العنوان قرن جديد بدون أمريكا
الكاتب عبدالكريم حمودى
تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-2000
مشاهدات 71
نشر في العدد 1386
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 01-فبراير-2000
عوامل الضعف تدب في الاقتصاد الأمريكي وقوى أخرى تندفع إلى القمة
بريجنسكي: السلطة الاقتصادية آخذة في التبعثر
بيارنيه: بقاء الهيمنة على العالم من قبيل الأوهام اللذيذة
جارودي: القيم الإنسانية تتحول إلى قيم تجارية.. أساسها السلاح والمخدرات
تراجع العجز في الموازنة الفيدرالية يقابله ارتفاع في عجز الميزان التجاري بلغ عام 99 وحده 168 مليار دولار وانخفاض نسبة 3,9% إلى 2%
يصحيح: لديها أعلى مستوى لدخل الفرد وتتفرد بالهيمنة الاقتصادية على العالم منذ الحرب الثانية ولكن: كانت تمتلك ٥٠٪ من الناتج العالمي عام ١٩٤٥م.. لكنه انخفض إلى30% في التسعينيات ويتوالى الانخفاض إلى 10% عام ٢٠٢٠م
أعلن الرئيس الأمريكي بل كلينتون مؤخرًا أن القرن العشرين كان أمريكيًّا، وأن القرن الحادي والعشرين سيكون أمريكيًّا كذلك.. هذا الإعلان أقرب إلى الدعاية السياسية منه إلى الواقع؛ فالخبراء الإستراتيجيون في العالم يُجمعون على أن القرن الميلادي الجديد لن يكون أمريكيًّا، وإنما متعدد الأقطاب، وأن الهيمنة الاقتصادية التي تكرست للولايات المتحدة في معظم سنوات القرن العشرين زائلة لا محالة، وأن هناك قوى دولية اقتصادية وعسكرية بدأت بالنهوض والتأهب على الصعيد الدولي للمنافسة ابتداء من الاتحاد الأوروبي ومرورًا باليابان والتنين الأصفر «الصين»، وانتهاء بالهند.
وإذا كان مقتل الاتحاد السوفييتي، الذي أدى إلى تفككه في النهاية -رغم صواريخه النووية العابرة للقارات كان اقتصاديًّا- بسبب سباق التسلح الكبير الذي شهده النصف الثاني من القرن العشرين، فإن هذا السباق قد دمّر أساسيات الاقتصاد الأمريكي أيضًا وإن كان بدرجة أقل فبلغ العجز في الميزانية الفيدرالية والديون أرقامًا خيالية؛ الأمر الذي دفع الإدارة الأمريكية إلى تقليل النفقات وخاصة في المجالات الحيوية وفي مقدمتها الإنفاق الدفاعي، وبمرور الوقت بدأت التصدعات في أركان القوى الاقتصادية الأمريكية تظهر للعيان رغم طغيان القوة العسكرية الحالية.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة دخلت القرن الجديد كأكبر قوة عسكرية في العالم، فإن مساعيها للمحافظة على قوتها الاقتصادية التي تفردت بها معظم سنوات القرن العشرين حيث كانت في النصف الأول منه القوة الاقتصادية الرائدة بأكبر ناتج قومي إجمالي في العالم اقترب عام ١٩٤٥م من ٥٠٪ من الناتج العالمي، ولديها أعلى متوسط دخل فردي في مستوى المعيشة، وتفردت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية بالهيمنة الاقتصادية على العالم، لكن مساعيها للمحافظة على قوتها الاقتصادية أصبحت محل جدل.
وحول احتمال استمرار تراجع قوة الولايات المتحدة الاقتصادية وبالتالي انحسار نفوذها العسكري في العالم كتب عدد من الخبراء في السياسة والاقتصاد والتاريخ، ومن هؤلاء الفرنسيان: المفكر المسلم رجاء جارودي، ويبير بیارنیه (عضو مجلس الشيوخ الفرنسي والمتخصص في قضايا العالم الثالث والعلاقات السياسية الدولية)؛ فألّف الأول كتابًا بعنوان: «الولايات المتحدة طليعة الانهيار» أكد فيه أن الولايات المتحدة سائرة في طريق الانهيار أسرع مما يتوقعه البعض، مضيفًا في أحد فصول الكتاب الذي جاء بعنوان «وحدانية السوق» أن كل مظاهر التدهور والانهيار تأتي من منطق السوق الذي يأخذ شكل الدين، دون أن يجرؤ أحد على تسميته بذلك، والثابت أن كل القيم الإنسانية قد تحولت إلى قيم تجارية محضة قابلة للبيع والشراء وتتأسس هذه السوق من عنصرين: السلاح والمخدرات، حيث يوجد في أمريكا ثلاثة ملايين مدمن.
