; قراءة في وثيقة الإسلاميون والميثاق الوطني | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في وثيقة الإسلاميون والميثاق الوطني

الكاتب عبدالقادر عبار

تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-1989

مشاهدات 79

نشر في العدد 934

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 26-سبتمبر-1989

 

إن اشتراك كل التيارات الوطنية ضرورة نهضوية، وسبيل إلى ضمان ومناعة كياننا الوطني.

يرى أصحاب الوثيقة أن تدعيم استقلال البلاد السياسي والثقافي شرط مركزي من شروط تحصين المجتمع المدني.

في السابع من نوفمبر لهذا العام 1989، يكون قد مر عام على توقيع الأطراف السياسية بتونس على "الميثاق الوطني"، الذي اتفقوا على تعريفه بكونه: «عقد شرف أخلاقي وحضاري، وليس قانونًا إلزاميًا يترتب عنه تجريم أو محاسبة من يخل بإحدى بنوده، لكنه وسيلة ضغط أدبي وسياسي تعتمده الأطراف المعنية في علاقتها ببعضها من أجل الصالح العام».

ومن جملة الأطراف السياسية المعنية التي كانت ساعتها حاضرة؛ للتوقيع بالقصر الرئاسي بقرطاج:

الاتجاه الإسلامي/ النهضة، ممثلًا في شخص الأستاذ المحامي: نور الدين البحيري.

وقد قيل الكثير - حينذاك - عن هذه المشاركة، وذهب البعض في تقييمه إلى تضخيم سلبياتها بدعوى أن فيها نوعًا من التنازل عن بعض القناعات والمواقف المبدئية، كما أن فيها مودة لأطراف معروفة بعدائها الثابت والمبدئي للإسلام، ومشحونة بحقد مفتوح على الإسلاميين!، ومن أجل التوضيح والتصحيح ودفع الشبهات، والتعريف بوجهة النظر الحقيقية التي يتبناها الطرف الإسلامي إزاء الميثاق وموقفه الرسمي منه، أعد الإسلاميون وثيقة من ست وعشرين (26) صفحة موقعة باسم الأستاذ: نور الدين البحيري، فيها الكثير من الوضوح والأدلة، والمعطيات التاريخية والواقعية، والمقترحات والمواقف، وهي الآن بين يديّ، وسوف أقدمها لقراء «المجتمع» الغراء من خلال عرض لأهم محاورها، أرجو ألا يُبخسها حقها.

 

الوثيقة: عرض عام:

كما أشرت سابقًا: تتكون الوثيقة من 26 صفحة مرقونة، مُصدرة بالبيان القرآني من سورة آل عمران الذي يقول فيه المولى سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران:103-104-105)

وتتألف من:

•       توطئة لمشروع الميثاق:

وأربعة أبواب مقسمة كالتالي:

الباب الأول: الهوية. الباب الثاني: الديمقراطية والحريات. الباب الثالث: نمط التنمية. الباب الرابع: الاستقلال والعلاقات الخارجية.

وتنتهي بخاتمة عامة.

 

قراءة في الوثيقة:

تركز الوثيقة في توطئتها لمشروع الميثاق على جانبين: جانب تأصيلي وتاريخي، وجانب واقعي: موضوعي ومبدئي.

ويأتي الجانب الأول لدحض شبهة الذين يقولون بأن وضع المواثيق والدساتير المنظمة لعلاقات المواطنة حقوقًا وواجبات، والمقيدة لسلطان الحاكم ما هو إلا ضرب من الانتهاز والانبهار والتكتيك، وهي أعمال منبتة عن ديننا وتراثنا، وليس لها ما يبررها غير التقليد الغربي في إطار انحطاطنا المعاصر، وانهزامنا الحضاري!.

