; قصة الحصار الأمريكي للبرنامج النووي المصري | مجلة المجتمع

العنوان قصة الحصار الأمريكي للبرنامج النووي المصري

الكاتب عبدالستار ابو حسين

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1995

مشاهدات 82

نشر في العدد 1146

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 18-أبريل-1995

·       أكثر من 600 عالم ذرة مصري من حملة الماجستير والدكتوراه يجلسون بلا عمل فيما التحق نحو 400 آخرون بمعاهد الأبحاث النووية في أنحاء العالم.

·       الصهاينة يستخدمون سلاحهم النووي في ابتزاز العرب وفرض الاستسلام عليهم وإرغامهم على الجلوس على موائد المفاوضات.

قصة البرنامج النووي المصري- أقدم البرامج النووية العربية- هي قصة الفشل العربي في امتلاك رادع نووي يضع حدًا للغطرسة الإسرائيلية، ويحمي ملايين العرب والمسلمين من نار الرؤوس النووية الصهيونية، ويصون كرامتنا من الخضوع والابتزاز والهيمنة، ويوقف زحف الحقبة الصهيونية التي أطلت بوادرها.

لماذا وقع البرنامج النووي المصري في وهدة الحصار الأمريكي الصهيوني دائمًا؟ وفي مستنقع البيروقراطية أحيانًا، وعانى تخاذل الظهير السياسي من كل الأنظمة التي حكمت مصر خلال العقود الثلاثة الماضية، وهل السعي المصري والعربي للسلاح النووي هو إبقاء على دور ومكانة إقليمية؟ أم حماية لوجود؟ وكيف نعيش في ظل مرحلة الاحتكار النووي الإسرائيلي؟ تلك عينة من الأسئلة التي يسعى هذا التحقيق للإجابة عنها.

البدايـــــــــــــــة

في يوليو 1961م، وبعد حوالي ست سنوات من إنشاء لجنة الطاقة الذرية تم افتتاح أول مفاعل نووي تجريبي في أنشاص بقوة 2 ميجاوات فقط، وذلك كخطوة أولى في مشروع طموح لبناء 10 مفاعلات تزيد طاقتها الإجمالية على 9 آلاف ميجاوات.

وجاءت الخطوة الثانية- التي لم يكتب لها النجاح- في عام 1963م عندما طرحت مصر مناقصة عالمية؛ لإنشاء مفاعل نووي في سيدي كرير- غرب الإسكندرية- لتوليد الطاقة وتحلية المياه، ولكن أمريكا وأوروبا رفضتا المشروع، ولم يتحمس له الاتحاد السوفيتي، فتجمد المشروع بدلًا من إحيائه، (وافقت الحكومة المصرية في العام الماضي 1994م، على إنشاء مشروع بديل يتمثل في إنشاء معمل لتكرير النفط في المنطقة نفسها برأسمال مصري- إسرائيلي قدره 1,5 مليار دولار!)

ومع احتدام الصراع مع الغرب تجمد المشروع النووي المصري، وتوقف تنفيذ بنوده الطموحة، ومع هزيمة يونيو 1967م، تبدلت أولويات القيادة السياسية، وقدمت البرنامج النووي على طبق من ذهب للغرب، فوقعت على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية عام 1968م، سعيًا لضمان التأييد العالمي لاسترداد الأراضي المحتلة من «إسرائيل» وإثبات حسن نية العرب، وتاه المشروع وسط الإجراءات السياسية والاستعدادات العسكرية لمعالجة آثار هزيمة 1967م.

الحصار الأمريكي

بعد حرب رمضان -وكما يقول الدكتور فوزي حماد- رئيس هيئة الطاقة الذرية السابق- كان من المتوقع أن ترفع أمريكا اعتراضها على البرنامج النووي المصري خاصة مع تبدل تحالفات مصر الدولية، وبدء علاقاتها الخاصة مع واشنطن وتؤكد نيتها السلمية في استغلال الطاقة بعد التوقيع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.