أما بيارنيه فقد ألّف كتابًا بعنوان: «القرن ٢١ لن يكون قرنًا أمريكيًّا» ومما يقوله بيارنيه: «إن بقاء الهيمنة الأمريكية على العالم هو من قبيل الأوهام اللذيذة التي يصدقها عادة ضعاف النفوس وضعاف الذاكرة على السواء؛ لأن تاريخ الإنسانية لا يعرف المزاح ولا يخضع للمصادفات»، وأخيرًا يؤكد وزير الخارجية الفرنسي السابق «هرفيه دوشاريت»: «إن أوروبا ستغدو القطب الآخر في القرن المقبل (كان تصريحه قبل بداية القرن الحالي) وإذا لم يحدث هذا، فالبديل هو الجحيم».
وجاء كتاب زبيجنيو بريجنسكي الخبير في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في جامعة هوينكنز ومستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر (۱۹۷۸م-۱۹۸۱م) ليلقي الضوء على عوامل الضعف في الاقتصاد الأمريكي وذلك في كتابه «رقعة الشطرنج» الذي صدر عام ١٩٩٧م، حيث يقول: «إن السلطة الاقتصادية الأمريكية نفسها آخذة في التبعثر والتوزع؛ ففي السنوات المقبلة لن يكون باستطاعة أي بلد في العالم التوصل إلى رقم ٣٠٪ من الناتج الإجمالي العالمي، وهو رقم احتفظت به الولايات المتحدة خلال القسم الأكبر من القرن العشرين، دون أن ننسى عتبة ٥٠٪ التي كادت تجتازها عام ١٩٤٥م»، وحسب التقديرات التي يعتمدها بريجنسكي فإن الناتج القومي الأمريكي سينحدر إلى مستوى الاحتفاظ بـ ١٠- ١٥% بحلول عام ۲۰۲۰م، ویری بريجنسكي أن أرقام القوى الأخرى - أوروبا والصين واليابان - سترتفع لتصل تقريبًا إلى المستوى الأمريكي، ولكن من غير المرجح أن يتمكن أي بلد من ممارسة هيمنة اقتصادية عالمية شبيهة بهيمنة الولايات المتحدة خلال القرن العشرين وهكذا إذا ما انتهت زعامتها على العالم فمن المؤكد أنها لن تترك مكانًا لزعامة دولة أخرى».
ويرى مؤلف كتاب «المتناطحون» الذي صدر عام ١٩٩٦م أيضًا أنه من غير المحتمل في القرن ۲۱ أن تكون هناك قوة اقتصادية مهيمنة على العالم، وأخيرًا يتساءل جورج ماكجفرن السيناتور الديمقراطي والمرشح السابق للرئاسة الأمريكية بعد الأزمة التي ضربت أسواق الأسهم العالمية في العام قبل الماضي عقب انهيار سعر الروبل الروسي، وأدت إلى خسارة هذه الأسواق لنحو ثلاثة آلاف مليار دولار (ثلاثة تريليونات دولار): هل نتقدم نحو انكماش اقتصادي؟ بل هل هناك ما ينذر بانهيار اقتصادي كما حصل في عام ١٩٢٩م؟
ولعل أول من أطلق صيحة التحذير من الانهيار في هذا المجال المؤرخ الاقتصادي والحربي بول كيندي الأستاذ في جامعة بيل في كتابه الذي أصدره عام ۱۹۸۷م بعنوان: «صعود الدول الكبرى وسقوطها.. التغيير الاقتصادي والحربي بين عام ١٥٠٠م و۲۰۰۰م»، وأرجع هذه الظاهرة في جميع الأحوال إلى الخلل الذي يحدث بين القوة الاقتصادية والقوة العسكرية لهذه الدول، وهو ما يحدث ويتعمق الآن في الولايات المتحدة.