«بينما المتتبع لتاريخ تكوّن الجماعة المسلمة - نواة الأمة الإسلامية كما تقول الوثيقة - يتوقف عند محطة هامة هي انتقال الإسلام بالجماعة من مرحلة الدعوة إلى مرحلة الدولة، وهي نقلة قد قامت على توافق بين الرسول - عليه الصلاة والسلام - كقائد للجماعة، وبين ممثلي المهاجرين والأنصار في العقبة، فلما انتقل الرسول القائد إلى "يثرب" وكانت على تركيب اجتماعي معقد تتجاور فيه ديانات وأعراق مختلفة لم يكن بد لتنظيم شؤون هذه الجماعة السياسية، ولدعم أسس الوحدة الوطنية في الدولة الجديدة، من وضع ميثاق ينظم التعايش والتعاون، فكانت الصحيفة هي عنوان الميثاق الذي وضعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لتنظيم وترتيب شؤون الدولة في المجالات الحيوية، وهي تُعد أقدم وثيقة تاريخية لأول دستور سياسي مكتوب في التاريخ البشري يتولى تنظيم شؤون الدولة تنظيمًا لا يُقصي ولا يظلم طرفًا اجتماعيًا على أساس الدين أو أي أساس آخر».

 

جانب ثان:

وأما الجانب الثاني في التوطئة، فيشير إلى كون الإسلاميين في تونس كانوا من بين الحركات السياسية، التي دعت وأكدت على ضرورة ميثاق يحفظ الوحدة الوطنية بعد أن تكثفت - حينئذ - دلائل فشل المشروع البورقيبي، ودب الشك في جملة المسلمات التي قام عليها.

وكيف تجسدت تلك الدعوة في التجاوب مع مبادرة الرئيس ابن علي في ظل العهد الجديد في وضع ميثاق وطني يجمع ممثلي مختلف التيارات الفكرية والتنظيمات السياسية والجمعيات المهنية والاجتماعية حول مائدة الحوار؛ للاتفاق حول الحد الأدنى، الذي يجمع التونسيين بمختلف انتماءاتهم في هذه المرحلة من تاريخ البلاد.

وتبرر الوثيقة هذا التجاوب للمبادرة باعتبار هذه الأخيرة: تجسد إرادة فعلية في طي صفحة الماضي وإحلال لغة الحوار محل لغة الإقصاء، وأن المشاركة في تحديد ملامح حاضر تونس ومستقبلها حق لكل التونسيين، وهكذا تنتفي شبهة القائلين بعدم التأصيل، واحتراز المترددين من المشاركة، ويبقى بعد هذا التقديم أن نتعرف على المبادئ العامة، والدعائم المركزية، التي يجب أن تلتقي حولها الأطراف المعنية المشاركة في الميثاق.

 

الباب الأول: الهوية:

تؤكد الورقة/ الوثيقة على أن مبدأ «دعم هويتنا ليس مجرد شعار مرحلي أو ورقة سياسية ذات وظيفة مؤقتة تنتهي بتغير موازنات سياسية معينة، بل هو مبدأ أصيل ودائم يستمد مشروعيته وأهميته من ارتباطه بأبعاد مصيرية تمس كيان المجتمع وتتوقف عليه مناعته وتقدمه».

وإذا كانت جل الاعتبارات التاريخية والواقعية معًا تقضي بما لا يدع مجالًا للشك بأن الإسلام والعروبة هما عماد هويتنا الحضارية، فإن اشتراك كل التيارات الوطنية في الالتزام بدعم هذه الهوية بقدر ما هو ضرورة نهضوية وسبيل إلى ضمان ومناعة كياننا الوطني، لا يجب أن يُفهم على أنه انعدام للذاتية السياسية التي يختص بها كل تيار، وإنما هو في حقيقته وفاق وطني على جملة من الثوابت العامة في شخصيتنا الأساسية، ويكون هذا الدعم عمليًا بتحقيق:

•       احترام عقائد الإسلام وأحكامه ونظمه وحسن التعريف بها تربويًا وتعليميًا وإعلاميًا وثقافيًا.

•       إشاعة قيم الإسلام السلوكية داخل المجتمع، احترام مشاعر المؤمنين بعدم الاعتداء المادي أو المعنوي على شعائر الإسلام وقيمه.

