; قصة التحالف الخفي بين اليهود والصرب | مجلة المجتمع

العنوان قصة التحالف الخفي بين اليهود والصرب

الكاتب هارون يحي

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1998

مشاهدات 68

نشر في العدد 1306

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 30-يونيو-1998

أقام سفاح الصرب ميلوسوفيتش علاقات صداقة مع عائلة روكفلر وكسينجر مهدت له الطريق إلى رئاسة صربيا.

مجلس العلاقات الخارجية... منظمة الأطراف الثلاثة.. مجموعة بيلدر برج.. ما دور هذه المؤسسات الثلاث في تدمير البوسنة؟

لم يكن الغرب غير مبال تجاه قضية البوسنة.. كان يؤيد الصرب، ولكن بطريقة معقدة.. لقد كانت له نواياه ضد المسلمين.

الكاتب التركي المعروف هارون يحيى له عدة مؤلفات تكشف الحركات السرية الهدامة، والتي يقف وراءها اليهود وهو يتتبع الخيوط الخفية التي تربط أصحاب النفوذ من ساسة وعسكريين وأصحاب الأموال باليهود والشبكات السرية التي شكلوها للسيطرة على العالم، وفي أحد كتبه يكشف هارون يحيى القصة المجهولة للتحالف الخفي بين اليهود والصرب.

وفي هذا المقال يقدم هارون يحيى لقراء المجتمع جزءًا من هذه القصة.

في أعقاب الحرب الباردة لم يتأخر العالم الغربي في استبدال عدو جديد بالشيوعية، وتحدد الإسلام كعدو جديد للغرب على المستويين الثقافي والسياسي، كما أخذت الحكومات ومراكز الأبحاث الغربية، ولا سيما في الولايات المتحدة في وضع الاستراتيجيات لمحاصرة هذا «الخطر الأخضر». 

ومن أهم خصائص مجموعة الأفراد والمؤسسات التي تقود عملية سب الإسلام، علاقتهم الوثيقة بإسرائيل، إما بسبب عقيدتهم اليهودية أو من ناحية المؤسسات التي يتصلون بها، وقد كان الذين أبدوا أشد الإجراءات الوقائية ضد الأنظمة الإسلامية يهودًا أو من أعضاء المحافل الماسونية التي ظلت طيلة قرون تخدم اليهود، وهي معروفة بخدمة مصالح إسرائيل في الغرب مثل مجلس العلاقات الخارجية أو بليدربرج.

ومن المؤكد أن هناك تفسيرًا واضحًا لهذه الاستراتيجية الإسرائيلية إذ تعيش الدولة العبرية كجزيرة داخل بحر إسلامي وتعتمد في بقائها على قبولها داخل ذلك البحر، وقد نجحت إسرائيل حتي الآن في إبعاد كل خطر يهددها بفضل قوة الولايات المتحدة، ومع ذلك فقد تأخذ الضمانات الأمريكية لها في التآكل على المدى البعيد وفوق ذلك لا تضمن إسرائيل أن البحر الإسلامي الذي تعيش فيه لن يزداد قوة. 

ولذا فإن استراتيجية إسرائيل طويلة المدى هي تعجيز كل النشاطات الإسلامية وعلى الأخص في منطقة الشرق الأوسط ثم في العالم الإسلامي المحيط بالشرق الأوسط سط «أي في البلقان وآسيا الوسطى وشمال إفريقيا» ومن هناك إلى سائر أرجاء العالم الإسلامي، وما عملية السلام التي بدئ تنفيذها في الشرق الأوسط إلا تكتيكًا يهدف فقط إلى توفير الوقت لاستراتيجية إسرائيل الحقيقية وهي «فرق تسد» أو كما عبر عنها عوديد بينون عام ١٩٨٢م في تقريره المشهور.