مؤشرات تراجع الاقتصاد الأمريكي
1- تراجع حصة الولايات المتحدة من إجمالي الاقتصاد العالمي وانخفاض معدلات النمو؛ فعلى الرغم من أن الاقتصاد الأمريكي ما زال حتى الآن يحتل المرتبة الأولى بين الاقتصادات العالمية، حيث يبلغ الناتج المحلي الإجمالي السنوي ٤,٦ تريليون دولار (٤٦٠٠ مليار دولار) كما تبلغ مساهمته في التجارة الدولية نحو 1,5 تريليون دولار، إلا أن ذلك لا يمثل سوى حوالي ٢٠٪ من إجمالي الاقتصاد العالمي في الوقت الحاضر، وهو ما يعني أيضًا خسارة الاقتصاد الأمريكي لنحو ٣٠٪ من الإنتاج العالمي منذ عام ١٩٤٥م، وهذا التراجع في المساهمة الأمريكية تم لصالح قوى اقتصادية دولية أخرى مثل اليابان والاتحاد الأوروبي والصين، والتي من المتوقع أن ترتفع مساهماتها في الاقتصاد العالمي لتصل قريبًا من المستوى الأمريكي، حيث يسجل معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي تراجعًا ملموسًا على الصعيد الدولي؛ ففي حين كانت نسبة النمو في العام ١٩٩٧م حوالي 3,9% فإنها انخفضت عام ۱۹۹۸م إلى 3,5% وقد واصل انخفاضه أيضًا عام ١٩٩٩م.
وفيما يلي جدول عن توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي بمليارات الدولارات حتى عام ۲۰۱۰م مقارنة بعام ١٩٩٤م لعدد من الدول:
| الدولة | 1994م | 2010م |
أمريكا الشمالية أوروبا الصين آسيا أمريكا الجنوبية اليابان | 7812 2790 2838 3318 1660 2500 | 11655 10133 8877 4632 3970 3609 |
٢ - تفاقم ظاهرة العجز في الموازنة الفيدرالية: وقد برزت ظاهرة العجز في الموازنة الفيدرالية في الولايات المتحدة كمشكلة اقتصادية عام ١٩٦٨م، حيث بلغ العجز في ذلك الوقت حوالي ٢٥ مليار دولار، وهو ضعف العجز المسجل خلال الفترة الممتدة ما بين الحرب العالمية الثانية وعام ۱۹٦٨م، وسنورد فيما يلي معدلات العجز في الموازنة الفيدرالية منذ عام ١٩٦٤م خلال فترة الرؤساء السبعة الذين تعاقبوا على الإدارة الأمريكية وكيف وصلت إلى معدلات قياسية أوائل التسعينيات قبل أن تبدأ بالتراجع نتيجة لعوامل عديدة:
- ليندون جونسون (٦٤م - ٦٨م) بلغ معدل العجز خلال خمس سنوات ٤٤,8 مليار دولار.
- ريتشارد نيكسون (٦٩م - ٧٤م) بلغ معدل العجز خلال ست سنوات ٦٧ مليار دولار.
- جيرالد فورد (٧٥م - ٧٦م) بلغ معدل العجز خلال سنتين ١٢٦,9 مليار دولار.
- جيمي كارتر (۷۷م - ۸۰م) بلغ معدل العجز خلال أربع سنوات ٢٢٦,9 مليار دولار.
- رونالد ریجان (۸۱م - ۸۸م) بلغ معدل العجز خلال ثماني سنوات ١,٣٤ تریلیون دولار.
- جورج بوش (۸۹م - ۹۲م بلغ معدل العجز خلال أربع سنوات ١,٠٤ تریلیون دولار.
ومنذ ذلك الوقت بدأ العجز في الموازنة العامة للدولة بالانخفاض مقارنة بالناتج القومي الإجمالي؛ ففي عام ۱۹۹۲م بلغ العجز ۳۰۰ مليار دولار أي 4,7% من الناتج ثم انخفض العجز إلى ۱۰۷ مليارات دولار عام ١٩٩٦م فيما تم تسجيل أول فائض في الموازنة عام ٩٧ م - ٩٨م قدره ۷۰ مليار دولار، مع توقع أن يصل الفائض في الموازنة العامة للولايات المتحدة لعام ٢٠٠٠م، والبالغة قيمتها ١٧٧٦ ملیار دولار نحو ۱۱۷ مليار دولار نتيجة ثلاث اتفاقيات لخفض العجز الرئيس في التسعينيات أقرت في أعوام 1990، ۱۹۹3، ۱۹۹۷م.
