العنوان قراءة هادئة في انتخابات صاخبة
الكاتب محمد صالح الشمري
تاريخ النشر السبت 04-مايو-2002
مشاهدات 60
نشر في العدد 1499
نشر في الصفحة 44
السبت 04-مايو-2002
«كارثة» «زلزال» «صدمة» «ذهول».. إلخ هذه بعض النعوت التي أسبغتها وسائل الإعلام على فوز زعيم حزب الجبهة الوطنية الفرنسية جان ماري لوبان.
فما حقيقة هذا الموقف لعل نظرة سريعة على برنامج الجبهة الوطنية يجلي بعض هذه الحقيقة.. هذا البرنامج الذي يحمل المعالم الرئيسة التالية:
تنظيم الهجرة - الصحوة القومية الفرنسية - منع ازدواجية الجنسية.. فأين «الخطورة» في هذا البرنامج، وما الذي أرهب الإعلام الغربي منه.. إلى الدرجة التي يدعو فيها رئيس حزب شاس اليميني المتطرف إيلي تشاي - وهو نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية للكيان الصهيوني - يهود فرنسا إلى حزم حقائبهم والهجرة إلى الكيان الناصب؟
قبل الخوض في هذا الموضوع نلقي نظرة على ربطة الانتخابات الفرنسية في الجولة الأولى للانتخابات، وفيها نجد أن عدد المرشحين للرئاسة في الدورة الأولى ستة عشر مرشحًا.
الاتجاهان الرئيسان اللذان حكمًا الساحة الفرنسية قبل الانتخابات هما:
الاشتراكيون:
وأبرز رموزهم في هذه الانتخابات هو ليونيل جوسبان وهم جزء من كل اليسار الفرنسي المشتت.. إذ سبق للحزب الاشتراكي أن مني بانشقاق بقيادة جان بيير شفینمان مشكلًا حركة المواطنين مما أوهن اليسار بشكل عام.. فسلك اليسار الفرنسي سبيل ما يسمى اليسار التعددي، ومع ذلك فقد سجل في هذه الجولة تراجعًا من ۳۹ % إلى ۲۷% وكان في ذيل قائمة اليسار الحزب الشيوعي الذي سجل أدنى نسبة وصل إليها في تاريخ الانتخابات الرئاسية الفرنسية وهي 4%.
ليونيل جوسبان تراجع أيضًا عن الانتخابات السابقة سبع نقاط والأسوأ بالنسبة له هو خسارته 11 نقطة في معقله الشخصي في سينتيفابل.
وكان حزب مسلمي فرنسا قد رحب بهزيمة جوسبان واعتزاله العمل السياسي. ففي أذهان الجميع زيارته المشؤومة إلى جامعة بير زيت التي وصف فيها المقاومة اللبنانية بأنها إرهاب.
ويومها أمطره طلاب الجامعة بوابل من الحجارة ولولا تدخل حرسه الشخصي وشرطة السلطة الفلسطينية - يوم أن كان ثمة سلطة وشرطة فلسطينية - لما تمكن من البقاء حتى موعد الانتخابات ليتجرع مرارة الهزيمة النكراء والانسحاب المهين من الساحة السياسية.. ثمة ميزة أخرى لـ: جوسبان وهي مصاهرته لليهود..
فزوجته ناشطة في تأييدها للكيان الصهيوني كما أن أركان فريقه الانتخابي يهود أقحاح زائدو الحماسة للكيان الصهيوني، في طليعتهم لوران فابيوس الذي كان يعده جوسبان لرئاسة الحكومة لو كتب له النجاح.
الوسط:
وأبرز رموزه جاك شيراك الذي يبدو أنه ضمن الفوز في الجولة الثانية من الانتخابات ويحتفظ الناخب العربي والمسلم في فرنسا في ذهنه بصورة شيراك وهو يتعارك مع الجنود الصهاينة خلال زيارته الشهيرة للقدس، هذا العراك الذي وضع نهاية سلبية لتلك الزيارة وصورة إيجابية لشيراك.. وهو يرفض الآن لقاء لوبان في مناظرة تلفازية كما تقتضي التقاليد الانتخابية الديمقراطية وذلك كنوع من الضغط والتأليب ضد لوبان وجبهته الوطنية.