•       أن تكون التشريعات والقوانين ملتزمة بدستور البلاد، الذي ينص على أن الإسلام هو دين الدولة.

•       تعريب التعليم والإدارة تعريبًا فعليًا ملموسًا لا تعريبًا شعاراتيًا.

 

الباب الثاني: الديمقراطية والحريات:

في هذا الباب يؤكد الإسلاميون على جملة من القناعات التالية:

•       إن الديمقراطية ضرورة من ضرورات تأسيس المجتمع المدني الناهض ودعمه وتجذيره.

•       إنها الوسيلة الأرقى لتطور الحياة السياسية بالبلاد ولقيام علاقات سوية بين مؤسسات الحكم وبين الشعب والدولة وبين مختلف التنظيمات.

•       إنها الضمانة الأساسية لحماية الحريات وبناء مجتمع قائم على العدل، وتحقيق الديمقراطية قبل أن يكون مجرد عملية نقل السلطات بين حاكم ومحكوم هي عملية تكوين الإحساسات، وردود الأفعال، ونضال ثقافي طويل المدى، يقول مالك بن نبي - رحمه الله -: «إنه من البديهي أن الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق كواقع سياسي باعتبارها سلطة الشعب ما لم تكن قد ترسخت قبل ذلك داخل الفرد، الذي يتكون منه الشعب، وما لم توجد في المجتمع كمجموعة أعراف وعادات وممارسات وتقاليد».

وإن تثبيت هذه المبادئ في الذهنية العامة للشعب يقتضي ابتداء إجماع كل الطلائع الفكرية والسياسية حولها حتى يتسنى لها صياغة وعي سياسي عام مشترك، وهذا يحتاج إلى جهود تربوية وإعلامية كفيلة بأن تعيد للإنسان اعتباره وكرامته، وإذا حصل هذا فإن منهج التغيير السياسي والاجتماعي سيتخلص من مفاهيم التآمر والمناورات وأساليب العنف، ويتركز على معانٍ علنية، ووجود التيارات والتنظيمات وقانونية أنشطتها ومشروعية طموحاتها، فتندرج بذلك نضالاتها ضمن السعي إلى تحقيق المصلحة العامة.

 

الباب الثالث: التنمية:

يرى أصحاب هذه الورقة/ الوثيقة أن إنماء البلاد مهمة يشترك فيها كل أبنائها، وهي تستلزم بالتالي الصدور عن رؤية عامة مشتركة تكون بمثابة الضوابط الموجهة للمشروع التنموي، الذي لا يتحقق إنجازه إلا بمراعاة العوامل التالية:

•       العامل البشري: بما أن الإنسان/ المواطن يشكل هدفًا من أهداف التنمية، إلا أنه يظل في نفس الوقت وسيلتها الأساسية؛ لذا يتعين تأهيله ليكون دعامة لنجاح الخطط التنموية ويستدعي هذا التأهيل:

1.     العناية بالتعليم وتوسيع وتعميق مجالاته.

2.     إحياء الضمير الشعبي بالقيم الدينية والوطنية.

3.     تشجيع المبادرات الهادفة الخيرية والتعاونية والفكرية والاجتماعية.

4.     تأكيد حقوق المرأة الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية؛ حتى تضطلع بدورها في تنمية المجتمع بعيدًا عن السلبيات والتقاليد المستوردة.

•       العامل الاجتماعي: إنه لا معنى للتنمية في بيئة تسودها المظالم الناشئة عن الفقر والبطالة والفوارق المادية الفاحشة، فبدون تجسيد قيم العدالة، فإن العلاقات البشرية تتردى في مهاوي الكراهية والعداء بدل المحبة والتآخي؛ لذا لا بد من تحقيق المساواة بين المواطنين وتذويب الفوارق، وإيجاد علاقات اجتماعية تقوم على أسس القيم الحضارية، وعدالة توزيع ثروة البلاد وخيراتها.

•       العامل الاقتصادي: إن جهود الإنماء الاقتصادي للبلاد يجب أن تتجه نحو بناء اقتصاد وطني قوي مرتكز على تصور يزاوج بين القيم المادية والقيم الروحية ومبني على ضوابط المصلحة العامة والعدالة، وذلك بترشيد الاستهلاك العام من خلال نشر وعي يحصن المجتمع من أن يتحول إلى نمط مجتمع استهلاكي وسوق للبضاعة الأجنبية لما في ذلك من ضرر يلحق بالاقتصاد الوطني بفعل تفوق الطلبات الاستهلاكية على العمليات الإنتاجية، وما قد ينجر عن ذلك من مضاعفات خطيرة على صعيد التبعية للخارج فضلًا عن الخلل الأخلاقي والسلوكي.

•       العامل الثقافي والتربوي والإعلامي: الاعتناء بتنمية هذا العامل الثلاثي المتكامل ضروري لصيانة كياننا المستقل وتدعيم شخصيتنا الأساسية، وذلك من خلال:

1.     العناية بالوظيفة التربوية داخل الأسرة وفي المدارس وداخل المؤسسات الثقافية وإعطاؤها مضمونًا عقائديًا وأخلاقيًا يضمن دوام القيم الثقافية الأصيلة.

2.     تشجيع الآداب والفنون والعلوم وتوجيهها لنشر الفضيلة والخير.

3.     تمكين المسجد من أداء وظيفته التربوية والاجتماعية.

4.     تحقيق سياسة إعلامية تحترم حرية التفكير والتعبير، وتنمي روح الإبداع وتحترم مكونات هوية البلاد.

5.     إيلاء الشباب المكانة التي يستحقها، وفتح آفاق مساهماته، وتوفير العمل له والتشجيع على الزواج.

 

الباب الرابع: الاستقلال والعلاقات الخارجية:

يرى أصحاب الوثيقة أن تدعيم استقلال البلاد السياسي والثقافي والاقتصادي شرط مركزي من شروط تأسيس وتحصين المجتمع المدني المتطور، وتحقيق نهضته ونموه، وهذا يتطلب احترام جملة من المبادئ، أهمها:

•       الولاء الوطني: باعتباره مبدأ ساميًا يتنافى مع التبعية.

•       العمل على الحفاظ على سيادة البلاد، والتمسك بمقتضيات الدستور ومبادئه.

•       الحفاظ على وحدة أبناء الشعب من كل أسباب التفكك والتنازع.

•       اعتبار أن الوحدة الوطنية هي القوة التي نواجه بها كل المخاطر التي تهدد كياننا واستقرار البلاد، واعتبار أن وحدة بلادنا هي أساس وحدة بلدان المغرب العربي والمنطقة العربية والأمة الإسلامية. عملًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء:92).

•       سلوك سياسة خارجية ثابتة تقوم على أساس عز البلاد ومناعتها واستقلالها وإعطاء الأولوية في ربط العلاقات لبلدان المغرب والبلاد العربية والإسلامية، ودعم التحرر في المنطقة العربية والوطن الإسلامي والعالم كافة، وفي طليعتها فلسطين وأفغانستان، والنضال ضد سياسات الاستعمار والتمييز العنصري.

 

خاتمة:

هذه إذن قراءة استعراضية لأهم المحاور الحساسة والأساسية التي عالجتها الوثيقة التي توضح وجهة نظر الإسلاميين في تونس بخصوص الميثاق الوطني، الذين شاركوا في التوقيع مع جملة الأطراف الأخرى يوم السابع من نوفمبر الماضي.

وجاء في خاتمتها قولهم: «إن مشاركتنا في إنجاز الميثاق الوطني تنبع من قناعتنا بأهميته التاريخية والمصيرية؛ حيث يتحتم على كل أبناء هذه البلاد العزيزة علينا الوقوف على أرضية وطنية واحدة تجمعهم رغم ما عساه يوجد من اختلافات بينهم في الاختيارات السياسية، وهو أمر يستلزم حدًا كبيرًا من الوعي المدني، ومن المرونة في التعامل السياسي بين الجميع رغم الاختلاف».

 

الرابط المختصر :