إن «الدول المعادية للإسلام» التي تسعى إسرائيل إلى إيجادها كما هو واقع في الشرق الأوسط وغيره من أقاليم العالم الإسلامي هي ناتج هذه المخططات الاستراتيجية، وتضغط الدولة اليهودية على إيران من خلال الولايات المتحدة كما أنها تسلح متمردي الجنوب السوداني وتوفر التدريب العسكري لهم في مواجهة الحكم الإسلامي في السودان، وهي تؤيد الجماعات الهندوسية المتعصبة عسكريًا وديبلوماسيًا بممارسة الضغوط في أمريكا لتعينهم على التخلص تمامًا من المعارضة الإسلامية في كشمير، وهي تقيم علاقات استراتيجية حميمة مع الأنظمة المعادية للإسلام في بورما وتايلاند والفلبين في الشرق الأقصى. 

وهنا تذكرنا هذه الصورة بالبلقان، فهل يمكن أن يكون الإسلام في البوسنة داخلًا في خريطة إسرائيل عن «الخطر الأخضر»؟ على أبسط هذه الأحوال هذا محتمل، وبالفعل فقد نظرت دوائر عديدة إلى النهضة الإسلامية في الثمانينيات في البوسنة والهرسك على أنها خطر أخضر ومن الدوائر الحزب الشيوعي ثم «المسلمون» العلمانيون أمثال فكرت عبديتش ثم الصرب وأخيرًا «اليد الخفية» في العالم الغربي. 

وقد دعت هذه الحركة الإسلامية التي جسدها الزعيم البوسني على عزت بيجوفيتش إلى قيام اتحاد فيدرالي إسلامي في منطقة تمتد من المغرب إلى إندونيسيا ومن أفريقيا إلى الشرق الأوسط. وكان هذا هو خلاصة البيان الإسلامي الذي كتبه عام ۱۹۷۰م، كما ذهب بيجوفيتش إلى أن النضال الفلسطيني هو نضال مقدس لكل مسلم ولا يحتاج المرء إلى العبقرية ليدرك موقف إسرائيل التي سعت إلى أن تكون حلفًا دوليًا معادٍ للإسلام ضد بيجوفيتش الذي كان يدعو إلى فيدرالية إسلامية دولية لإنقاذ القدس، وقد أورد بيجوفيتش في كتبه أراء تقول بأن الكفر المادي ناشئ عن اليهودية التي ركزت على العالم المادي، كما تناول بالتحليل الماسونية وأشار إلى أن إسرائيل تنظر إلى الخطر الأخضر بخطورة بالغة.

ولهذا أعدت إسرائيل حملة واسعة النطاق الإبادة الإسلام في البوسنة مستعينة باليد الخفية التي تمثلها في الغرب المحافل الماسونية واللوبي الإسرائيلي والمنظمات السياسية التي أقامها اليهود وساستهم.

روابط الولايات المتحدة مع ميلوسوفيتش

ذهب سلوبودان ميلوسوفيتش، وهو عضو بارز في الحزب الشيوعي الصربي وعضو في الإدارة ببنك بلجراد، إلى الولايات المتحدة مرات كثيرة بصفة رئيس مجلس إدارة أكبر اتحاد مصرفي في بلاده وممثل لاستثمارات صناعية مهمة، وقد أقام بعض الروابط الشخصية المهمة مثل صداقته مع ديفيد روكفلر وهو ليس مجرد مصرفي عادي بل أقوى الشخصيات وأكثرها تأثيرًا في عائلة روكفلر التي تمتلك أكبر المصالح المصرفية والبترولية في الولايات المتحدة، لقد حولت أسرة روكفلر ذات الأصول اليهودية قوتها الاقتصادية إلى قوة سياسية ومولت أكبر مراكز الأبحاث الأمريكية وهو مجلس العلاقات الخارجية المسئول عن تحديد مسار السياسة الأمريكية الخارجية. 

ولهذا المجلس علاقات وثيقة بالماسونية فقد ادعي كثير من الباحثين وجود علاقة توازي أي رابطة عضوية بين مجلس العلاقات الخارجية والمحافل الماسونية ومن اللافت للنظر أن نلاحظ أن الكثير من الأسماء المشهورة في مجلس العلاقات الخارجية مثل هارس ترومان وجورج مارشال ودوايت ايزنهاور وأليس دلاس وجون ماكوي وهنري كيسنجر وليندون جونسون ودين اتشيسون وجيرالد فورد كانوا أعضاء في المحافل الماسونية، بل لقد ذهب بعض المعلقين إلى أن مجلس العلاقات الخارجية هو مظهر حديث من مظاهر الماسونية. 

