; قرارات التجميد والعزل المتبادلة.. هل قطعت شعرة معاوية بين البشير والترابي؟ | مجلة المجتمع

العنوان قرارات التجميد والعزل المتبادلة.. هل قطعت شعرة معاوية بين البشير والترابي؟

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-2000

مشاهدات 69

نشر في العدد 1400

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 16-مايو-2000

■ ماذا لو انتقل الصراع من قاعات الحزب الحاكم إلى الشارع؟!

■ مفاجأة بـ«كتاب أسود» عن غرب السودان.

لا ندري بعد كتابة هذه السطور إلى أين تكون الأزمة قد وصلت في السودان؟، فوقائع الأحداث خلال الأسبوعين الأخيرين تسري بسرعة منهكة لهذا البلد المنهك منذ أمد بعيد.

في السادس من مايو الجاري، أعلن البشير في اجتماع عام تجميد الأمانة العامة للمؤتمر الوطني بما يعني عزل الدكتور حسن الترابي ونوابه والقطاعات الاتحادية وأمناء الولايات، وسبق هذا الإجراء منع الترابي من جولة تعبوية كان يقوم بها في بورسودان، ويتردد أن طائرة أقلته من هناك إلى بيته.

سخونة الأحداث بين الطرفين كانت قد عادت من جديد بعد إعلان رئاسة الجمهورية إجراء انتخابات رئاسية مبكرة قبل موعدها بعام، لكن الترابي رفض هذا القرار، وأعلن جناحه في أمانة المؤتمر الوطني سحب قرار الحزب ترشيح البشير، فأعلن البشير عقد لقاء لأعضاء المؤتمر أعلن فيه ما سمي بـ«النفرة الكبرى»، فوجه إليه الترابي إنذارًا ينهاه عن ذلك، ووصل خطاب الترابي التحذيري إلى وسائل الإعلام قبل وصوله إلى البشير، وكان تعليق البشير على ذلك الإنذار أو الأمر: «ما قدرت أن من تقلد مسؤوليات رئيس الجمهورية يحتاج في أمر يسير كهذا -عقد لقاء النفرة- إلى إذن من رئيس آخر خفي أو معلن، ولا وجدت لذلك نظيرًا في تجارب الإنسانية كلها ولا سندًا من تجارب المسلمين».

ولم تهدأ الأحداث، فبعد قرارات البشير تجميد الأمانة العامة للمؤتمر الوطني، ردت الهيئة القيادية المعزولة بقرارات تعلن فصل الرئيس البشير وعلي عثمان طه - النائب الأول للرئيس -، وجورج كنغور - النائب الثاني -، وعدد من الوزراء ومستشاري الرئيس.

وبررت الهيئة قراراتها باتهام البشير بالتستر على الفساد، والتسبب في كارثة الجنوب.

إلى هذه النقطة «الأربعاء 10/5 الجاري»، موعد كتابة هذه السطور، وصلت الأحداث في الخرطوم، وعندها تكون شعرة معاوية قد انقطعت، ولم يعد هناك من سبيل لوصلها، والذي يبدو أن الشوط لم ينته بعد، فالدكتور الترابي عازم على عدم إنهائه إلا وقد تجمعت كل خيوط الدولة في يده، وأحكم سيطرته على إدارة البلاد، كما أن البشير عازم هو الآخر على وضع الأمور في نصابها، وإبقاء الترابي مواطنًا عاديًا له كل حقوق المواطنة، لكن الأمر على الجانبين لا يمكن تناوله ببساطة أو سهولة، فكلا الفريقين له قوته، وله سيطرته في الشارع، وله أساليبه التي لا يستهان بها، وإن تفاوتت المقارنة بين الطرفين.

مغالطة

وقبل أن نلقي نظرة سريعة على خريطة الفريقين، فإن هناك مغالطة ربما يقع فيها البعض، وهي تصوير الصراع أو الخلاف على أنه بين فريقين أو توجهين توجه إسلامي ممثل في الدكتور الترابي ومن معه، وتوجه عسكري يمثله الرئيس البشير، وهذا ما يلح د. الترابي وأنصاره على تجسيده أمام الرأي العام منذ قرارات الرابع من رمضان الماضي التي قضت بحل البرلمان وإعلان حالة الطوارئ، والتي رد عليها الترابي باتهام البشير بـ«الخيانة» و«الغدر»، وإعلان «الجهاد»، ثم تكررت هذه الاتهامات مرة أخرى مع الأحداث الأخيرة.

