
يحث الخطو في هذا الطريق القويم، ويجدد بين الفينة والأخرى عهده الذي قطعه على
نفسه ويتذكر صك الوداع الذي طبعته أمه على جبينه، فيزداد عزمه ويقينه، وتلتهب
الثورة في نفسه وتتبادى له صورة إخوانه الشهداء الذين سبقوه على الدرب فتضطرم نفسه
وتتعاظم ثقته ويود لو توقف ذلك الركب قليلًا ليلحق به!!!
ولم يكن ليروق أهل الباطل هذا النشاط المتقد، وهذه الروح المعطاءة وتلك
العزيمة الماضية فدبر الشيطان أمرًا، حاكه في صدور أعوانه فتجالس هؤلاء في ليلة
حمراء صاخبة، وقرروا بعد أن لعبت الخمرة في رؤوسهم وقرروا قتل «عاصم» فتضاحكوا في
عربدة ومجون.. واستعرت النشوة
في نفوسهم واختاروا الغد لتنفيذ مؤامرتهم النكرة.
كانت ليلة الجمعة.. صلى عاصم العشاء بخشوع باك وقلب خاشع، ونفس واثقة، وقرأ ورده في تدبر وثقة
عالية، وشعر بأن لحاقه برفاقه الشهداء قد حان.. وأنه مودع قريب.. ثم حمد الله
تعالى، واستلقى على جنبه الأيمن وهو يردد في همس حالم «وامتني على
الشهادة في سبيلك» وظل هكذا إلى
أن غلبه النوم.. فنام.. وإذا به يستيقظ
لصلاة الفجر كعادته، ولكنه فرح طلق الوجه باسم الثغر، على غير عادته هذه المرة. وبعد صلاة
الفجر التقى بصاحبه المخلص نائل، وأخذ يحدثه بحلمه الحبيب في ليلته السابقة.. «رأيتني يا نائل
وأنا أسير في مفازة كان الجو لطيفًا حولي وكأنني في جنة غناء، ومازلت هكذا حتى
أجهدني التعب فجلست على صخرة أستريح بعض الوقت، وأنا أمتع نظري بجمال المشهد حولي.. وإذا بكوكبة من
الفرسان يتقدمهم فارس «قسيم وسيم في عينيه دعج وفي أشعاره وطن وفي صوته صحل» وقد ميزت من
الفرسان أستاذي صاحب الظلال. فعلمت أنها
كوكبة من الشهداء الكرام ثم راعني أن ترجل الفارس القسيم ليأخذ بيدي وينهضني من
مجلسي ويقول أسمع يا عاصم: ستمر بك كوكبة أخرى من الفرسان عليك أن تصاحبها ومضى الفارس لشأنه فأخذت
أتبعه وأصيح من أنت أيها البشير، فنظر بعضهم إلي وقال ويحك إنه محمد صلى الله عليه
وسلم، مر بك ليبشرك بالشهادة».
كان عاصم يسرد حلمه على نائل والبشرى منطبعة على محياه والبهجة تسيطر عليه
وما أنهى سرد حلمه حتى عانقه نائل والدموع منهمرة من عينيه وهو يقول إنها رؤيا حق
يا عاصم، وعزيز علينا فراقك، ولكن عزاءنا فيك إنك في سبيل الله وأرجو الله تعالى
أن يجمعنا في مستقر رحمته.. ودع عاصم صاحبه بعد أن أوصاه أن يكتم أمر هذه الرؤيا إلى حين.. فوعده بذلك
وتفرقا.
حان الموعد الذي ضربه الشيطان مع أنصاره لاغتيال عاصم، فانقضوا عليه
ليعالجوه بطعنة في صدره، هوى بعدها إلى الأرض والدماء تمخر من صدره وأخذ يلفظ أنفاسه
الأخيرة وهو يردد عبارته العذبة الحبيبة. «وأمتني على
الشهادة في سبيلك»!
وقع نبأ مقتل عاصم على الجميع موقعًا صعبًا وهالهم فداحة المصاب وكان الوقع
شديدًا على نفس نائل.. فأخذ يتذكر
صديقه الشهيد وحرصه على الشهادة في سبيل الله وطرق ذاكرته حلم صاحبه الذي قصه عليه
صبيحة يوم استشهاده.. فأشاع خبر
الحلم بين أقرانه فخفف عنهم بعض مصابهم وكان عزاؤنا فيه أنه في سبيل الله.
كانت الأم المؤمنة رافعة يديها إلى السماء في دعاء حار مخلص بعد صلاة
المغرب وهي جالسة بين يدي الله تعالى إذ جاءها البشير باستشهاد وحيدها فخرت ساجدة
لله تعالى وهي تردد: «الحمد لله الذي
اصطفاه شهيدًا وأرجو أن يجمعني به في مقر رحمته» وطال سجودها
الشاكر.. فعلم القوم
بأنها لفظت أنفاسها الأخيرة في ذلك السجود الطويل، وودعت الدنيا لتلحق بوحيدها
عاصم في مقره الأخير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل