; قراءة في مذكرات بريجنسكي- ليس السادات وحده! | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في مذكرات بريجنسكي- ليس السادات وحده!

الكاتب المحرر السياسي

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1983

مشاهدات 96

نشر في العدد 616

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 12-أبريل-1983

ظهرت هذه الأيام المذكرات الخاصة بالمستشار بريجنسكي الذي كان مسؤولًا عن الأمن القومي الأميركي إبان رئاسة كارتر، ومسؤولية الأمن القومي في أميركا تعني هندسة السياسة الخارجية للدولة. ولعل ذلك كان واضحًا من خلال الفترة التي تولى فيها هنري كيسنجر ذلك المنصب وبغض النظر عن الطابع الشخصي الذي يطبع أي مذكرات والروح الخاصة بأسلوب العرض والتحقيق، إلا أن هذه المذكرات على وجه الخصوص تشكل قدرًا من الأهمية ينبغي علينا إدراكه فإنها تكشف عن العقلية الأميركية ومواجهاتها الحقيقية، كما تبين الأهداف الواضحة والخفية لأميركا في منطقتنا العربية الإسلامية لاسيما تلك المتصلة بقضايانا المصيرية مثل قضية فلسطين ومحاولات القضاء عليها بما يخدم الأهداف الإسرائيلية الأميركية في المقام الأول.

الرجل ومذكراته

بريجنسكي بولندي المولد فقد ولد بوارسو ۱۹۲۸م، وهو مستشار الأمن القومي إبان فترة رئاسة كارتر، وهو كما يقال من الذين رسموا سياسة أميركا الأمنية خلال الفترات الحرجة من تاريخها، وكان من ذوي الأدوار الكبيرة في مفاوضات كامب ديفيد.

وأهم ما يعنينا أنه كان صاحب دور أساسي في الفترة التي سبقت وواكبت عملية القضاء على القضية الفلسطينية وتطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية.

ومذكراته تشكل شهادة على هذه المرحلة بالذات وحكاية بعض أسرارها وملابساتها المتصلة بها.

ليس السادات وحده

 ومن الاستنتاجات الأولى التي يخرج بها المطلع على هذه المذكرات أنه ليس السادات وحده هو الذي انجر إلى الوقوع في براثن السياسة الأميركية الإسرائيلية في المنطقة. غير أنه كان أكثر زعماء المنطقة استجابة ومغامرة، وليس السادات وحده هو الذي وافق أو أيد خطوات ما يسمى بالسلام في المنطقة بل كل قيادات المواجهة أبدت تجاوبًا واستعدادا للمساهمة في إقرار المسألة. وتميز السادات أتى من طموحاته وتطلعاته للقيام بدور بارز أو أن يكون بطل الملهاة الأميركية الإسرائيلية الأول وربما الوحيد في تلك الظروف!

مبادئ أساسية لأميركا:

 ومن خلال المذكرات نتحقق أيضًا من المسلمات الأساسية في السياسة الأميركية. فمعرفتنا بها أمر مفروغ منه. ولكن هذه التأكيدات التي تأتي وتتلاحق عبر كل ما يصدر عن الأميركان تبين أن ذلك بمثابة المسلمات التي لا ترقى إليها الظنون.

ونعني بذلك أهمية إسرائيل بالنسبة لأميركا. فقد بدا من أقوال الرجل أن همها هو المسيطر الأول على الساسة الأميركان وينبغي أن ننتبه هنا إلى أن المسألة بالنسبة للأميركان ليست مسألة نفوذ صهيوني مؤثر على مواقفهم في الولاء والتدعيم المطلق لإسرائيل بل إن القضية بالنسبة إليهم قضية دين أيضًا ولا نعني بذلك أن الأميركان متدينون ولكن تراثهم الذي ينطلقون منه وأصولهم العقدية مشتركة مع اليهود. ولعل أوضح تفسير لذلك تصريح كارتر الأخير إبان زيارته لإسرائيل في الأيام الفائتة بأنه ملزم بالإيمان بدولة إسرائيل من منطلقاته الدينية. فهو مطالب بذلك الإيمان من خلال نصوص كتبهم المقدسة.