ويعود تراجع العجز في الموازنة الفيدرالية الأمريكية إلى أسباب عدة منها:
أ-خفض النفقات العسكرية بنسبة 30% على مدى العقد الأخير، وتسريح حوالي 33% من الجنود حيث خفضت الولايات المتحدة عدد قواتها المسلحة إلى 1,4 مليون جندي بعدما كان 2,1 مليون جندي في مطلع التسعينيات، ويشار في هذا السياق إلى أن موازنة الدفاع الأمريكية كانت قبل الشروع في خفض النفقات تبلغ ٣٠١,6 مليار دولار، انخفضت عام ۱۹۹۱- رغم تكاليف حرب الخليج التي بلغت حوالي ۲۰۰ مليار دولار، فقد استطاعت الولايات المتحدة أن تحصل على النصيب الأكبر من تكاليفها من مساهمات الدول المشاركة في التحالف - إلى ۲۷۳ مليار دولار، لكن الجمهوريين الذين سيطروا على الكونجرس عام ١٩٩٥م نجحوا في زيادة موازنة الدفاع بأكثر من ۲۰ مليار دولار للسنوات المالية ٩٦-٩٧ - ۱۹۹۸م، فيما تم زيادة هذه المخصصات أيضًا في مشروع موازنة العام ٢٠٠٠م، لتصل إلى حوالي ٢٦٨ مليار دولار.
ويذكر أن النفقات العسكرية وصلت أوجها منتصف الثمانينيات في عهد الرئيس الأسبق رونالد ريجان خاصة مع الشروع في برنامجه الإستراتيجي «حرب النجوم».
ب- انخفاض أسعار النفط منذ النصف الثاني من عام ١٩٩٧م وهو ما أدى إلى توفير مبالغ تزيد قيمتها على ٣٠ مليار دولار عام ۱۹۹۸م، فقد ساهم انخفاض أسعار النفط في دعم الاقتصاد الأمريكي، وأظهرت الإحصاءات التجارية الأمريكية الصادرة عن دائرة الإحصاءات أن الولايات المتحدة وفرت في حدود ۱۸ ملیار دولار من قيمة فاتورة الواردات النفطية العام ۱۹۹۸م، وأكد تقرير مؤسسة «سالمون سميث بارني» الأمريكية العالمية أن أسعار النفط المنخفضة كان معناها انتقال ۳۰ مليار دولار من منتجي النفط إلى المستهلكين الأمريكيين ولا يقتصر ذلك على الأسعار الأقل للبنزين التي يدفعها سائقو السيارات الأمريكان، بل يتعداه لكل سلعة تقريبًا يتم إنتاجها في الاقتصاد الأمريكي؛ فالنفط يدخل في كلفة إنتاج كل شيء.
ج- زيادة الصادرات الأمريكية إلى الدول العربية بمقدار ٤١ مليار دولار خلال الفترة من ۱۹۹۲م- ۱۹۹٦ فقد أشار تقرير لصندوق النقد الدولي إلى أن حصة الولايات المتحدة من سوق المنطقة ارتفعت من 12,4% عام ١٩٩٢م إلى 13,1% عام ١٩٩٦، وازدادت قيمة هذا السوق من ١٦١ مليارًا إلى ۲۰۲ مليار دولار.
د- قيام بنك الاحتياط الفيدرالي بخفض نسبة الفائدة ولثلاث مرات متتالية عام ۱۹۹۸م وبمقدار 0,25 نقطة لكل مرة، وذلك في الفترة بین ۲۹ سبتمبر و۱۷ نوفمبر ۱۹۹۸م.
هـ- استقبال الولايات المتحدة مبالغ ضخمة من رؤوس الأموال الهاربة من أسواق آسيا وروسيا وأمريكا الجنوبية بحثًا عن أسواق أكثر أمنًا للاستثمار، وذلك بعد الهزة التي ضربت اقتصادات هذه الدول.
3- ارتفاع العجز في الميزان التجاري، فمقابل تراجع العجز في الموازنة الفيدرالية ارتفع العجز في الميزان التجاري الأمريكي، والذي يعرف بأنه الفرق بين الصادرات والواردات، فقد جاء في تقرير لوزارة التجارة الأمريكية صدر في ١٩/٢/١99٩م وكتبه بروس أوديسي المحرر في وكالة الإعلام الأمريكية أن العجز التجاري الأمريكي لعام ١٩٩٨م بلغ ١٦٨,٥٨٧ مليار دولار، أي بزيادة قدرها 53% على عام ١٩٩٧م والذي كانت قيمته 110,2 مليار دولار، متجاوزًا الرقم القياسي السابق وهو ١٥٣,٠٠٠ مليار دولار في عام ۱۹۸۷م، لكن نسبة العجز إلى الناتج المحلي الإجمالي كانت 2,1% في عام ١٩٩٨م مقارنة بـ 3,3% في عام ١٩٨٧م.
