; قراءة معاصرة في مقدمات الإمام البنا (2) رسالة الأدب الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان قراءة معاصرة في مقدمات الإمام البنا (2) رسالة الأدب الإسلامي

الكاتب د. محمود خليل

تاريخ النشر السبت 27-فبراير-2010

مشاهدات 64

نشر في العدد 1891

نشر في الصفحة 42

السبت 27-فبراير-2010

  • كل كلمة كتبها الإمام «البنا» في مقدماته هي لبنة أساسية في صرح المشروع الحضاري للأمة.
  • جبل فريد من ذوي المواهب العالية والتربية الرفيعة أحاط بالإمام البنا فأحسن توزيعهم وتوظيفهم للمشروع الإصلاحي.

إن القارئ المتدبر والمتأمل والمتفكر في حياة الإمام الشهيد «حسن البنا» (١٩٠٦ - ١٩٤٩م) إذا أراد أن يتوقف أمام الدروس العابرة والمشاهد السائرة، ليؤصل ويفصل، فسيرى كيف أسس هذا الرجل صفوفه، وكيف أقام بنيانه، وكيف تحسس وتلمس أنجح السبل، وأصلح الوسائل لتصنيف وتوظيف أفراد وطاقات ومواهب الشباب والرجال الذين هداهم الله إليه، وهداه إليهم.

وصلًا لما سبق من قراءتنا المعاصرة في المقدمات التي كتبها الإمام الشهيد «حسن البنا»، لعدد من الدراسات والدواوين الشعرية وكتب الفقه والفكر والاقتصاد.. نلاحظ أن هذه المقدمات جميعًا كانت عملًا مستهدفًا، وكأنما كانت استهلالات وافتتاحيات العلوم وعلماء وآداب وأدباء واقتصاد واقتصاديين.. وكانت أمارات ومنارات لمشروع الأمة الواجب إعداده وإنجازه والموت في سبيل إبلاغه للعالمين.
وفي هذه الأثناء صدرت مجموعة قصصية لعبد العزيز الزهيري باسم «كتاب الكون.. رحلة مع الله» بتقديم الإمام الشهيد «حسن البنا»؛ حيث قال: «اطلعت على فصول هذه القصة فأعجبت بهذا الاتجاه الطيب الذي سلكه صاحب القصة ليصل من ورائه إلى التدرج في تناول أركان الإيمان وأصول العقائد الإسلامية، وحسن إيصالها إلى قلوب جمهور القراء ونفوس ناشئة المسلمين في القالب القصصي المحبب وبهذا الأسلوب السهل الممتع» (1).
«وإني لأحب في هذا الكاتب وفي هذا العمل الأدبي النافع نبل المقصد وسمو الهدف، وطرافة العرض، وسلامة الاتجاه» (2).

أفاق إبداعية
وهذه المجموعة القصصية هي كتاب في التوحيد للأطفال.. وعلى ذكر الأطفال: فقد روى لي كاتب الأطفال الكبير الراحل أحمد نجيب (۱۹۲۸ - ۲۰۰۳م) آن الإمام «حسن البنا» كان وراء توجيهه وهو في صدر شبابه إلى أدب الأطفال ومدى ضرورة الكتابة والإبداع في هذا المجال الشديد الأهمية، وأثره البالغ في التنشئة والتكوين والتربية والتثقيف لأهم شرائح المجتمع، وهم الأطفال والناشئة (3).
وفي هذه الباقة من النماذج الأدبية (شعرًا أو نثرًا)، يتضح بجلاء مدى فهم الإمام «البنا» لوظيفة الأدب الإسلامي ورسالته في العالمين، ومدى فهمه السيكولوجية المبدع وأفاقه الإبداعية، وقدرته الفائقة على تصور المجالات والمسارات والمآلات التي ينبغي أن تحلق فيها رايات المبدعين، وأن تنطلق فيها جيادهم، وتهب رياحهم، في الوقت الذي كانت فيه فكرة الأدب الإسلامي مازالت بعد وليدة جديدة تتحسس خطاها، وتتلمس هداها.