وذلك جانب ينبغي ألا يفوت علينا. فإن التكوين الديني كلما خف أثره واضمحل يظل هو العامل الأكثر فعلًا وتأثيرًا فيما يصدر عن الشخصية. ولم تهتم دراساتنا للشخصية الأميركية -إن كان تمت- بهذا الجانب بل لعلها لا تعيره اهتمامًا. فحقًا هذا التعاطف الزائد والمشترك بين كل الساسة الأميركان وصانعي القرارات هناك لا يمكن أن يكون صادرًا كله من رغبة أو رهبة لإسرائيل وقواها المؤثرة الفاعلة في أميركا اقتصادًا وإعلامًا وسياسةً ولكن لابد من أساس مشترك يحكمه ويوجهه. والأساس المشترك الغالب هو الدين. وليس سرًا أن المسيحيين في أغلبهم يشعرون بوجوب الولاء والتعاطف مع اليهود ومع إسرائيل بوجه أخص ولعلنا نذكر تلك الوثيقة البابوية التي صدرت في حق اليهود وتبرئتهم من دم المسيح -بغض النظر عن صحة ذلك- فإنها تقرب صورة المقصود وتوضح حقيقة هذا الإيمان وتأثيره في صنع السياسة. وعلى أقل تقدير يجد المسيحيون أنفسهم -منطقيًا- أكثر تعاطفًا مع اليهود منهم مع المسلمين!

بين الشخصية العربية واليهودية:

وتلك سمات واضحة وفروقات جوهرية لا يخطئ المرء رؤيتها من خلال قراءته لهذه المذكرات، فالشخصية العربية فيها استعداد للتنازل أكثر من الشخصية اليهودية بكثير من خلال الشخصيات التي يدور حولها الحديث في هذه المذكرات.
ويكفي أن نقارن بين رجلين من أشخاص المذكرات هما: السادات وإسحق رابين، فيما أذهل السادات الساسة الأميركان باستجابته السريعة كان رابين يتأبى ويترفع حتى على المجاملة الإنسانية البحتة. وقد ذكر بريجنسكي في ذلك أنه إبان زيارته لواشنطن كان باردًا ومتصلبًا، وقد حاول کارتر أن يروضه قليلًا وأن يسعى ما أمكنه لخلق علاقة ودية معه. ومن بين أساليبه في ذلك دعوته له بعد اجتماع غير موفق لرؤية ابنته الصغيرة -وهي نائمة- كنوع من الود الخاص وإذا برابين يعتذر حتى عن هذه!

ولا نود بذلك أن نسهم في تسويد الصفات الأسطورية لليهود بقدر ما أننا نعكس ملامح وفروقات مميزة بين المنطلقين من أرضيات واهية فارغة. وبين أولئك الصادرين عن مقولات عقدية صارمة وأهداف يرون فيها حياتهم ومماتهم

وما لم تتبدل الصفات السائدة للشخصية العربية الحالية من هذه الروح المتنازلة دومًا والصادرة عن إيثار السلامة مهما كانت تافهة ومذلة فإنه لا يرجى لواقعنا تحسنًا ولا شفاء.

نقاط الضعف المستغلة:

إن كل القوى المعادية لنا لا تستطيع أن تنفذ لتحقيق مآربها وأهدافها في المنطقة إلا من خلال نقاط ضعف معينة ترصدها وتستغلها إلى أقصى الحدود.

ومما سجله بريجنسكي أن انطباعاتهم الأولى عن السادات أوضحت بأنه رجل مستعد «للمغامرة بالكثير»-انظر «المجلة» الصادرة من لندن عدد (١٦٢)- فهذا مرتكز أول بني عليه الأميركان الكثير. والأهم من هذا أنه خلال زيارة السادات لواشنطن «أحسست مما كان السادات وزملاؤه يقولون بأن المصريين في محنة نوعًا ما وأنهم حريصون أشد الحرص على توثيق علاقاتهم مع الولايات المتحدة مما أعطاني ثقة بأننا نستطيع أن نضغط على المصريين لتقديم التنازلات الضرورية»! راجع المذكرات.

