; قصة الخلاف المعلن والحوار السري بين فصائل المقاومة الفلسطينية... الحلقة الثانية | مجلة المجتمع

العنوان قصة الخلاف المعلن والحوار السري بين فصائل المقاومة الفلسطينية... الحلقة الثانية

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 04-فبراير-1986

مشاهدات 121

نشر في العدد 753

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 04-فبراير-1986

تحدثنا في الحلقة السابقة عن خلفيات الصراع بين فصائل المقاومة الفلسطينية الرئيسية «فتح، والجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية»، وفي هذه الحلقة نستكمل الحديث عن مضمون هذا الصراع وحقيقته والحوار الذي جرى ويجري بينهم في السر والعلن.

أما عن الجانب السري من هذا الحوار فلا نزعم أننا على إطلاع كامل به، كما أننا لن نكشف أمرًا يؤدي إلى ضرر بأحد الأطراف مهما كان خلافنا معهم وذلك انطلاقًا من أخلاقنا الإسلامية.

قلنا إنه ليس هناك خلاف جدي بين الفصائل الفلسطينية الثلاث حول إستراتيجية العمل الفلسطيني رغم ما ترفعه الجبهتان الشعبية والديمقراطية من شعارات تبدو للوهلة الأولى مغرقة في الثورية، ولكن سرعان ما يتبدد هذا الوهم حين تلامس هذه الشعارات أرض الواقع فلا نرى لها أثرًا والميدان الحقيقي لمصداقية أي طرف هو ما يجري داخل الأرض المحتلة حيث تكاد الساحة تخلو من أي مقاومة مسلحة للجبهتين الشعبية والديمقراطية.

ومع ذلك فإن جورج حبش دعا في شهر أغسطس «آب» الماضي «لتعبئة الجماهير والتصدي لليمين الفلسطيني الذي يمثله عرفات وأنصاره، وهدم السياسة الانهزامية والاستسلامية بصورة نهائية».

فماذا يريد جورج حبش من وراء إسقاط ياسر عرفات؟ هل يريد تحرير فلسطين، كامل التراب الفلسطيني؟ يجيب جورج حبش على هذا السؤال في حديثه لمجلة الشراع في ٣٠/ ١٢/ ١٩٨٥ كما يلي: «وعلى صعيد التعاطي مع المشاريع السياسية المطروحة فنحن أولًا نناضل ضد كافة المشاريع الإمبريالية الصهيونية الرجعية العربية المطروحة لحل القضية الفلسطينية» فما هي المشاريع التي يقبلها جورج حبش؟ يقول: «نحن من الممكن أن نتعاطى مع مشاريع سياسية تطرح لحل القضية الفلسطينية من خلال هيئة الأمم المتحدة أو من خلال مؤتمر دولي حيث يوجد الحليف المبدئي للشعب الفلسطيني، أقصد بذلك الاتحاد السوفيتي». وهذا هو بالضبط ما تطالب به «القيادة اليمينية المنحرفة» بلا زيادة ولا نقصان، ولسنا هنا في معرض الدفاع عن خط قيادة المنظمة ذلك أننا نرفض هذه المساعي جملة وتفصيلاً، ولكن لنكشف حقيقة الخلاف المعلن بين الجبهة الشعبية و«فتح»، هذا الخلاف الذي لا وجود له على المستوى السياسي وإنما هو الفكر الانقلابي لدى الماركسيين الذي تجلى واضحًا فيما جرى في عدن، وفيما جرى على يد الانقلابيين في «فتح» لمخيمات اللاجئين في طرابلس.

وحتى تتضح معالم الفكر السياسي الماركسي الانقلابي لدى الجبهة الشعبية الذي لا يتناول في حقيقته صراعنا مع اليهود باعتبارهم مغتصبي فلسطين بل يتناول «تصعيد الصراع ضد الطبقة البرجوازية الصغيرة متمثلة بحركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، فعلى الرغم من أن هذه الطبقة متذبذبة ، فهي يمكن أن تكون حليفة للثورة ولكنها ليست مادة الثورة الأساسية، وبالتالي لا يجوز أن تكون الثورة بقيادتها وقيادة برامجها وإستراتيجيتها» ثم تقول الجبهة الشعبية في كتاب «الإستراتيجية السياسية والتنظيمية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»: «لكي ننتصر على هذه الطبقة في صراعنا معها حول القيادة!! لا بد أن تعرف متى نتحالف، ومتى نتصارع، وكيف نتحالف، وكيف نتصارع».

من هذا المنطلق يهاجم جورج حبش قيادة فتح أو يجري اتصالاته للحوار معها وليس واردًا في استراتيجية تصعيد الكفاح المسلح في الأرض المحتلة وصولًا إلى تحرير فلسطين.

وليس واردًا في إستراتيجية رفض الصلح مع الكيان اليهودي في فلسطين من حيث المبدأ، ولكن رفض الحل الأمريكي لصالح إشراك السوفييت في الحل وهو يعلم تمام العلم باعتباره ماركسيًا ما هو موقف السوفييت- الدولة والحزب- من قضية تحرير كامل التراب الفلسطيني.

وحول اللقاءات التي تمت وتتم بين «فتح» والجبهة الديمقراطية يقول نايف حواتمة في ٥/ ١١/ ١٩٨٥ لجريدة «الشعب» المصرية: «لقاءات عديدة تمت، وهناك لقاءات أخرى سوف تتم». ثم يجيب على سؤال آخر قائلًا: «هناك جهود يقوم بها الأشقاء، وجهود يقوم بها الأصدقاء التقدميون، وهناك جهود تقوم بها القوى الوطنية المصرية، ونحن نأمل لهذه الجهود أن تحقق خطوات إلى الأمام.