وجاء العجز التجاري الكبير نتيجة لعجز قياسي في تجارة البضائع بلغ 247,985 مليار دولار.
وأكد تقرير وزارة التجارة الأمريكية أن الصادرات الأمريكية انخفضت في العام ١٩٩٨م بواقع ٦,٢٧٨ مليارات دولار، وهو أول تراجع في هذا المجال يسجل منذ عام ١٩٨٥م، حيث تراجعت الصادرات الأمريكية في طائفة كبيرة من المنتجات لا سيما المنتجات النفطية والمنسوجات والكيماويات العضوية وفول الصويا والذرة والسيارات وقطع غيارها، وفي المقابل زادت الصادرات الأمريكية في التكنولوجيا المتفوقة لكن فائض الميزان التجاري في هذه الفئة من الصادرات تدنى من ٣٢,٢٥٢ مليار دولار في عام ۱۹۹۷م إلى ۲۹,۸۷۹ مليار دولار عام ۱۹۹۸م.
وعلق وكيل وزارة التجارة الأمريكية روبرت شابيرو على العجز في الميزان التجاري بقوله: إنه لولا استمرار تراجع أسعار النفط الخام المستورد لكان العجز التجاري الأمريكي أكثر سوءًا، ولفت إلى أن سعر برميل النفط في ديسمبر قبل الماضي كان ٩,٣٤ دولارات، وهو أدنى سعر فعلي منذ أغسطس ١٩٧٤، وقد كان متوسط سعر البرميل 11,25 دولارًا في عام ۱۹۹۸ م فيما كان هذا المتوسط ١٧,٦٧ دولارًا عام ۱۹۹۷م، ويلاحظ أن أسعار النفط ارتفعت بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة الأمر الذي يفاقم من حالة العجز.
وارتفع العجز التجاري الأمريكي مع اليابان بنسبة 14% فبلغ ٦٤,٠٩٤ مليار دولار، ومع الصين كذلك نسبة 14% فسجل ٥٦,٨٩٨ مليار دولار، كما ارتفع العجز التجاري ارتفاعًا حادًّا مع كل من كوريا الجنوبية وهونج كونج وسنغافورة وتايوان من ۷,۹۳۹ مليارات دولار في عام ١٩٩٧م إلى ٢٢,٦٦٣ مليار دولار في عام ١٩٩٨م وقد تحول فائض 1,783 مليون دولار في الميزان التجاري مع كوريا في ١٩٩٧م عجزًا في ۱۹۹۸م بلغ 7,398 مليارات دولار.
وسجل الميزان التجاري عجزًا كبيرًا مع ألمانيا بلغ ۲۳,۱۸۲ مليار دولار، ومع كندا ١٨,٥٣٦ مليار دولار، ومع المكسيك ١٥,٦٩٩ مليار دولار، ومع تايوان ١٤,٩٦٦ مليار دولار، وأخيرًا مع إيطاليا ١١,٩٨٦ مليار دولار.
٤- البطالة والفقر: لا يعاني الاقتصاد الأمريكي من معدلات بطالة مرتفعة في ظل النمو السكاني المنخفض الذي لا يتجاوز في أحسنحالاته 1%، حيث تعوض الولايات المتحدة هذا النقص الديمجرافي من خلال حركة الهجرة من الخارج، وتشجيعها أصحاب الكفاءات العلمية والفنية المدربة على الهجرة دون أن تتحمل نفقات تأهيلهم وتتذبذب معدلات البطالة ارتفاعًا وانخفاضًا؛ ففي حين بلغ معدل البطالة عام ۱۹۹۰م حوالي 6,3% انخفضت هذه النسبة عام ١٩٩٦م إلى 4,8%، وبلغ معدل البطالة في الولايات المتحدة عام ۱۹۹۸م نحو 4,6%، وفي كل عام يوفر الاقتصاد الأمريكي فرص عمل جديدة بمعدل 2%، ومما ساعد على تقلص معدلات البطالة عام ١٩٩٨م كون العمال الذين يتم تسريحهم من المصانع التي خسرت أسواق تصديرها في آسيا يعثرون على العمل في قطاع الخدمات.
وتقول مصادر اقتصادية إنه بسبب ظروف القروض المتشددة وخسارة الأسواق ترغم الشركات الأمريكية على صرف المزيد من العاملين فيها، مما أدى إلى رفع نسبة البطالة من 4,6% إلى 5,5% وحتى إلى 6% في نهاية ١٩٩٩م مع العلم أن عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية بلغ نهاية ١٩٩٨م حوالي ٢70,299 مليون نسمة وهو ما يشكل 4% فقط من مجموع سكان العالم.