واللبيب لا يحتاج لمزيد من التصريح حتى يفهم ما وراء هذه العبارات.. إن السياسة المعاصرة سياسة وصولية وذلك يلزم بأن تكون انتهازية لا تفرط في أي سانحة من السوانح وإن من أيسر الوسائل لبلوغ مآربها هذا الضعف الملموس. فأنظمة المنطقة في أغلبها لا تكاد تسلم من الثغرات المتفاوتة الاتساع والتي يمكن النفاذ من خلالها، وإنه لتستدل من خلال ملاحظة بريجنسكي هذه أنهم يتصيدون الشفرات، ولا شك أن معلوماتهم عن مشاكل أنظمتنا الكثيرة مع نفسها ومع مواطنيها توفر لهم القدر اللازم لتحقيق الأهداف الإسرائيلية المتبناة أميركيا!

وإن كانت مصر وهي من أكبر دول المنطقة وأقواها سجل عليها هذا الضعف فكيف بمن هم دونها؟!

وإضافة إلى هذا يستغل الأميركان العناصر النفسية فقد أوهموا السادات بأنهم في حاجة إليه ورسخوا في ذهنه أنه رجل المرحلة، وعن طريق الأساليب الإيحائية وإرضاء الغرور والمدح الشخصي والأماني العريضة استطاع الأميركان أن يبلغوا أهدافهم ومقاصدهم فينا وستظل السياسة الأميركية الإسرائيلية مستمرة في نجاحها مادامت هذه الثغرات موجودة في بنائنا.

منطلقات التمادي الإسرائيلي:

ومن الأمور التي تعرف ضمنًا من خلال هذه المذكرات أن الإسرائيليين مطمئنون غاية الاطمئنان إلى حقيقتين اثنتين الأولى: ضعف خصومهم الذي يحسنون استثماره بالاشتراك مع الأميركان أو بتبادل الأدوار معهم، والثانية أن الإشارات الضوئية الأميركية في طريقهم كلها خضراء وبالتالي فلا تثريب عليهم فيما يفعلون.

ويكتشف المرء للمرة الأولى أن هبوط الكوماندوس الإسرائيلي على عنتيبي كان بإقرار أميركي إن لم يكن باقتراح مباشر! يقول بريجنسكي إنه كان يتعشى مع بيريز في بيته إبان احتجاز الرهائن الإسرائيليين في يوغندا.. ولنستمع لروايته بنفسه: «وكان الخاطفون يطالبون الحكومة الإسرائيلية بمطالب معينة وكانت إسرائيل على ما يبدو مستعدة للاستجابة لها. ولا يمكن أن أنسى إطلاقًا تعبير الذهول والشك الذي ارتسم على وجه بيريز عندما قلت له: لماذا لا ترسلون بعض رجال الكوماندوس إلى يوغندا وتقتحمون مبنى المطار؟ وفي الصباح التالي مباشرة سمعت في الإذاعة الإعلان بالغارة الناجحة التي شنتها إسرائيل على مطار عنتيبة».

إن الأمر لا يحتاج إلى تعليق وهو حقيقة مرة ولا شك، ولكن الذي يجب علينا أن نفهمه. أن إسرائيل مطمئنة تمام الاطمئنان إلى أن الأميركان يطلقون يدها في كل ما تراه محققا لمصلحتها، بل إنهم في بعض الأحيان يشيرون عليها بما يجب عليها فعله إذ تحار أو تتردد بغض النظر عن انتهاك سيادة الآخرين أو ما إليه من هذه المسائل «الفارغة».

وعليه فيحسن بنا أن نستوعب هذا الواقع وأن نتيقن بأنه مهما تنازلنا ومهما أبدينا من «المبادرات» فإن معيار التقييم لذلك لا يخضع لموازنتنا أو حساباتنا الخاصة، بل هو خاضع للمصلحة الإسرائيلية وفقا للرؤى الأميركية والمطابقة تماما للرؤى اليهودية إن لم تتفوق عليها في بعض الأحيان!

وليت القادة العرب يتأملون في سطور هذه الأوراق وما يشابهها جيدًا فإنها نافعة في تجفيف الأحلام وانجلاء السراب.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 129

92

الثلاثاء 12-ديسمبر-1972

حالة العالم الإسلامي (129)

نشر في العدد 282

132

الثلاثاء 13-يناير-1976

القاديانية تتحالف مع إسرائيل

نشر في العدد 1150

70

الثلاثاء 16-مايو-1995

المجتمع الإسلامي.. عدد 1150