وهكذا يراد تصوير المشهد بإلحاح على أنه صراع بين توجه إسلامي ممثلًا في د. الترابي وتوجه انقلابي خان العهد - حسب زعمهم - ممثلًا في الرئيس البشير؛ ولذا وجب الجهاد ضده، وأخيرًا أضيف إليه: إنه توجه دكتاتوري عسكري.

ولو سلمنا بخطأ قرارات البشير - رغم أن له منطقًا وحجة في اتخاذها -، فهل يكون الرد عليه ومعه جهازه الحكومي بخلع الجميع من المربع الإسلامي إلى مربع العدو للإسلام الذي يجب الجهاد ضده؟!.

وإذا كان البشير يتخذ هذه القرارات وهو مرتديًا بزته العسكرية، فإن حوله فريقًا كبيرًا يقود تيارًا شعبيًّا عريضًا من الإسلاميين أصحاب الرصيد الضخم من العمل الإسلامي، ومن بينهم علي عثمان طه - نائب الرئيس ونائب الترابي في الجبهة الإسلامية، ورفيق دربه في العمل الإسلامي -، فهل يجوز ببساطة خلع هذا الفريق المعتبر من المربع الإسلامي؟!.

ثم إن الثابت تاريخيًّا أن البشير على المستوى الفكري هو من أبناء الحركة الإسلامية، وهذا أمر معروف للكافة، ولا يستطيع أن يزايد عليه أحد، ولم يصدر عنه حتى الآن ما يمس التوجه الإسلامي للسودان، وإن كان قد اتخذ إجراءات ما في حق د. الترابي وأنصاره، وهي محل نظر ومناقشة، فإنها إجراءات تأتي في سياق أحداث متوترة يضطرب فيها الفعل ورد الفعل، بل والكيد السياسي، وتأتي مقابلة لإجراءات وتصرفات يتخذها د. الترابي، فكيف يتسنى وصف قرارات البشير بالخيانة والغدر، وبينما تصرفات الدكتور الترابي يجب أن تظل مقدسة لا يحق لأحد مساسها، وإذا اقترب منها أحد بالنقد قوبل بالتسفيه؟.

وإنه من الثابت خلال عشر سنوات من تجربة ثورة الإنقاذ أن الرئيس البشير تحمل المسؤولية الأولى في هذه الثورة، ولو كانت قد فشلت لكان أول من سيعلق على المشنقة، وظل المسؤول الأول أمام العالم عن قيادة السودان وتجربته الجديدة وسط أنواء ثقيلة، وفي الوقت نفسه فإنه من الثابت أيضًا أن للدكتور الترابي رصيده على صعيد الحركة الإسلامية السودانية، وتحمله لمسؤوليات جسام منذ ثورة الإنقاذ، بالرغم من المآخذ الكبيرة في أوساط العالم الإسلامي عليه بتعديل الدستور وجعله دستورًا علمانيًّا، بعد أن كان دستورًا إسلاميًّا، فهل إذا اختلف هذا مع ذاك نقوم بوضع طرف في خانة الإسلام ونجرد الطرف الآخر منه بهذه البساطة؟.

وهناك ملاحظة مهمة تزداد وضوحًا على امتداد خمسة أشهر منذ تفجر الصراع على السطح، وهي أن كلامًا خارجًا أو اتهامًا من العيار الثقيل لم يصدر عن الرئيس البشير في حق د. الترابي، بينما هذا النوع من الاتهامات الخارقة الحارقة صدرت عن د. الترابي، وكان المنتظر من الدكتور حسن الترابي صاحب التجربة في العمل الإسلامي، وصاحب التاريخ السياسي الطويل، وصاحب القدرة على اختيار العبارات، وانتقاء الكلمات، أن تكون ردود فعله وتعليقاته أكثر هدوءًا وعدالة مع مخالفيه.

ماذا يحدث في الغد؟!

لكن، هكذا سارت الأمور، وعلى هذا النحو يمضي الصراع متسارعًا، ولا أحد يدري بالضبط ماذا سيحدث في الغد؟؛ لأن جراب الطرفين يبدو أنه ما زال مليئًا بالمفاجآت والإجراءات، والفعل ورده، ولا يستطيع أي محلل قريب من الشأن السوداني أن يزعم أن الأمور قد حسمت لصالح الرئيس البشير بحكم أنه يمتلك السلطة والقوة العسكرية وجزء من الحركة الإسلامية ومن الشارع السوداني.