ولا يوجد شك في أن الماسونية كان لها دور مهم في تطوير ميلو سوفيتش لصداقته مع روكفلر لا سيما أن ميلوسوفيتش نفسه ماسوني كما ذكرت مصادر مختلفة.

ولم تكن هذه الحقيقة مهمة لولا الجانب السياسي، إذ استخدم ميلوسوفيتش علاقاته الماسونية في عمله السياسي وحربه في البوسنة والهرسك.

العلاقة بين هنري كيسنجر وميلوسوفيتش

بينما كان ميلوسوفيتش يطور علاقاته مع ديفيد روكفلر كون صلة وثيقة مع سفير الولايات المتحدة في بلجراد وبدا أن هذه العلاقة مجرد شراكة تجارية محدودة ومع ذلك فقد اكتسبت ناحية سياسية فيما بعد حيث أصبح ذلك السفير «إيجلبرجر» الذراع اليمني لهنري كيسنجر وقت أن كان ذلك الأخير وكيلًا في الخارجية الأمريكية، ولكن ما الذي جعل كيسنجر مهمًا؟

إنه كان أشد الوزراء الأمريكان تحمسًا لإسرائيل واليهودية في التاريخ الأمريكي وكان كذلك العقل المدير للمؤسسات السياسية التي يمولها الرأسماليون الماسونيون، وكان صديقًا مقربًا من ديفيد روكفلر وعضوًا في مجلس العلاقات الخارجية الذي يموله روكفلر.

أما الشخص الآخر الذي كون علاقة مع میلوسوفيتش خلال سنوات شراكة هذا الأخير مع إيجلبرجر فكان برنت سكوكروفت وكان في ذلك الوقت ملحقًا عسكريًا بالسفارة الأمريكية في بلجراد، وينتمي كذلك إلى طاقم كيسنجر مثل إيجلبرجر، وأدرك كيسنجر وفريقه أن ميلوسوفيتش شريك جيد ووعدوه بمستقبل لامع، وشجع إيجلبرجر ميلوسوفيتش على دخول المعترك السياسي، وبعدها انتخب ميلوسوفيتش، وكان ممثل بلجراد في الحزب الشيوعي، عضوًا في البرلمان ثم أصبح رئيس الحزب الشيوعي الصربي، وكانت له قائمة من الأصدقاء المهمين يتراوحون من ديفيد روكفلر إلى هنري كيسنجر. 

وفي عام ١٩٨٨م أعطى جورج بوش فرصة طيبة لكيسنجر وفريقه المساندة ميلوسوفيتش وكان رجال كيسنجر في ذلك الوقت في مناصب مهمة جيدة، فقد شغل سكوكروفت منصب مستشار الأمن القومي وكان لورانس إيجلبرجر وكيل وزير الخارجية، وكان التحالف السري بين فريق كيسنجر وبلجراد هو سبب سكوت بوش إزاء الوحشية الصربية بل ودعمه لها، وقد قال ديفيد فندر بنك السفير الأمريكي السابق في رومانيا في هذا الصدد: إن السبب وراء سياستنا تجاه القادة الصرب الذين يخربون يوغوسلافيا هو العلاقة الوثيقة بين إيجابرجر وميلوسوفيتش، وفي الحقيقة فإن هذا التحالف بين ميلوسوفيتش والماسونية في الولايات المتحدة هو سبب السياسات التي انتهجها بوش وكلينتون أيضًا فضلًا عن السياسات الرسمية الأمريكية وسياسات العالم الغربي بأسره، إن هذه المنظمة الماسونية تعمل على المستوى الدولي كيد خفية تؤيد ميلوسوفيتش وعصابته.