وبدا كما لو كان ذلك قد تحقق بالفعل، طبق «زيارة نيكسون» لمصر عام 1974م، وقعت الحكومة المصرية على اتفاقية تعاون مع لجنة الطاقة الذرية الأمريكية؛ لبناء سلسلة من المفاعلات واستئناف خطة الستينيات الطموحة، وأُرسي أول عطاء على شركة «وستنجهاوس» لإنشاء مفاعل نووي؛ لتوليد الكهرباء بطاقة 600 ميجاوات، ووافقت مصر على كافة الشروط التي طلبتها أمريكا، وعلى رأسها شرط احتكار تقديم اليورانيوم المخصب للمفاعل النووي حتى تضمن مراقبته والسيطرة عليه، وهو نفس الشرط الذي تضمنته اتفاقية تسوية الأزمة النووية بين كوريا الشمالية وأمريكا مؤخرًا، ورغم الخطوات الجادة التي اتخذتها مصر لتنظيم وتفعيل إمكاناتها النووية بإنشاء هيئة الطاقة الذرية، وهيئة المواد النووية، وهيئة المحطات النووية في أواخر الستينيات فإن واشنطن كشفت عن حقيقة وأهداف تعاونها النووي مع مصر وهو ضمان تجميد البرنامج النووي المصري والسيطرة عليه وعدم إتاحة الفرصة لمصر للجوء إلى بدائل أخرى.

في نهاية عهد السادات، وفي فيتو صريح في آخر سنوات حكمه واستجابةً للضغوط الأمريكية، صدقت مصر على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية بعد 13 عامًا من التوقيع عليها، وكانت حسابات هذه الخطوة مبنية على أن ذلك من شأنه كسر الفيتو الأمريكي على البرنامج النووي المصري والحصول على مساعدات دولية في مجال الاستخدام السلمي للذرة طبقًا لبنود المعاهدة، وبالفعل تقدمت مصر بطلب رسمي إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتنفيذ المادة الثانية من هذه المعاهدة، وذلك بتقديم المساعدات الفنية والعلمية؛ لبناء مفاعلات نووية تسد العجز في احتياجات الطاقة بمصر، وبُدئ في الإجراءات الإدارية لبناء مفاعل نووي في الضبعة، إلا أن أمريكا رفضت بيع المفاعل لمصر وحاصرت المشروع، فلجأت القاهرة إلى فرنسا لشراء المفاعل، إلا أن الضغوط الصهيونية لاحقتها، فحل الدور على ألمانيا لشراء مستلزمات المشروع ووافقت «بون» على ذلك، وتم توفير المستلزمات المالية للمشروع من خلال إنشاء صندوق الطاقة البديلة عن طريق تجنيب جزء من عائدات بيع البترول.

حصار البنك الدولي

استغرقت هذه المناورات بين مصر وأمريكا 4 سنوات، وعندما عرفت واشنطن أن المشروع النووي المصري سيرى النور، أرسلت نائب رئيس البنك الدولي إلى القاهرة في ديسمبر 1985م، حاملًا معه فيتو أمريكيًا صريحًا على المشروع النووي المصري ورد في تقرير سلمه إلى د. علي لطفي- رئيس الوزراء وقتها- وقدم التقرير إلى صانع القرار المصري المبررات التي يمكن أن يستند إليها في تجميد البرنامج النووي بادعاء مخاطر التسريب الإشعاعي للمشروع، وكانت آثار حادث انفجار مفاعل تشرنوبل وقتها ماثلة للعيان، وعدم جدواه الاقتصادية، ورغم أن الدكتور علي فهمي الصعيدي- رئيس هيئة المحطات النووية يومئذ- فند هذه المزاعم الأمريكية وقال في صراحة: إنها ضد المصلحة المصرية إلا أن القرار السياسي كان في صف وجهة النظر الأمريكية، وتأكد أن المشروع النووي المصري- كما يقول د. الصعيدي- يتوقف على القرار السياسي بالدرجة الأولى وليس على اعتبارات فنية أو اقتصادية.

والذي لم يتحدث عنه الدكتور الصعيدي أن قرار تجميد البرنامج النووي المصري منذ عام 1985م كان جزءًا من مخطط لوقف كل المشاريع الإستراتيجية في مصر التي تعتبرها «إسرائيل» خطرًا على ضمان استمرار تفوقها في المنطقة، فبعد البرنامج النووي جاء الدور على مشروع إنتاج الصواريخ طويلة المدى المسمى «كوندورج» الذي كانت تشارك فيه مصر والأرجنتين والعراق، ولم تكتف واشنطن بأقل من انسحاب مصر من المشروع مقابل الموافقة على إنتاج الدبابة م1 في مصر بعد توقف إنتاجها في أمريكا!