وخلال زيارة سابقة لي للسودان؛ حيث كانت نذر الخلاف تبدو على السطح، دارت حوارات مطولة مع كثيرين في الشارع السوداني حول انطباعاتهم عن شخصية البشير، فلم ألمس سوى الارتياح، إضافة إلى ذلك، فإن آفة الفساد التي تصيب بطانة الرؤساء وأقاربهم في هذا الزمان لم تعرف طريقها إلى البشير، كل ذلك صنع للبشير أرضية صلبة في الشارع السوداني، وأوجد له مكانة في قلوب قطاع كبير من السودانيين.

المشكلة الملموسة عند د. حسن الترابي أنه يرى أن المربع الذي يقف عليه هو المربع الإسلامي الوحيد، ومن لا يقف معه فهو ضده، وبسبب اعتداده بذاته الفكرية، لا يطيق مناقشة أو حتى إبداء ملاحظات مخالفة له، كما تضخمت ذاته السياسية حتى أصبح يرى أنه أكبر من رأس الدولة.

بهذه المعالم في شخصيته، تعامل الدكتور حسن الترابي مع من حوله داخل حزب المؤتمر الوطني الحاكم، وهو ما قوبل بعدم ارتياح ليس من العسكريين فقط، ولكن من القيادات التاريخية في الجبهة القومية الإسلامية رفقاء درب الترابي وشركاؤه في حزب المؤتمر، وقد كانت «مذكرة العشرة» التي وقعها عشرة من هذه القيادات بينهم وزراء ومستشارون للرئيس التعبير الأكثر تجسيدًا عن عدم الارتياح، وهي المذكرة التي تليت داخل اجتماع رسمي للحزب برئاسة البشير، وفي حضور الترابي، واتهمت الترابي بتجاوز الرئيس والحكومة والمؤسسات الدستورية في إدارة البلاد، وتغييب الشورى والرأي الآخر في التعايش.

نقطة البدء في الصراع

وقد كانت هذه المذكرة بمثابة نقطة البدء في مسلسل الصراع؛ إذ لم يرد الدكتور الترابي على ما جاء في المذكرة من ملاحظات، ولم يبرر تصرفاته أو يعدل منها بمقتضى قبول النصيحة، وإنما رد على أصحاب المذكرة بإسقاطهم في الانتخابات الحزبية؛ ليجمد نشاطهم، وليعهد إلى عزلهم سياسيًّا، والمضي قدمًا في تجريد الرئيس من صلاحياته بإصدار تشريعات وقوانين جديدة تحول الرئيس إلى موظف، وذلك انطلاقًا من دعوته للعمل المؤسسي، فجعل الرئيس بالقانون عضوًا عاديًّا في الهيئة القيادية للحزب التي يرأسها الترابي، وهي الهيئة التي امتلكت زمام الأمر تقريبًا، وجعل المؤسسة الحزبية أقوى من المؤسسات الدستورية بما فيها الحكومة، وهكذا سارت الأمور دون تراجع أو مراجعة من قبل الدكتور الترابي، فوقع الخلاف وظلت النار تحت الرماد قبل عام تقريبًا، حتى وصلت إلى ما نحن بصدده، وهو نقطة التماس بين الفريقين، وأصبح السودان على شفا الانجراف نحو الصراع العنيف - وليس المسلح -، فقد استنفد الفريقان كل ما لديهما من مخزون سياسي، ويبدو أن السودان  -لا قدر الله - مقبل على مرحلة العنف الجماهيري، وهو أمر ألمح إليه أكثر من مرة الدكتور حسن الترابي، بل أكد أنه ليس في حاجة إلى الاتصال بضباط في القوات المسلحة لتغيير الأوضاع، فعبود والنميري تم تغييرهما جماهيريًّا.

إذن الرجل ماض في طريقه لا يلوي على شيء - نحو تغییر نظام الحكم، وإزالة الذين خانوا وغدروا حسب زعمه!!، ولا ينبغي النظر إلى ما يهدد به الترابي على سبيل الاستخفاف أو التبسيط أو التسطيح، بل يجب أخذه مأخذ الجد، فالرجل شاعر بمرارة ما حدث وشاعر بجرح غائر اخترق ذاته، فلا بد أن يؤدب الذين خانوه، والذين جرحوه والذين تخلوا عنه.