اليد الخفية التي تؤيد الصرب واللورد كارينجتون

وكان لميلوسوفيتش في هدفه الإبادة المسلمين في أوروبا الكثير من الأصدقاء الآخرين خارج الولايات المتحدة فقد أيد الكثيرون من قادة البلاد الأعضاء في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي الصرب بسبب ولاءات مختلفة، وقد أيد هذا التحالف من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بلجراد للعلاقات الاستراتيجية والتقليدية التي تربطه بها، بينما تظاهر على السطح بأنه يدعم مبادئ كالعدالة والسيادة والحرية، ولعل حظر توريد الأسلحة كان في الحقيقة من أهم جوانب التأييد التي أعطيت لميلوسوفيتش من جانب الدول الغربية، إن هذا الحظر لم يؤثر في الجيش الفيدرالي «اليوغوسلافي» وهو رابع قوة عسكرية «في العالم؟» كما لم يؤثر على المليشيات الصربية التي تنفذ سياسة التطهير العرقي، وقد استمر الحظر ساريًا على الرغم من اعتراضات الأمم المتحدة وكان السبب في المذابح التي راح ضحيتها آلاف المسلمين، وبدا كما لو كانت هناك يد سرية داخل المجتمع الدولي تؤيد الصرب.

وقدم الاتحاد الأوروبي للدولة الصربية قرضًا قيمته ٧٥٠ مليون وحدة نقدية أوروبية قبل نشوب الأزمة واحتدامها بين كرواتيا وسلوفينيا مباشرة، وكان اللورد كارينجتون هو وسيط الاتحاد الأوروبي لدى يوغوسلافيا، ومن الواضح أنه كان يؤيد الصرب، وكان كارينجتون وكيسنجر صديقين حميمين لارتباطهما معًا في شركة كيسنجر وبالإضافة إلى عضويتهما في المحافل الماسونية كانا أيضا موجودين في مجموعة بيلدربرج والتي يمكن تعريفها بأنها النسخة السياسية الحديثة من الماسونية، وقد حصل ميلوسوفيتش بطبيعة الحال على المعونة اللازمة من «الإخوة»: إن اليد الخفية هي ذلك المجمع الإنجلوساكسوني. 

رجال آخرون «لليد الخفية»: سیروس فانس واللورد أوين

حاول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الظهور بمظهر من يحل الأزمة خلال المذابح العرقية. 

ومع ذلك فعندما تتأمل في خلفيات اثنين من الوسطاء وهما سيروس فانس وديفيد أوين واللذان عينتهما الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي على التوالي يتضح أن المهمة التي أدياها كانت خدمة تلك «اليد الخفية» فسيروس فانس كان عضوًا بارزًا في مجلس العلاقات الخارجية وجماعة الأطراف الثلاثة «تريلاتيرال» ولهاتين المنظمتين روابط ماسونية وثيقة ويديرهما رأسماليون يهود مثل روكفلر، وكان فانس كذلك عضوًا في مجموعة بيلدربرج المعروفة بأنها أعلى مؤسسة ماسونية في أوروبا، وكان أوين وزيرًا للخارجية خلال حكومة حزب العمال في بريطانيا، كذلك كان عضوًا في المؤسسة الماسونية ومنظمة الأطراف الثلاثة، ولهذه الوقائع أهمية في الشأن البوسنوي لأن هؤلاء الأشخاص وبالذات فريق المفكرين الملتف حول كيسنجر هم الذين جعلوا من ميلوسوفيتش جزارًا دمويًا فقد ساعدوه في حياته السياسية.

التقارير الموجهة ضد المسلمين أعدها جاسوس الموساد بود انسكي

ومن الأمثلة ذات الدلالة على الدعاية المعادية للمسلمين والتي اشترك فيها اليهود أحد التقارير حول البوسنة جرى تقديمه في الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩٩٣م، وهذا التقرير وثيقة كاشفة لأنها تفضح النوايا الحقيقية لإسرائيل وأصدقائها الأوروبيين كما أنها ترسم الهيكل الأيديولوجي المعادي للإسلام والكامن خلف تلك الدعاية كما أن تلك الوثيقة تقدم لنا مثالًا نادرًا حول كيفية تحويل القتلة إلى ضحايا. 

