; قصة الأسبوع.. ثرثرة على الماء | مجلة المجتمع

العنوان قصة الأسبوع.. ثرثرة على الماء

الكاتب عبد العزيز عطايا

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1978

مشاهدات 55

نشر في العدد 414

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 03-أكتوبر-1978

ملخص ما نُشر

صديقان مختلفان في التكوين النفسي والمناخ العقلي. وهما من حي واحد. التقيا على شاطئ البحر في ليلة مظلمة، ودار بينهما حوار نفهم منه تفكيرهما، وما انتهى إليه كل منهما في الطريق الذي اختاره لنفسه. سارا معًا يتحدثان ثم ركبا مركب أحدهما الذي انطلق بهما بعد قليل إلى عرض البحر.

قال يعقوب وهو يقضم التفاحة:

-    أنا أعيش حياتي بطريقتي.. بل أنا أهوى الحياة.. أليس الهوى روح هذا الوجود؟ هل تهوى الحياة مثلي؟

قال صالح معترضًا:

-    لا.. لست مثلك أبدًا.

أخذ يعقوب يأكل من التفاحة أو كاد بعد أن صار نور المصباح يذبل ويسوق المركب. واستحكم الظلام فقال يعقوب:

-   تعال مكاني حتى أطعم المصباح بالوقود.. انظر عيون فليكا هي التي تلمع أمامنا..

-  جلس صالح مكانه، وقام الآخر إلى المصباح ليصب الوقود فيه. وقد سد فمه بنصف التفاحة حتى يتمكن من العمل. لم يطفئ المصباح المشتعل لم يأخذ حذره كما ينبغي. ولم ير ما حدث، إنما فوجئ بالنار تهب في مؤخرة المركب. وقع نصف التفاحة من فمه، وترنح يعقوب وسقط في جوف المركب، وصاح صالح:

-    تعال مكانك بسرعة لأنهض.

لم يسمعه يعقوب كأنه مصاب بالصمم. أخذ يجري إلى جردل ويغرف من البحر ويقذف ألسنة اللهب الملوحة بحريق في الفضاء، الزاحفة نحو منتصف المركب لابتلاعه في الحال لم يكف صالح عن الصراخ:

-    تعال مكانك.. أنا أسرع منك.

ولكن النار كانت أسرع منهما.

تقهقر يعقوب أمام مخالب النار الممتدة وتعثر ووقع في البحر. عاد يمسك في المركب إلى أن صعد وخلع ثوبه ورمى نفسه إلى الأمواج. وكان صالح يحس بصهد النار يلسع ظهره وسرعان ما قام ورفع يديه كالمستسلم وخلع ثوبه وقذف بنفسه إلى الماء.

ودوى صوت انفجار بعد وقت قصير، ثم بلع البحر المركب والنار وكل شيء. وساد الظلام، وخيّم السكون، وحلق شبح الموت فوق اثنين يصارعان الموج. نظر صالح وراءه ولكنه لم ير أحدًا. نادى بأعلى صوته:

-       يعقوب

أتاه صوت من آخر الدنيا:

-       صالح

-       أتراني.. أنا أمامك.

-       لا أرى غير الموج.

-       لا تضعف.

-       خارت قواي.

-       الله معنا.

جاء صوته كالصدى:

-       الله معنا.

كان الظلام يغطي البحر بأردية تستر الكون. لولا أضواء بعيدة خافتة آتية من فيلكا. والاثنان يسبحان كسمكتين كبيرتين. تركز التفكير في النجاة وانحرف نحو النهاية، كيف يقاومان إلى الأبد؟ صوّب صالح بصره نحو عيون الجزيرة الجميلة مستوحيًا الأمل في الإنقاذ.

ليست هذه لحظات غزل في الضوء، ولكنها لحظات أمل في الحياة. في هذه اللحظة مزقت السكون صرخة يعقوب

-       صوت مركب قادم.

وما هي إلا لحظات حتى تم انتشاله من البحر. راح يشير بأصبعه إلى وجود شخص آخر. وبهذه الطريقة تم إنقاذ صالح الذي سأل فور صعوده

-       كيف حال يعقوب؟

قال رئيس القوة:

-       في حال طيبة

-       وكيف عرفتم مكاننا؟

-       نحن من رجال حرس السواحل.. رأينا النار من بعيد.. حددنا المكان وأسرعنا إلى نجدتكما.