وإذا كانت كفة فريق الرئيس البشير هي الأرجح، ممثلة في القوات المسلحة ومعها فريق كبير من الحركة الإسلامية والشارع السوداني إلا أن الدكتور الترابي أيضًا له أنصاره الذين لا يستهان بهم، والأهم من ذلك كله أن خبرة الرجل الطويلة في العمل السياسي وذكاءه أهلاه؛ لكي يعد لكل أمر عدته مبكرًا، ويحسب للتقلبات والمتغيرات ألف حساب، وهكذا فعل منذ تمكن من السلطة مع قيام ثورة الإنقاذ؛ إذ كون لنفسه وفي هدوء وصبر قاعدة شعبية لا بأس بها، تدين له بالولاء، وتدين له بالرعاية الفكرية والمادية، ومن بين هذه القاعدة شباب ضمن قوات الدفاع الشعبي لهم إسهاماتهم على جبهات القتال، ولهم صلاتهم المباشرة بالترابي، ويتردد أن الدكتور الترابي أعطى إشارة خفية لهؤلاء بالانسحاب من جبهات القتال؛ لتفريغ مواقعهم وإرباك القوات الحكومية أمام قوات المتمرد جارانج.

وعلى الصعيد نفسه، يتردد أن معظم الذين حلوا محل المحالين للتقاعد وفق قانون «الصالح العام» كانوا عن طريق الدكتور الترابي وفريقه، وهو ما أوجد له قاعدة لا بأس بها من موظفي الدولة في القطاعات الجماهيرية الأكثر حيوية، بينما بقي المتقاعدون رغمًا عنهم دون وظائف حاملين النقمة على النظام وعلى الترابي.

وليس خافيًا أن الدفعات الجديدة من ضباط القوات المسلحة والشرطة كان هناك حرص على انتقائها من العناصر الإسلامية، ولا شك أن بينهم ذوي ميول للدكتور الترابي.

قاعدة اقتصادية

وعلى صعيد آخر، فإن القوة الاقتصادية التي يمتلكها فريق الترابي لا يستهان بها كذلك، فمنذ بداية ثورة الإنقاذ والرجل عينه على صناعة قاعدة اقتصادية تسمح له وللقريبين بالتواجد في قطاع الاقتصاد وخاصة التجارة «داخلية وخارجية»، ولا شك أن طبقة كبيرة من التجار اقتربت من مربعه؛ تسهيلًا لمصالحها، وصارت عمليات تأسيس الشركات والمصانع والمؤسسات تمر في دهاليز خيوطها هناك.

وكل ما قيل «كوم» وما يتردد عن مخططات لشرذمة السودان وتقطيعه «كوم آخر»؛ إذ تلوح في الأفق نذر حركات متمردة جديدة تضاف إلى حركة جارانج فليس من قبيل المصادفة أن تظهر في الشارع السوداني قبل شهر، وفي خضم هذا الصراع الملتهب نسخ من كتاب يسمى «الكتاب الأسود» دون توقيع «مجهول المؤلف»، ثم ظهرت منه نسخ جديدة تحمل توقيع الدكتور علي الحاج - نائب الدكتور الترابي في المؤتمر الوطني، وذراعه الأيمن - هذا الكتاب يحمل إلى الشارع السوداني فتنة جديدة؛ إذ يتحدث عن المظالم التي يعاني منها أهل غرب السودان «دارفور وكردفان» في الوظائف العليا والخدمات، وثروة البلاد، وهي النغمة نفسها التي ترددها حركة جارانج، وحركة التمرد في جبال النوبة، وهي المسوغات نفسها التي ساقها جارانج قبل إعلان تمرده.

وخلاصة القول: إن هذا الموقف من د. الترابي سيتيح لحركة جارانج فرصًا خطيرة، وقد أوضح ذلك جارانج في تصريحات له مؤخرًا، لذلك ننصح د. الترابي بتهدئة الأوضاع، وتحكيم جانب العقل قبل أن تصبح السودان كالصومال، وعندئذ تتاح الفرص لجارانج وأعداء الإسلام المتربصين بالسودان، ويكون هو المسؤول عن هذا الوضع المتردي، والنتائج السيئة المترتبة عليه.

الرابط المختصر :