إن هذا التقرير المليء بالادعاءات الوهمية يدافع عن الصرب وقد أعده يوسف بود انسكي وفون فورست وهما مديرا المنظمة المسماة بـ «قوة العمل ضد الإرهاب والحرب غير التقليدية»، وكان عنوان هذا التقرير «نقطة انطلاق إيران في أوروبا» وقد ذكر أن علي عزت بيجوفيتش وحكومته يحاولان إنشاء دولة إسلامية في البلقان عن طريق الانخراط في مؤامرة إسلامية دولية تقودها إيران وأنهم يحاولون ذلك بشتي الوسائل القذرة، وبلغت عداوة كاتبي التقرير تجاه علي عزت بيجوفيتش وحكومته حد الادعاء بأن البوسنة تقوم بقتل وتعذيب شعبها لكي تثير العالم ضد الصرب، كذلك أكد التقرير أن الإرهابيين يأتون إلى البوسنة من بلدان إسلامية مختلفة وأنهم يعدون لحدوث أعمال شغب إسلامية نتيجة لكراهيتهم للعالم الغربي وهياكله السياسية الليبرالية وكان أسلوب التقرير في غاية الإثارة وتكررت فيه عبارة «الإرهاب الإسلامي» ۲۷ مرة. 

ولكن من كان يقف وراء هذه الدعاية، إن يوسف بود انسكي يهودي مولود في إسرائيل. 

ويشاع في واشنطن أن بود انسكي جاسوس للموساد، وقد استخدمت هذه الادعاءات التي أدلى بها جاسوس الموساد من جانب مؤيد الصرب وعضو اليد الخفية اللورد أوين أو من جانب مبعوث الأمم المتحدة ياسوشي أكاشي أو قائد قوات حفظ السلام الفرنسي جان كوت في معرض الدفاع عن الصرب. 

ومن التفاصيل الأخرى التي تثبت علاقة إسرائيل بالصرب انتشار الأسلحة الإسرائيلية مثل رشاش عوزي الذي أتى في المرتبة الثانية بعد مدافع الكلاشينكوف، وقد لوحظ أن قوات التشيتنك الصربية استخدمت الأسلحة الإسرائيلية في هجومها على باكراش في كرواتيا. 

وقد ذكرت صحيفة لونوفيل أوبسرفاتير أن تلك القوات التي عملت تحت إمرة ضابط يدعى شيكو كانت تحمل رشاشات عوزي، وقد تجلى دور إسرائيل في الحرب البوسنية في مقالة نشرتها صحيفة الجيروساليم ريبورت بقلم البروفيسور إيجور بريموراك من جامعة القدس، وقد حمل تقرير واشنطن حول شؤون الشرق الأوسط في عدد أبريل/ مايو ١٩٩٥م عنوان «أستاذ بالجامعة العربية يكتب عن التأييد الإسرائيلي للصرب»، ووفق ما قاله بريموراك فإن الموساد وجه تجار الأسلحة الإسرائيليين إلى عصيان حظر توريد الأسلحة منذ بداية الحرب وأنهم كانوا يرسلون كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة إلى جمهورية الصرب.

  الفارق بين اللامبالاة وسوء النية

لقد وبخت وسائل الإعلام الغربية حكوماتها على أنها سلبية ومترددة إزاء الحرب، وذهبوا إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين لم تكن لهم فعالية لإيقاف القسوة الصربية وأنهم لم يجازفوا بإنقاذ المسلمين، وكان تفسير الوضع أن العالم الغربي! لم تكن لديه مصلحة اقتصادية في البوسنة، ويمكن تلخيص تلك الحجة في عبارة تقول لم تكن الأمور تسير على ذلك المنوال لو كان في البوسنة بترول.

لكن حكاية «لا مبالاة الغرب» قد اخترعت عن عمد لتغطية القصة الحقيقية لأن العالم الغربي أو بالأحرى اليد الخفية كانت تقدر على التأثير على الدول الغربية وأن العالم الغربي لم يكن غير مبال، لقد كانوا يؤيدون الصرب ولكن بشكل معقد ولهذا يمكن القول بان الغرب لم يكن غير مبال بل على العكس كانت له نوايا ضد المسلمين، إن الدبلوماسية الحقيقية وراء الستار كانت تختلف تمامًا عن تلك المعلنة والتي تقول بأنهم أرادوا الدفاع عن المسلمين لكنهم لم يكونوا بالفاعلية الكافية، فعلى سبيل المثال كان سيروس فانس واللورد أوين حراس الصرب وحماتهم خلف الأبواب المغلقة بينما حاولا إيجاد جو من الحياد، ويقول قائل بورا وهو خبير في الشئون اليوغوسلافية: «لقد عامل الساسة الأمريكيون والأوروبيون علي عزت بيجوفيتش معاملة ودية للغاية في العلن لكنهم أجبروه خلال المناقشات على المساومة وقد الحوا على وجه الخصوص عليه لكي ينسى اللجوء إلى التدخل العسكري كعامل ضغط».