-    ساعدوهما على تبديل الملابس المبلولة بأخرى. وجلس صالح غير منهار كما حدث ليعقوب الذي استلقى على ظهره. وأغلق عينيه. وقد غمره شعور مفاجئ بأنه يوشك أن يفارق الحياة. لو تأخر هؤلاء الرجال بعض الوقت لحدث ما يكره، ولكان الآن طعامًا لأسماك مفترسة، وأعماق متوحشة. وشرع يفكر في الوجود بذهن جديد صهرته التجربة: ولولا وجود رجال فوق المركب لانتحب باكيًا اقترب منه صالح يسأله:

-       هل نمت.؟

-       لم يجد جوابًا، وجد صالح الفرصة سانحة ليحدثه فقد جلس الرجال بعيدًا عنهما. قال بصوت مرتفع:

-       نمت

-       متى

ابتسم صالح وظن أنه يمزح كعادته، وقال:

-       أنت ميت الآن.. ومن يكلمني؟

-       أنا

-       أنت كما أنت.. تحب المزح

-       حقيقة.. لم أعد من أهل الدنيا

سمع صالح رنة صوته قد اختلفت عن ذي قبل. لزم الصمت كمن ينشد السلامة، وكمن يخشى على صديقه من الصدمة. اعتقد أن يعقوب واقع تحت تأثير ما حدث. سكت تمامًا إلى أن قال يعقوب بصوت هادئ متزن:

-       فارقت الحياة.. ولكني ولدت من جديد.

قال صالح مطمئنًا:

-       الحمد لله.. الظاهر أنك اعتنقت أخيرًا مذهبي

-       هو هذا

-       ليست الحياة لعبًا كما كنت تفكر

-       الحياة تستحق وجودنا لو أعطيناها الإيمان العميق

-       أنت يا يعقوب إنسان آخر غير الذي كنت

-       فعلًا

-       ألا تنهض؟

-       بلى.. خذ بيدي

وفتح يعقوب عينيه، سطع منهما شعاع قوي.

قام يجلس، فقال صالح:

-       كم تغيرت يا يعقوب في وقت أقل من الساعة؟

تبادلا نظرة ثقة. قال صالح بصدق

-       حمدًا لله على سلامتك.. على فكرة يا يعقوب لا تفكر في المركب الذي غرق وضاع

-       أنا أفكر في أشياء أخرى

-       لن أسألك عنها.. يكفي أنك تفكر

-       كان لا بد أن يغرق المركب 

-       وكان لا بد أن نمر بتلك التجربة القاسية.

-       انظر.. قد أثمر الفجر وردة حمراء طالعة هناك ضحك صالح، وقال:

-       استعد للنزول.. اقتربنا من البر

قام ينظر إلى الفجر وينزل مع صديقه ومع طلوع أول ضوء. كان صالح يتبعه كالنهر القادم من الشرق. وبعد أن قدما الشكر للرجال اتجها نحو الطريق الذي تقف فيه السيارتان.

كانت الأرض تستقبلهما بابتسامة اليوم الجديد. وكانت النفس تغرد بمعنى الحياة وقيمة الوجود. وتعانق الصديقان قبل أن يفترقا. وقال يعقوب:

-       التقينا في الليل.. وها نحن نفترق في النهار.

قال صالح:

-       تعجبني لغتك في الكلام.. لم تكن هكذا طوال السنوات التي عرفتك فيها

تمتم يعقوب:

-       كانت سنوات سهلة.. سلبية.

-       أفهم أن إيجابية العمل واردة.

-       هذا صحيح.. بل أفكر في أن أتم ما فاتني من تعليم.. ليكون للحياة معنى.

-       وداعًا أيها الصديق

-       بل وداعًا أيها الحبيب.

وافترقا بابتسامة ظلت فوق وجهيهما طوال النهار. إنها ابتسامة نابعة من أعماق غسلها البحر. وما حدث لهما صار حكاية يتناقلها الصحاب ولا يحلو الحديث فيها إلا فوق البحر. وربما أضاف البعض إليها ثرثرة زائدة، ولكنها ظلت تجربة حية أيقظت يعقوب من نومه العميق، ونبّهت صالحًا إلى تفسير مذهبه العتيق.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2109

155

السبت 01-يوليو-2017

بستان المجتمع

نشر في العدد 53

96

الثلاثاء 30-مارس-1971

آراء حرة (العدد 53)

نشر في العدد 400

134

الثلاثاء 20-يونيو-1978

هذه دنياكم أيها السادة