دراسات اجتماعية
وإذا كان الإمام حسن «البنا» هو ذلك «الدرعمي» الضليع الذي كان أول دفعته في دار العلوم ليس بمستغرب عليه أن يصول ويجول في الدراسات الأدبية والإسلامية تنظيرًا وإبداعًا، وأن يرتاد على هامش هذه العلوم، عدة مجالات وعلوم أخرى تقوم مقام الأجنحة والروافد لعلوم الإسلام الأصلية. كالعلوم الاجتماعية وعلوم النفس والمال والاقتصاد، والسياسة، والآداب، والشريعة .... وغيرها. 
وكان ذلك البناء الماهر، خير من ينثر الحب ويشق الدرب ويرابط بالأجناد والصحب.. حيث أحاط به جيل من ذوي المواهب العالية والقدرات الممتازة والتربية المتكاملة.. وفي كافة المجالات كالدراسات الشرعية والفكر الإسلامي والهندسة والاقتصاد وعلم النفس وعلوم الكيمياء والجيولوجيا والدراسات الاجتماعية والرياضة البدنية والفنون والآداب والسياسة، ناهيك عن علوم اللغة والدعوة والإسلام، وكان من واسع فضل الله أن انطلق هؤلاء جميعًا - كل في مجاله - لوضع بذور ما بعد ذلك بأسلمة سمي المعرفة».. وفتحوا في شتى العلوم والمعارف أبوابًا، وأنشئوا فصولًا لم تكن موجودة من قبل. 
وكان الإمام «البنا»، حين يقدّم لواحد من هؤلاء في مجال ما، إنما يحرث حقل هذا الباب من أبواب العلم، ويطرح رؤوس أفكار لما ينبغي أن يكون وكأنه يدشن أسطولًا علميًا، ولا يكتفي بمجرد تقديم كاتب أو كتاب. 
ولأن حجر الزاوية ونقطة البداية هي العمل الدائب على بناء الفرد المسلم الذي يبني الأسرة المسلمة، ثم ينطلق راشدًا نحو المجتمع المسلم الذي يصلح أن يكون مؤهلًا الأداء رسالته في التدافع في الأرض لإصلاح الدنيا بالدين.
يقول البنا: «ولقد شغف كتابنا - إذا ما تناولوا أمثال هذه البحوث - بالطواف حول كل الثقافات يقتصرون على الأخذ من ألوانها وصورها وحدها فيما يعالجونه من المسائل والقضايا الاجتماعية أو النفسية وينسون ثقافتهم الشرقية الإسلامية بميزاتها ويهملون طابعها وملامحها المستقلة وهذا من آثار الغزو العلمي الذي اجتاح العقل الشرقي وأثر في طابع ثقافته واستقلاله الفكري (4). 
إن من المقرر في الأصول أنه «لا مشاحة في الاصطلاح».. ومن ثم فإن النكير على مصطلح «اشتراكية الإسلام».. لا يعدو أن يكون انشغالًا بالشكل عن الشاكلة.. وبالمظهر عن الجوهر، ذلك لأن العدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. في مجموعها العام، إذا ما سميت بالاشتراكية فلا بأس. لاسيما في بداية المشوار الذي قطعته فكرة الاقتصاد الإسلامي، فالفكرة الاشتراكية في إطارها الاجتماعي والاقتصادي، مع صحة المعتقد، وعدالة المقصد، وغيرها من الأفكار الإصلاحية الأخرى.. يمكننا حملها على متن الإسلام، فتأخذ منها ما نأخذ، وندع منها ما ندع.. أما أن نحمل الإسلام على متن هذه الأفكار الوضعية الضيقة.. فهذا هو المرفوض. 