أما بالنسبة للوجه الآخر للبطالة وهو الفقر فإن الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرًا وتتجمع الثروة القومية في أيدي فئة قليلة من الأمريكيين حيث يمتلك 1% من سكانها حوالي 50% من مجموع الثروة، بينما يمتلك 80% من السكان أقل من 8% من الثروة، وفي هذا الإطار أكد تقرير حكومي أمريكي أن هناك نحو 14% من الأمريكيين يعيشون تحت مستوى الفقر، وتختلف هذه النسبة من ولاية إلى أخرى؛ فولاية المسيسبي في الجنوب الأمريكي احتفظت بالمرتبة الأولى باعتبارها الأكثر فقرًا في الولايات المتحدة، حيث يعيش شخص واحد من كل خمسة أشخاص في حالة من الفقر.
وقال التقرير الذي أصدره مكتب الإحصاء السكاني حول الفقر والدخول في الولايات المتحدة في الثاني عشر من فبراير الماضي إن ولاية هامبشاير في الشمال بقيت الولاية الأولى التي تحوي أقل عدد من الفقراء، حيث لا تتجاوز نسبتهم 6,5%.
وعلى مستوى الولايات المتحدة فإن 13,8% من الأمريكيين كانوا يعيشون تحت خط الفقر في عام ١٩٩٥م، وهو آخر عام تتوافر حوله أرقام متكاملة ونهائية، ويتحدد خط الفقر عندما يكون الدخل السنوي لأسرة مكونة من أربعة أشخاص أقل من ١٥٥٦٩ دولارًا، فيما يكون خط الفقر لأسرة مكونة من ثلاثة أشخاص إذا كان دخلها السنوي ١٢١٥٨ دولارًا.
ويذكر في هذا السياق أنه في كل عام يخصص نحو ٢٠ مليار دولار من الأموال الفيدرالية لمعالجة أحوال الفقراء استنادًا إلى مستويات الفقر في كل مقاطعة، ويشمل هذا المبلغ ثمانية مليارات للتعليم ومساعدة المدارس.
وتبدو ظاهرة التفاوت الطبقي هي الأبرز في الولايات المتحدة عن مثيلاتها في العالم، واستنادًا إلى دراسة نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز» في ١٧/٤/١٩٩٥م أنه في عام ۱۹۸۹م كانت الطبقة الغنية التي تمثل 1% من الأسر الأمريكية تسيطر على نحو ٤٠٪ من ثروة البلاد، وأضافت الصحيفة أن 20% من الأسر الأمريكية تسيطر على 80% من ثروة البلاد، وأوضحت الدراسة أن أدنى طبقة في الولايات المتحدة والتي تمثل20% من الأسر الأمريكية تحصل على 5,7% فقط من الدخل الأمريكي بعد خصم الضرائب، هذا داخل الولايات المتحدة، أما خارجها فتبدو الصورة قاتمة جدًّا، وكمثال على التناقضات فإن ثروة أغنى ثلاثة في الولايات المتحدة تزيد على الناتج الإجمالي لمجموع ٤٨ دولة من العالم الثالث، والتي تصنف باعتبارها الأقل نموًا والأكثر فقرًا، وهذه الإحصائية لا تشمل الطفرة الكبيرة التي حققها بيل جيتس صاحب شركة ميكروسوفت للإلكترونيات.
5- ظاهرة المديونية الأمريكية: الوجه الآخر لانخفاض قيمة العجز في الموازنة الفيدرالية تمثل في ارتفاع قيمة المديونية الأمريكية، فمنذ استقلال أمريكا وحتى عام ١٩٦٤م لم تتجاوز الديون المتراكمة حوالي ٣١٠ مليارات دولار، وكانت معدلات الفوائد ۱۰,۷ مليارات دولار، ثم بدأت بالارتفاع المتسارع، وفيما يلي جدول بالديون الفيدرالية ونسب الفوائد عليها ما بين عامي 1980م- ۲۰۰۰م بمليارات الدولارات:
| السنة | الديون | فوائد الديون |
1980 1983 1985 1988 1990 | 914,3 1381,9 1833,1 2000,6 3211 | 25,5 87,8 179 214,2 252,3 |
ومع نهاية فترة الرئيس جورج بوش تجاوزت المبالغ المترتبة على الفوائد مبلغ ۲۹۳ ملیار دولار، مع زيادة سنوية في المديونية بمعدل ٥٠٠ مليار دولار، ولا تتوافر لنا معطيات رسمية تفصيلية عن قيمة الديون الحالية أو الفوائد المترتبة عليها.