ولم تكن الضغوط الخارجية وحدها التي جمدت البرنامج النووي المصري، ذلك أن بنية البرنامج ذاته لم تكن مبشرة إذ إنه ولد منذ البداية كمجموعة متناثرة من الهيئات أو الإدارات أو المعاهد التي يتبع كل منها واحدة من الوزارات البيروقراطية، وبالتالي خضع لكل القيود القاتلة للبيروقراطية، فكما يقول أحد قيادات هيئة الطاقة الذرية: «ظلت تبعية الهيئة لوزارة الكهرباء قيدًا على كل محاولات النهوض بها، ويتساءل: لماذا لا تتجمع الهيئات التي يتكون منها البرنامج النووي المصري في تكوين واحد مستقل يتبع رئيس الدولة أو رئيس الوزراء مباشرةً؟ إن كل المشاريع النووية التي حققت نجاحًا قامت على نفس الفلسفة الإدارية، والاستقلال والرعاية تمامًا كما حدث في الهند التي تزامنت بداياتها معنا، وباكستان التي بدأت بعدنا وسبقتنا الآن».

تفنيد المزاعم

الدكتور عزت عبدالعزيز - رئيس هيئة الطاقة الذرية الأسبق، ومستشار الأمم المتحدة الحالي- يخرج عن هدوئه المعتاد وهو يفند المزاعم الأمريكية لتبرير تجميد المشروع النووي لمصر فيقول: بدايةً فإن الحديث عن هذا المشروع يجب ألا يقتصر على الاعتبارات الفنية أو الاقتصادية، بل يجب أن ننظر للموضوع في سياقه الصحيح باعتباره رمزًا لدخول عصر جديد، فامتلاك تكنولوجيا الذرة يعني نقلة نوعية تشبه اختراع الآلة الكاتبة أو استبدال الطاقة بالشراع للسفن.

ومن ناحية أخرى فإن الأسباب الحقيقية التي دفعت أمريكا لمحاربة وتجميد برنامجنا النووي هي نفس الحجج التي تفرض إحياء وتنشيط هذا البرنامج، فإذا كانت واشنطن تطارد الإمكانات النووية في أي بلد عربي أو مسلم محاباةً لإسرائيل لضمان استمرار احتكارها للسلاح النووي فإن هذا المسلك الأمريكي دعوة لسباق تسلح نووي في المنطقة وما يمثله ذلك من مخاطر على البشرية أعرف حقيقة حجمها بحكم تخصصي، لقد أخضعت كل الدول العربية والإسلامية ما تملكه من إمكانات نووية للتفتيش الدولي، وانضمت إلى اتفاقية حظر الانتشار النووي، وكان على أمريكا أن تطلب من «إسرائيل» أن تحذو حذونا بدلًا من أن تمارس ضغوطها السافرة لتمرير تجديد أبدي لهذه المعاهدة يستثني «إسرائيل» ويكرس انفرادها النووي.

ويضيف الدكتور عزت بأسى بالغ: هذه هي حقيقة الموقف الأمريكي والغربي عمومًا من برنامجنا النووي، إنه نوع من العنصرية تسعى لحرماننا من تكنولوجيا الذرة، ودعك مما يقولونه حول مخاطر التسرب الإشعاعي أو عدم الجدوى الاقتصادية للمشاريع النووية، فهذه أكاذيب مفضوحة هم أول من يعرف حقيقتها، وحتى لا ينخدع أحد بها فإنني أؤكد أن المفاعلات النووية كمصدر للطاقة- ناهيك عن كونها رمزًا لتملك تكنولوجيا الذرة- أرخص من مصادر الطاقة الأخرى، فلو أن لدينا محطة نووية لتوليد الطاقة بقوة 1000 ميجاوات لمدة 30 عامًا ستصل تكلفة إنشائها إلى 4 مليارات دولار، وتكلفة وقود التشغيل إلى 20 مليون دولار، أما لو كانت هذه المحطة تعمل بالبترول فإن تكلفة الوقود اللازم لها خلال نفس المدة يزيد على 6 مليارات دولار، ناهيك عن تكلفة إنشاء المحطة ذاتها.

مخاطر تسرب الإشعاع

أما ما يقال حول مخاطر التسرب الإشعاعي أو التلوث من جراء النفايات لمحاربة البرنامج النووي المصري فإن الذي أطلق هذه المخاوف هو حادث مفاعل تشرنوبل، وهو من أقدم وأردأ أنواع المفاعلات، ظهرت بعده أجيال أكثر تقدمًا مصممة على منع التسرب الإشعاعي ذاتيًا حتى لو حدث انفجار للمفاعل عن طريق ما يسمى: الدفاع في العمق «Defence in Depth»، وذلك بإحاطة المفاعل بسلسلة من حواجز التسرب تنتهي بالحاوي «Container» الذي يتكون من طبقة خرسانية مسلحة عرضها 12 سم، مبطنة بطبقة من الصلب سمكها 2 سم، من شأنها أن تمنع تسرب أي إشعاع إلى الخارج، وهو ما حدث بالفعل في حادث مفاعل- ثر ميلز إيلاند- في أمريكا في أواخر السبعينات، بل إن كثيرًا من المفاعلات في أوروبا وأمريكا تقع بجوار المناطق السكنية.