وفي يوليو ١٩٩٤م قال رئيس وزراء البوسنة حارث سلاديتش: «بعد كل جلسة سياسية كان المزيد من شعبنا يقتل أو ينفي وكانت معاناتنا تزداد، إنهم لم ينتهكوا وقف إطلاق النار فحسب، بل استمرت أعمال القتل الجماعي والنفي الجماعي. 

إن المناقشات هنا تستخدم لتمكين الصرب من السيطرة على الأراضي».

لم يكن الوسطاء وحدهم هم الذين هددوا الحكومة البوسنية وضغطوا عليها، ولكن كان معهم قادة الغرب الماسونيون، وكان فرانسوا ميتران احد «الإخوة» الذين حاولوا إرهاب المسلمين. 

وقد شرح بيجوفيتش السبب الحقيقي لزيارة الرئيس الفرنسي السراييفو حيث قال: إن میتران أبلغه بأنهم لا يريدون دولة مسلمة في وسط أوروبا. 

وقد صرح بيجوفيتش بذلك في خطاب القاه في أنقرة أمام هيئة رجال ر الأعمال المسلمين في تركيا، ومن المفارقة أن الرأي العام الدولي كان يتصور أن ميتران كانت تجول المشاعر الإنسانية برأسه وهو يسير في شوارع سراييفو وهو يضع قبعة فوق رأسه.

وكان بيجوفيتش وغيره من قادة البوسنة يدركون هذه الحقائق ولكنهم لم يكونوا يستطيعون التعبير عنها علنًا، ولو أنهم أعلنوا صراحة عن التأييد الغربي للصرب لأدى ذلك إلى إثارة الرأي العام القومي الغربي، مما سيؤدي بدوره إلى حدوث رد فعل أشد، ومن الأدلة الأخرى عن سوء نية الدول الغربية الجهد المبذول لإخفاء الوحشية الصربية، لقد كانت الأمم المتحدة وبعض الحكومات تعلم بوجود معسكرات الاعتقال في مناطق مختلفة من البوسنة حيث كانت تمارس أفظع أنواع التعذيب وذلك منذ بداية شهر يونيو ۱۹۹۲م، ووصلت أنباء ذلك إلى العالم في نهاية شهر يوليو، ويقول صحفيو جريدة الجارديان: إن الولايات المتحدة اكتشفت وجود هذه المعسكرات عن طريق الأقمار الصناعية والجواسيس تتمتع، لكنها قالت إن المعلومات التي قدمتها حكومة البوسنة حول المعسكرات لم تكن بالمصداقية الكافية. 

أما الغارات التي قامت بها الدول الغربية خلال الحرب فكانت مجرد أدوار تلعب بهدف تغطية نواياهم السيئة، ولم ينتج عن أي غارة منها ضرر للصرب، وقد قصفت طائرات حلف الأطلنطي ذات مرة بالي والتي توصف بأنها عاصمة الصرب، ولكن اكتشف بعد ذلك أن الطائرات قصفت منزلين مهجورين رغم أنهم كانوا يعرفون مواقع مخازن الذخيرة، بل لم يقم حلف الأطلنطي بقصف منصات إطلاق الصواريخ التي أسقطت طائرة أمريكية في ربيع عام ١٩٩٥م على الرغم من أنهم كانوا يعرفون مواقعها. 

وكانت غارة سبتمبر ١٩٩٥م بدورها غير مؤثرة، وقد عاد الطيارون وأخبروا بأنهم لم يؤمروا بإصابة الأهداف الصربية.