وهنا لا بد من التأكيد على أن المديونية الأمريكية التي تساوي الفرق بين موجودات الأجانب في الولايات المتحدة وموجودات الأمريكيين في الخارج تختلف بثلاث طرق عن مديونيات الدول الأخرى، أولها أن الفرق المذكور أعلاه متصل بحجم هذه المديونية بالنسبة للناتج المحلي، والثاني أن المديونية الأمريكية محررة بالعملة المحلية للدولة المدينة وهي الدولار، والثالث أن المديونية ليست دينًا وهي بالمعنى المعروف أي ليست قرضًا بل مجرد الفارق بين موجودات الولايات المتحدة ومطلوباتها الخارجية.
٦ - الإنفاق على التدخلات الخارجية في القضايا العالمية: رغم تفرد الولايات المتحدة بالهيمنة على العالم، إلا أن حجم تدخلاتها في القضايا الخارجية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية شهد تزايدًا ملحوظًا خلال العقد الماضي، وهو ما أكده تقرير أعدته مجموعة من الخبراء المتخصصين، يقول التقرير إن نحو ٩٠٪ من النزاعات والحروب التي شهدها العالم منذ عام ۱۹۹۰م تستخدم فيها أسلحة مصدرها الولايات المتحدة.
ويضيف التقرير أنه من أصل ٥٠ نزاعًا حدوديًّا أو عرقيًّا على مستوى العالم كانت تسيطر على العالم عامي ٩٣- ٩٤ فقد حصل طرف واحد على الأقل من أطراف ٤٥ نزاعًا على السلاح من ترسانة الصناعة الأمريكية للأسلحة.
وقال التقرير الذي أعده معهد السياسة العالمية التابع لكلية نيويورك للبحوث الاجتماعية إنه في هذه النزاعات قامت الشركات الأمريكية بتسليم أسلحة للأطراف المتنازعة تزيد قيمتها على ٤٢ مليار دولار، مع ملاحظة أنه في ١٨ حالة نزاع كانت الولايات المتحدة هي المورد الرئيس للأسلحة للجانب الحكومي في هذه النزاعات.
ويستفاد من إحصاءات عشر السنوات الماضية أن المؤسسة العسكرية الأمريكية اضطلعت بـ۲۹ عملية انتشار كبيرة في الخارج مقابل ۱۰ مهمات فقط على مدى العقود الأربعة التي سبقت ذلك، وقد أدى تضافر إجراءات التقشف المطبقة بزيادة وتيرة معدل العمليات الخارجية إلى بروز عدد من المؤشرات السالبة في كافة قطاعات الخدمة العسكرية؛ فبالنسبة لسلاح الطيران نجد أن عدد الطائرات الجاهز للعمليات وصل لأدنى مستوى له منذ حرب الخليج الثانية عام ۱۹۹۱م، وقد آثر عدد كبير من الطيارين العسكريين الانتقال للعمل مع خطوط الطيران التجارية لما توفره من أوضاع وظيفية مغرية ومضمونة، ويقول المراقبون إن سلاح الطيران الأمريكي يواجه حاليًا صعوبة في العثور على مجندين لملء ۱۲۰۰ وظيفة شاغرة، أي ما يساوي ١٢٪ من إجمالي عدد الطيارين العاملين في هذا السلاح، أما فيما يختص بالبحرية، فقد تراجع عدد المجندين بنسبة 13% عن عدد المجندين المطلوب سنويًّا، وبصفة عامة فإن مستوى التدريب تراجع بنسبة 33% ويسود اعتقاد بأن المهام الخارجية المتعددة والخاصة بعمليات حفظ السلام أو غيرها من المهام غير القتالية أدت إلى تراجع معدل ومستوى التدريب العملياتي، ويرى عدد كبير من الجنود أن عمليات مراقبة حظر الطيران المفروضة على العراق، ومهام حفظ السلام في البوسنة عمليات لا طائل من ورائها على المستوى التكتيكي.