ولكن ماذا كان محور الحوار في هذه اللقاءات بين الجبهة الديمقراطية و«فتح»؟ كان المحور هو «اتفاق عمان» حيث تصر الجبهة الديمقراطية على ضرورة إلغاء هذا الاتفاق. يقول نايف حواتمة: «إلغاء اتفاق عمان يفتح الطريق فورًا للحوار الوطني بين القيادات الفلسطينية». وحين سئل عن رأيه في التقارب الأردني السوري قال لجريدة «الأنباء» في ٦/ ١٢/ ١٩٨٥ «نحن في الجبهة الديمقراطية، ومن موقعنا الأساسي في صفوف شعبنا والثورة مع تطبيع العلاقات العربية- العربية، وفي هذا الإطار مع تطبيع العلاقات السورية- الأردنية.. ولكن شرط الانضباط المتبادل لقرارات الرباط وبغداد وفاس». والواقع أن «فتح» لا تقول غير ذلك، ومعنى ذلك أن الجبهة الديمقراطية لا تعارض ما يسمى بمسيرة السلام، بل إنها وفق موقفها المؤيد والمنسجم مع الموقف الرسمي العربي وخاصة في قمة فاس مع مشروع السلام العربي الذي يتضمن اعترافًا ضمنيًّا بالكيان اليهودي في فلسطين.

وإذًا، فلماذا هذه الضجة حول وجود خلاف سياسي بين فصائل المقاومة الفلسطينية وتصوير الأمر وكأن هناك طرفين، طرف قابل بالحل السياسي وطرف رافض له ويريد استئناف الكفاح المسلح لتحرير كل فلسطين.

نحن نقول لكل المختلفين علنًا المتحاورين سرًا من كافة فصائل المقاومة الفلسطينية: إن الخلاف السياسي بينكم مفتعل وأن التوجه السياسي لكم توجه واحد، وهو الجلوس على طاولة المفاوضات مع الكيان اليهودي في فلسطين في ظل مؤتمر دولي يحضره الاتحاد السوفييتي. وإذا كانت «فتح» تعتبر ذلك حلًا مرحليًا ومكسبًا لهذا الجيل في ظل موقف رسمي عربي مترد فإن الجبهتين الشعبية والديمقراطية تعتبران الصراع الطبقي بين البرجوازية العربية ومن ضمنها قيادة فتح له الأولوية على الصراع مع الكيان اليهودي في فلسطين، بل إن الصراع في فلسطين في جوهره هو صراع طبقي مع البرجوازية الحاكمة انطلاقًا من الفكر الماركسي ويوم تستولي البروليتاريا على السلطة في الكيان اليهودي ينتهي الصراع وتنتهي المشكلة الفلسطينية.

إن هذا الخيال الجامح لدى بعض قادة فصائل المقاومة وأن هذا التكتيك الخطر لدى قيادة «فتح» يدفعنا إلى القول إن ما يسمى بمسيرة السلام إنما هي مسيرة مليئة بالألغام والفخاخ المنصوبة لاصطياد المخلصين من أبناء فلسطين الذين ضحوا طويلًا لتحرير وطنهم. وأن ظروف القهر التي يعيشها شعبنا في فلسطين وخارج فلسطين لا يمكن أن تقبل التعايش مع مغتصبي فلسطين من اليهود، ولا يمكن أن تسلم بشبر واحد من أرض فلسطين لليهود، وإذا كانت المؤامرات على شعب فلسطين لم تتوقف منذ وعد بلفور حتى الآن، فإن هذا الشعب الذي عركته الأحداث الجسام قادر على تجاوز المؤامرات الجديدة التي تستهدف تصفيته وتصفية قضيته إلى الأبد.

ليست معارضة الجبهتين الشعبية والديمقراطية لحركة «فتح» معارضة لصالح تحرير فلسطين، بل هي معارضة منطلقة من فكر ماركسي لا يمت بصلة لفكر هذه الأمة ولا لمصالحها الوطنية.

المطلوب بروز معارضة إسلامية تقرن القول بالعمل والفكر بالتطبيق والعقيدة بالجهاد، تعتمد على الله وحده، وتلتمس الأسباب، لا تساوم على المبادئ، ولا تهادن أعداء الله.

ولم تكن «الانتفاضة» التي حدثت في «فتح» تصحيحًا للمسيرة، فلقد أثبتت الأحداث أنها لم تكن إلا ضربة للإجهاز على الثورة المعاصرة لشعب فلسطين، ثم بدأت تتآكل.

يقول عبد القادر ياسين أحد الشيوعيين في كتاب استقالته التي قدمها للعقيد «أبو موسى» زعيم «الانتفاضة» في وصفه للقيادة الرباعية لهذه «الانتفاضة»: «أولهم يشار إليه بالبنان باعتباره عضوًا قديمًا في حزب الماباي الصهيوني.. وثانيهم مهرب مخدرات مشهور، وثالثهم جبان رعديد، دأب على الفرار من كل معركة مع العدو الصهيوني» ويضيف عبد القادر ياسين في كتاب استقالته التي نشرت في جريدة الرأي العام بتاريخ ٧/ ١٢/ ١٩٨٥ قائلًا: «إن العمل العسكري غاب على الرغم من وقوع قيادة الانتفاضة في أيدي عسكريين محترفين.

وعليه فإنه لم يبق أمام القائمين على الانتفاضة إلا قمع الشعب أي على التركيز على العمل الأمني بأبشع صوره، وقد تعزز هذا التوجه لدى قيادة الانتفاضة مع ازدياد عزلتهم عن الناس».

فهل بقي بعد ذلك حل أيها الفلسطينيون غير الحل الإسلامي؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1344

الثلاثاء 17-مارس-1970

كلمة حق