وبلغة الأرقام يضيف د. عزت عبدالعزيز: إن ضحايا تكنولوجيا الذرة أقل من ضحايا تحطم طائرة أو انقلاب سيارة في ظل وجود أكثر من 450 مفاعلًا نووي في العالم.

آخر المحاولات المصرية لإحياء البرنامج النووي يكشف عنها الدكتور حافظ حجي - رئيس هيئة المحطات النووية- عندما تم الاتفاق مع كندا على بناء مفاعلين نوويين من نوع: كاندور، وهو طراز متقدم للغاية ويعمل ذاتيًا، أي إنه يخلصنا من مشاكل النفايات وغيرها من مخاطر التسرب- رغم أن تكنولوجيا معالجة النفايات قضت على هذه المشاكل- ولكن المشروع تجمد مرة أخرى.

ومع مطلع التسعينيات صدرت تعليمات عليا بوقف كافة الاتصالات التي تجريها الهيئات النووية مع كندا، وفنلندا، والبرازيل، وألمانيا، وغيرها من الدول لتنشيط البرنامج النووي المصري في مجال الاستخدام السلمي للذرة، ومن أعجب ما سمعت عن مبررات هذه الخطوة ما ذكره مصدر سياسي مرشح للعمل في رئاسة الجمهورية أن هذا القرار المصري كان للوصول إلى آخر مدى ممكن في طمأنة أمريكا وإسرائيل من أجل الاستجابة لجعل منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية!

وترتب على ذلك أن بقي أكثر من 600 من علماء الذرة في مصر من حملة الماجستير والدكتوراه بلا عمل بعد أن جاهدوا قدر الإمكان لإحياء البرنامج النووي المصري، ولم يلحقوا بـ 400 من زملائهم فروا إلى الخارج، ولم يطيقوا هذا الحصار.

أصل الحكاية

يجب إذن أن ننظر إلى البرنامج النووي المصري بعيدًا عن التماحيك الاقتصادية أو الفنية، وأن تطرح المسألة في سياقها الصحيح عندئذ يصبح هذا المشروع محكًا رئيسيًا في مستقبل التوازن الإستراتيجي في الشرق الأوسط ووسيلة- تكاد تكون وحيدة- لمواجهة الاحتكار النووي الإسرائيلي وحماية وزن مصر الإقليمي وصد الوصاية الإسرائيلية عن المنطقة العربية.

الخبير الإستراتيجي اللواء دكتور ممدوح عطية - مدير سلاح الحرب الكيماوية السابق في مصر- شغلته الإجابة عن السؤال الكبير، كيف يعيش العرب والرؤوس النووية الصهيونية فوق رؤوسهم؟ وطرح بإجابة معتبرة استحق عليها درجة الدكتوراه.

يصف اللواء عطية الخطر النووي الإسرائيلي بأنه خطر واقعي لا تفرضه فقط تخرصات التلمود ونصوص التوراة- أسفار حزقيال- التي أشارت إلى معركة «هرمجدون» - حيث سيستخدم اليهود الأسلحة النووية ضد المسلمين هناك، وهناك 40 مليونًا من الإنجيليين في أمريكا يؤمنون بهذه المقولات، فهذا الخطر لا ينبع فقط من مخاطر استخدام الأسلحة النووية، ولكن يتجاوز الاستخدام إلى التوظيف، حيث لجأت الدولة اليهودية إلى توظيف سلاحها النووي؛ لابتزاز العرب وفرض الاستسلام عليهم وإرغامهم على الجلوس معها على مائدة المفاوضات بشروطها والاعتراف بها، وإدارة هذه المفاوضات على أساس أن هناك منتصرًا هو «إسرائيل» ومهزومًا هم العرب، ويترتب على ذلك انتزاع صك نهائي بالتنازل عن الأراضي المحتلة عامي 48، 67، وإذا استمر الاحتكار النووي الإسرائيلي كما يقول اللواء عطية: فمن المتوقع أن تمارس إسرائيل سياسة الإخضاع على العرب، وتحقيق الهيمنة السياسية على المنطقة ليس فقط بفرض الإرادة الإسرائيلية، ولكن بالتدخل في الأوضاع العربية، وتشكيل أنماط الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الأقطار العربية حسبما تقتضي مصلحة «إسرائيل» وهذا ليس كلامًا خياليًا نتقوله، ولكنه حقائق تؤكدها مجريات الأمور، فقد طلب بيريز تغيير مقررات مناهج التعليم العربية، ودعا الجنرال بنيامين بيلد- قائد سلاح الجو السابق في إسرائيل- إلى مشاركة بلاده في ثروات المنطقة، حتى لو تطلب ذلك استخدام أسلحة الدمار الشامل!