7- الاستهلاك الترفي: يتمثل الاستهلاك الترقي في الولايات المتحدة في مظاهر عديدة تحدث عن بعضها روبينز ريكيوبيرو السكرتير العام للأونكتاد (الكيان الإداري والتنظيمي لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية) في قمة مجموعة الـ ١٥ التي عقدت في جامايكا، فقال: إن مجموع ما تنفقه الولايات المتحدة سنويًّا على مستحضرات التجميل يبلغ 8 مليارات دولار، كما تنفق أوروبا والولايات المتحدة مبلغ ١٧ مليار دولار على طعام الحيوانات الأليفة، بالإضافة إلى الإنفاق على قضايا الإعلام ونجوم الفن والرياضة وغيرها. وفي هذا السياق نورد ما جاء في مجلة «التايم» الأمريكية في عددها الصادر في الأول من يونيو عام ۱۹۹۸م، تقول المجلة: «30 ألف شخص هو عدد الموظفين الإندونيسيين لمصنع نايك (Nike) للأحذية الرياضية والذين يقل إجمالي مرتباتهم السنوية عما يتقاضاه نجم كرة السلة الأمريكية مايكل جوردان لقاء ظهوره في الإعلان عن هذه الأحذية».
الخلاصة: هل هناك علامات تبدو في الأفق على أفول نجم الولايات المتحدةكقطب أحادي؟
للإجابة عن هذا السؤال، وفي ضوء ما ورد سابقًا نقول: إنه بات من شبه المؤكد حدوث ذلك خلال العقد الأول من القرن الحالي، وذلك للأسباب التالية:
۱- استمرار تراجع حصة الولايات المتحدة من الناتج الإجمالي العالمي إلى ما بين ١٠ – 15% بحلول عام ٢٠٢٠م، كما يؤكد بريجنسكي.
2- استمرار تدني معدل النمو السنوي للاقتصاد الأمريكي رغم الظروف المتوافرة، واتجاه أسعار الفائدة القصيرة الأجل للبقاء مرتفعة في ضوء الأزمة الاقتصادية العالمية؛ لذلك كان من المتوقع أن يتراجع إجمالي الناتج المحلي بنسبة 1,4% عام ١٩٩٩م عنه في عام ١٩٩٨م (لم تظهر الأرقام الرسمية بعد)، بل إن الخبير الاقتصادي جيمس ك. جولبرايث من جامعة تكساس يرى أن السنين السبع المتواصلة من الاستقرار والنمو المنتظم قد انتهت إذ يشهد حجم عمليات الشراء انخفاضًا متواصلًا فيما تراجعت الواردات وتوقعات الربح.
٣- ارتفاع قيمة العجز التجاري سيترك آثارًا سلبية تتمثل في إعاقة تسويق الصادرات الأمريكية ويشجع الأمريكيين على الاستيراد وسيضعف من قيمة الدولار كعملة عالمية مع احتمال تراجع قيمته حوالي 15%، وسيكون من مفاجآت العام الجديد، أن يبدأ عدم التوازن بين صادرات الولايات المتحدة ووارداتها بالتأثير على اقتصادها وأن تتراجع قيمة الدولار، وبالمقدار نفسه الذي شهدته فترة الذروة في الثمانينيات، مما أدى بالدولار حينذاك إلى فقدان ٥٠٪ من قيمته إزاء المارك الألماني، والين الياباني، وفي الوقت الذي سيرتفع فيه الدين الخارجي إلى ۲۰۰۰ مليار دولار، سترفع اليابان احتياطياتها إلى ١٥٠ مليار دولار، وكذلك سيفعل الاتحاد الأوروبي.
٤ - الاعتماد المتعاظم على اليورو لأن هناك ٥٠٠ مليار إلى ألف مليار دولار من الأصول الدولية التي ستحول من الدولار إلى اليورو وسينتهي الأمر بحدوث خلل في الطلب على الدولار.
بقي أن نقول إن احتمال الانهيار المفاجئ للاقتصاد الأمريكي ليس بعيدًا، فقد أعادت الانهيارات الآسيوية والروسية والبرازيلية إلى الأذهان مرة أخرى بشاعة الأزمات الاقتصادية التي تدخل فيها الاقتصادات الرأسمالية بصورة حادة وقاسية تتسبب في زلزلة البنيان السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدول الرأسمالية الكبرى، وللاقتصاد العالمي، وفي هذا السياق يؤكد المضارب اليهودي جورج سوروس أن النظام المالي العالمي هو نظام عمل على هدم اقتصادات دول عديدة وكاد يهدم النظام الرأسمالي بأكمله، وبالتالي فإن الاقتصاد الأمريكي ليس محصنًا ضد أي نوع من الانهيار، بالإضافة إلى المنافسة الشديدة، وفي مقدمة المنافسين الاتحاد الأوروبي الذي قارب الناتج الإجمالي له الناتج الإجمالي للولايات المتحدة الأمريكية.