الاشتراكي الزاهد
لذلك فقد عبر عنها المفكر الاقتصادي الكبير، الأديب «عبد الحميد جودة السحار» (۱۹۱۳-١٩٧٤م) تحت إطار أحد رموز العدل الاجتماعي والسياسي، وهو الصحابي الجليل «أبو ذر الغفاري» باسم «الاشتراكي الزاهد» وذلك عام ١٩٤٥م.
وعبر الشهيد سيد قطب عنها تحت مسمى «العدالة الاجتماعية في الإسلام» عام 
١٩٤٧م، في بداياته الإسلامية العملاقة. 
فالاشتراكية في الإسلام تنشد تكامل وتواصل وتكافل الطبقات، وفي الشيوعية تنشد تصارع وتنازع وتقارع الطبقات. 
والاشتراكية في الإسلام.. عدالة واستحقاق واستقرار، والاشتراكية في الماركسية تناحر، وأحقاد وسعار.. 
والاقتصاد الإسلامي بدوره قد أصبح علمًا مستقلًا بذاته له رموزه وأعلامه وله مناهجه ورؤاه...

ماض حافل
ومن الدراسات الرائدة في طرح بذرة الدراسات الاقتصادية في الإسلام وإبراز العدل كقطب لرحاها، جاءت دراسة «عبد الحميد جودة السحار» التي نحن بصددها والتي قدم لها الإمام الشهيد «حسن البنا» موثقًا ومحققا فكرة العودة إلى الينابيع. قائلًا: «من المشاهد أنه كلما ارتقى العقل الإنساني الحاضر في فهم حقائق الحياة واكتشاف خوافيها واقتراح شتى الحلول لما يُواجه من مشكلاتها، عدنا نحن المسلمين إلى ديننا - بعد رؤية هذه الحلول - عودة المرء الذاهل إلى ماضيه الحافل» (5). 
وقد صدر «السحار» لكتابه ببحث واف عن «الاشتراكية في الإسلام» يقول عنه «البنا»: إنه (6) «بحث علمي دقيق في الاشتراكية الإسلامية، يجلو هذه الحقيقة ويؤكدها، ويعرض في صدق وإنصاف للمذاهب الاشتراكية الحديثة التي تمخض عنها عهد اليقظة الأوروبية الأخيرة، فيمحص خيرها من شرها، ثم يحكم على هذا التفكير الأوروبي بما له وما عليه.
ثم يقرر الإمام «البنا» هذه القاعدة العادلة في الإسلام فيقول: «إن الإسلام لا يحارب الثروات العامة أو الخاصة، وإنما يحارب تجرد بعض الناس من الذمة على حساب تضخمها في ناحية أخرى، وإن الإسلام لم يقرن الغنى بحق أدبي ولا الفقر بحق معنوي» (7).
وفي هذه المقدمة يطرح «البنا» فكرته الأساسية في هذا الوقت المبكر، حول ضرورة الاستحقاق الحضاري لهذه الأمة، «لأن الخير الذي يبرق خلال طائفة من مناهج الإصلاح المعاصر، إنما هو بعض ميراثنا، فيما آل إلينا من دين عظيم»، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون. 
في عبقرية موفقة للبناء والحركة والتربية والدعوة.

المراجع
(۲,۱) مقدمة حسن البنا لكتاب «الكون... رحلة مع الله» دار الاعتصام ط۲
القاهرة، ۱۹۸۱م، ص ٥.
(۳) لقاء علمي موثق في 15/12/1993م بيني وبين كاتب الأطفال الكبير أ/ أحمد نجيب الحائز على جائزة الملك فيصل في الأدب.
(٤) مقدمة حسن البنا لكتاب الطريق إلى السلام العائلي لإبراهيم الوليلي بدون تاريخ.
(5) المرجع السابق، ص ٦.
(6) مقدمة الإمام الشهيد حسن البنا لكتاب «الاشتراكي الزاهد أبو ذر الغفاري»، عبد الحميد جودة السحار القاهرة لجنة النشر للجامعيين ١٩٤٥م، ص ٥.
(۷) المرجع السابق ص ٦.

الرابط المختصر :