كيف السبيل؟

في ظل هذه المعطيات يصبح امتلاك العرب- وليس مصر فقط- سلاحًا نوويًا دفاعًا عن الوجود، وليس حفاظًا على دور إقليمي، ولكن كيف يحدث هذا؟

يجيب أمين هويدي- وزير الحربية ورئيس جهاز المخابرات الأسبق في مصر: يجب أولًا إعادة المصداقية إلى الردع العربي؛ لأنه في ظل غياب هذه المصداقية، فسوف تستمر «إسرائيل» في تدمير أية خطوة مصرية أو عربية لامتلاك أسلحة نووية، وتتوقف مصداقية هذا الردع على وجود قوة عسكرية فعالة وإرادة لاستخدام هذه القوة، وتصديق من العدو لفعالية هذه القوة وإمكانية استخدامها، وتكمن نقطة الضعف في مصداقية الردع العربي ليس في غياب القوة- كما يقول اللواء هويدي- ولكن في غياب إرادة استخدامها؛ وبالتالي عدم تصديق العدو لنا وهو الأمر الذي يفسر لماذا لم تمنع قوة العرب «إسرائيل» من شن الحرب تلو الأخرى دون خشية من العقاب؟

في ظل هذه الوضعية لا يمكن حماية أية جهود لامتلاك السلاح النووي من الانتقام الإسرائيلي؛ وبذلك يصبح امتلاك مظلة نووية عربية متوقفًا على الاحتماء بمظلة ما أسميته بالرادع فوق التقليدي- يشمل الأسلحة الكيماوية، والبيولوجية، والصاروخية- لأن تحقيق الردع المؤكد المتبادل مع «إسرائيل» لن يتم إلا بكسر احتكار «إسرائيل» للرادع النووي وأي حديث عن تحقيق الأمن العربي بغير هذا الطريق فهو حديث عن استمرار عدم الاستقرار في المنطقة بغض النظر عن التسويات التي تمت، أو التي يجري إعدادها؛ لأنها تحمل في ثناياها عوامل نسفها نظرًا لتحققها في ظل خلل توازن القوى، وليس هناك خطر على استقرار منطقة ما أكثر من وجود جار قوي وسط جيران ضعفاء، وهو ما تسعى «إسرائيل» إلى تحقيقه في ظل احتكارها للرادع النووي.

كسر الاحتكار

في سعينا لكسر الاحتكار النووي الإسرائيلي يذكرنا اللواء ممدوح عطية بأن احتكار أحد طرفي الصراع للرادع النووي لا يمنع الطرف الآخر من التصدي له، فقد انتصرت فيتنام على أمريكا، وانتصرت أفغانستان على الاتحاد السوفيتي، وتصدت الأرجنتين لبريطانيا في «حرب فوكلاند»، إذن المهم في الردع ليس وسيلته المستخدمة، ولكن في قوته التدميرية، ولذا يتفق اللواء عطية مع أمين هويدي على أن الرادع فوق التقليدي هو أفضل مظلة عربية لامتلاك العرب سلاحًا نوويًا، فهو يزيد تنوع وسائل الردع بما يعطي العرب مرونة أكبر في إدارة الصراع، ويقلل من احتمالات العدوان، ويزيد اهتزاز ثقة المعتدي.

أما على مستوى الاستخدام، فإن الرادع فوق التقليدي يحقق نقاط قوة للعرب يعددها اللواء عطية في:

·       يحقق تلوثًا في الأسلحة والمعدات لمدة 24 ساعة؛ مما يعرقل استخدامها، ويعطي الفرصة لاتخاذ الإجراءات الدفاعية المناسبة ضد أية أعمال هجومية.

·       يحقق نسبة خسائر للعدو تصل إلى 35% من حجم القوة البشرية؛ وبذلك يفقده القدرة على القيام بأعمال هجومية.

·       يحقق تلوثًا في الجو والأرض؛ مما يعرقل أعمال حشد العدو والفتح الإستراتيجي لقواته البرية والبحرية.

ويتبع امتلاك الرادع فوق التقليدي التعاون مع الدول الإسلامية صاحبة الخبرات النووية المتقدمة والاستفادة من الكوادر العربية النووية في الخارج وتطوير قوات بحرية وجوية وصاروخية قادرة على حمل رؤوس فوق تقليدية أو نووية.

الرابط المختصر :