وكانت استراتيجية «اليد الخفية» في البوسنة تقضي ببث نواياها في كل تحرك دبلوماسي مع تغطية ذلك بوسائل معقدة، وكان من السهل كشف تلك اليد الخفية في اتفاقية دايتون التي أنهت الحرب، وقد وقعت تلك الاتفاقية بعد ثلاثة أسابيع من المناقشات الدبلوماسية تحت إكراه من الولايات المتحدة في أكتوبر ۱۹۹۰م، وقضت الاتفاقية بتقسيم البوسنة والهرسك إلى جزئين وأخذ الاتحاد البوسني الكرواتي أحد القسمين بينما استولى الصرب على القسم الآخر وذكر كثير من التعليقات عقب الاتفاقية أن المسلمين هم الطرف الخاسر الأكبر، فقد وضعت الولايات المتحدة مثلًا قيودًا أدت إلى إعطاء الصرب مثلث جايس الذي كان جيش البوسنة استولى عليه في عام ١٩٩٥م والذي يضم أكبر محطة إنتاج للطاقة الكهربائية في وسط البلاد كما يمثل العمود الرئيس بين سراييفو وبيهاتش.

واضطر بيجوفيتش إلى تفضيل السلام على العدالة، لأنه لم يكن أمامه بديل بينما ادعى ميلوسوفيتش -المسؤول عن المذابح- البراءة وقد أنقذه الإخوة الغربيون وكان أحد هؤلاء الإخوة ريتشارد هولبروك وكيل وزارة الخارجية الأمريكية ومهندس تلك الاتفاقية، وهو لبروك يهودي ألماني الأصل وكان يشغل منصب المدير العام في شركة ليهمان براز المشهورة والتي أسسها أثنا عشر رأسماليًا يهوديًا، وكان أيضًا عضوًا في مجلس العلاقات الخارجية وجماعة الأطراف الثلاثة.

وقد أدلى كيسنجر بالكلمة الأخيرة حول معنى اتفاقية السلام، وحسب ما قاله هذا الحامي الأكبر للصرب فإن صرب البوسنة سوف يتحدون مع جمهورية الصرب، كما سوف يتحد كروات البوسنة مع كرواتيا بينما يبقى البوسنيون بينهما وكان كيسنجر في الواقع يشرح خطته بدل أن يقدم أي تحليل للأمور، لقد قضى المخطط بمحو الخطر الأخضر المتمثل في عزت بيجوفيتش وقد خططت اتفاقية دايتون لهذا الغرض، وربما لم تتم إبادة مسلمي البوسنة جسديًا كما كان مخططًا من قبل لكنهم انهكوا بالمدفعية الصربية والفخاخ الدبلوماسية الغربية.

خاتمة

إن مجلس العلاقات الخارجية وجماعة الأطراف الثلاثة وجماعة بيلدر برج الذين أشرنا لهم في المقال عمومًا باسم اليد الخفية هي مؤسسات تتسق مع السياسات الإسرائيلية نتيجة لهويتهم الماسونية وولائهم للرأسماليين اليهود، ويمكن بسهولة أن تلخص القصة كلها علي النحو التالي: إن الدعم الأجنبي الذي قدم القومية الصرب التي يتزعمها ميلوسوفيتش قضية معقدة تتألف من عوامل يهودية- ماسونية، وعوامل سياسية- اقتصادية في المثلث بين القدس وواشنطن و«لندن- باريس» إن كل الدعم الخفي أو الدبلوماسي المقدم للصرب جاء من المنظمات الماسونية أو جماعات الضغط اليهودية التي هي امتداد لإسرائيل في العالم الغربي.

ووراء سفك الدماء في البوسنة لعبت الدولة اليهودية دورًا كبيرًا لأنها تنظر إلى الحضارة الإسلامية كتهديد رئيس لها وتحاول بناء بن على ذلك أن تقيم دولًا معادية للإسلام.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

209

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟

نشر في العدد 11

129

الثلاثاء 26-مايو-1970

حدث هذا الأسبوع - العدد 11

نشر في العدد 21

117

الثلاثاء 04-أغسطس-1970

يوميات المجتمع - العدد 21