وثمة بؤر نقابية نشطة ومؤثرة في صناديق الاقتراع الفرنسية، أهمها:
- اتحاد تجار النسيج الذي يضم أنواع المنسوجات وصناعة الملابس يسيطر عليه اللوبي اليهودي .
رجل ذو وجهين:
في الوقت الذي تروج فيه وسائل الإعلام عن لوبان بأنه عدو لليهود والمهاجرين فاجأ لوبان الناخبين قبيل الانتخابات بطلب السماح له بزيارة حائط المبكى المزعوم وحائط البراق للاعتذار رسميًا عن تصريحاته ضد اليهود عندما وصف المحرقة النازية بأنها مجرد حدث فرعي عديم الأهمية في تاريخ الحرب العالمية الثانية.
ورغم عدم السماح له بذلك إلا أنه عاود وأكد - قبيل الانتخابات بـ ٤٨ ساعة - لصحيفة هآرتس الصهيونية دعمه للحرب التي يشنها شارون ضد الفلسطينيين بحجة أنه شارك في عمليات مماثلة في الجزائر مع الجيش الفرنسي خلال حرب تحرير الجزائر.
- اتحاد المزارعين على النقيض من سابقه.. بعيد عن تأثير اللوبي اليهودي، من أبرز رموزه جوزيه ماريا بوفيه الذي سبق أن زار فلسطين وعاد بقناعات غاية في السلبية تجاه الكيان الصهيوني وممارساته اللاإنسانية حيال الفلسطينيين، مما حدا باللوبي اليهودي إلى الاعتداء عليه فور عودته من فلسطين.. الأمر الذي زاد الهوة بينهما.
الميزة الأخرى لهذا الاتحاد تضرره من بدعة العصر العولمة، وكذلك من الاتجاه نحو الوحدة الأوروبية.. لذا فهو يتجه نحو تأیید لوبان.... اتحادات أخرى أقل تأثيرًا في المسار الانتخابي، منها: اتحاد البيوتكنولوجيا – واتحاد منتجي اللحوم..
الجدير بالذكر أن جوسبان أساء للاتحادات المذكورة إذ تهرب من اللقاء بممثليها قبل الجولة الأولى.. تحرزًا - بزعمه - من التقييد بأي التزامات حيال هذه الاتحادات.. بينما تصرف شيراك معها بدهاء حيث عمل على احتوائها باستقبال ممثليها والتداول معهم في مختلف الشؤون والمصالح.
وعود على بدء.. إلى الجبهة الوطنية بزعامة جان ماري لوبان صاحب كل هذا الهرج والمرج... فالمأخذ عليه وعلى برنامجه الانتخابي هي التالية:
مسألة الهجرة:
ساهمت بعض تصريحات لوبان الاستفزازية في دعم صورته، باعتبار أنه سيقوم بطرد الأجانب والواقع أن قصارى ما يستطيعه لوبان هو تنظيم الهجرة، أما التخويف بالاستغناء عن المهاجرين فهو مبالغة.. فلا لوبان ولا غيره يستطيع ذلك، ففي أجواء المعدلات السكانية المتدنية للأوروبيين فإن حاجة أوروبا للأيدي العاملة بل لبعض الاختصاصات المهمة كالحاسوب مثلًا ستظل منتصبة مهما بذل من جهود في هذا السبيل.
الصحوة القومية:
لم أجد أي مسوغ لانزعاج العرب والمسلمين من هذه المسألة.. فالجدير بالانزعاج منها هم الأمريكيون، لأن صعود الاتجاهات القومية في أوروبا قمين بوضع حد للهيمنة الأمريكية على أوروبا.
أما مسألة ازدواجية الجنسية:
التي يناصبها لوبان العداء.. فقد تجليها المعلومة التي تقول إن ما يزيد على ستمائة ألف يهودي فرنسي يحملون الجنسيتين الفرنسية والصهيونية وهؤلاء يمارسونها حقًا!! غاية في الغرابة ألا وهو: أداء الخدمة العسكرية الفرنسية الإلزامية في الجيش الصهيوني!!... صدق أو لا تصدق.. وهو لا شك أمر يغيظ كل من لديه ذرة ولاء لفرنسا، وقد سبق لأحد وزراء الداخلية الفرنسية وهو شارل باسكا أن حاول إلغاء هذا القانون الغريب... ولكنه لم يفلح بسبب ضغوط اللوبي اليهودي.