; قراءة في كتاب: الحرب في عصر المخاطر | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في كتاب: الحرب في عصر المخاطر

الكاتب د. محمود المنير

تاريخ النشر الجمعة 01-مايو-2020

مشاهدات 72

نشر في العدد 2143

نشر في الصفحة 60

الجمعة 01-مايو-2020

  • كان بإمكان أمريكا أن تردع صدام حسين عن غزو الكويت لكن الردع كان باهظاً.
  • القضايا السياسية الجوهرية في كل مجتمعاتنا هي تبرير للمخاطر التي يُطلب منا إدارتها.
  • نعيش في عصر المخاطر الذي بدأت تتشكل معالمه في الحقبة النووية.
  • العلم بالمخاطر يخلق مزيداً من المخاطر التي تتعين معالجتها وإدارتها وتنظيمها والسيطرة عليها.
  • لم يبق في وسعنا تجنب المخاطر أو وقف التقدم التقني.
  • الفيروسات تصيب الناس بالهلع لأنها مجهزة بشكل مثالي للغاية لتنفيذ هدفها بافتراس صور الحياة الأخرى.
  • إدارة المخاطر تتطلب نزع أسلحة الدمار الشامل أو الحد منها ولو باستخدام القوة.
  • عصرنا هو عصر ما بعد الحداثة لا يخشى المرض لكننا أصبحنا أكثر قلقاً بسبب ظهور الفيروسات الخفية.

بيانات الكتاب:

عنوان الكتاب: الحرب في عصر المخاطر. 

المؤلف: كريستوفر كوكر.

عدد صفحات الكتاب: 293 صفحة.

الطبعة الأولى: 2012م.

سلسلة دراسات مترجمة رقم 47.

ترجمة: كرم أحمد عبد اللاه.

الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، الإمارات.

نبذة عن المؤلف: 

البروفيسور «كرستوفر كوكر»، مفكر وأكاديمي إنجليزي، يعمل أستاذاً للعلاقات الدولية في كبرى الجامعات العالمية، وتتميز مؤلفاته بأنها تجمع بين النهج العلمي الأكاديمي، فيما تصدر كذلك عن استخدام الرؤى الإبداعية التي تؤدي إلى توسيع آفاق التصوّر بالنسبة لمراحل المستقبل، ومنها كتابه عن الصراع في أفغانستان، وكتابه عن حلف «ناتو» وأفريقيا، فضلاً عن كتابه بعنوان «إمبراطوريات تتصارع: الانشقاق المتسع بين أوروبا والولايات المتحدة»، وكتابه «حروب المستقبل».

هذا الكتاب: 

لقد تغير تفكيرنا في الحروب، من حيث كيفية إدراكها وطريقة خوضها، بشكل كبير عبر الزمن، وعلى حين كان يُنظر إلى الحرب في الماضي على أنها تصارع إرادات، يبيِّن هذا الكتاب كيف تطورت الحرب لتصبح إدارة للمخاطر.

يبرز «كريستوفر كوكر» الفوارق المتنامية بين الأمن الداخلي والأمن القومي في العصر الحديث، موضحاً أن الدفاع عن المواطن الآن بات تحدياً أكبر من الدفاع عن الدولة، ويقدِّم، من خلال كشف السمات والتعقيدات المتغيرة للصراع -من الحرب العالمية الأولى إلى مكافحة الإرهاب حالياً- عرضاً قوياً ومميزاً لتطور مفهوم الحرب في عصر محفوف بالمخاطر، ويرى أن بيت القصيد أن ثمة تحولاً في كل عصر (طريقة جديدة لرؤية وفهم تماسك العالم)؛ فعصرنا هو عصر المخاطر، وانعدام الأمن هو سمته المميزة، وإذا صح قول «سانت بيف» بأن لكل عصر علته الخاصة به، فربما يكون القلق هو علة عصرنا هذا، وإذا كان الهدوء عرضاً عادياً بما يكفي للوجود الإنساني، فإنه يمكن أن يتحول إلى عُصاب عميق يغذي القلق ذاته.

محتويات الكتاب: 

يضم هذا الكتاب مقدمة وستة فصول، جاءت على النحو التالي:

الفصل الأول: مجتمع المخاطر في الحرب.

الفصل الثاني: التعقيد والحرب.

الفصل الثالث: الحرب في عصر المخاطر.

الفصل الرابع: إدارة العواقب.

الفصل الخامس: الأبعاد الجيوسياسية لإدارة المخاطر.

الفصل السادس: عسر المخاطر.. أسباب للاستياء.

مجتمع المخاطر في الحرب

يشرح «كوكر» في الفصل الأول دراسات حالة لمجتمع المخاطر في الحرب، ومنها حرب الخليج ومساوئها، حيث يعتبرها أول صراع لعصر المخاطر؛ ذلك أن غزو الكويت الذي تسبب في نشوبها كان متوقعاً؛ حتى إن العسكرية الأمريكية كانت قد تدربت عليه في العام الذي سبق، وهناك يطرح «كوكر» فكرة محورية يدور حولها الكتاب؛ وهي أن عصر المخاطر يعطي أولوية للتنبؤ بالأحداث وإعداد السيناريوهات رغم أنه لم يتقن إلا في السنوات الأخيرة للحرب الباردة، ويرى المؤلف أن المشكلة تكمن بالإخفاق في اتخاذ إجراءات وتدابير بناء على السيناريوهات والتوقعات؛ فأمريكا قد تنبأت –بحسب المؤلف– بغزو الكويت، وكذلك بهجمات الحادي عشر من سبتمبر، ويرى أن المنطق القاسي للمخاطر هو أن دفع تكلفة التعامل مع ما يعقب الكارثة (إذا تم تحديدها) أرخص من الاستعداد للحدث ذاته في مسارح مختلفة، وهناك فرق كبير بين توقع حدث ما والاستعداد له.

ويرى «كوكر» أنه كان بإمكان الولايات المتحدة أن تردع صدام حسين عن غزو الكويت، لكن الردع كان باهظاً، وما حدث هو أن الولايات المتحدة أُخذت بهجوم صدام على الكويت، وأن تكلفة حرب الخليج (1990 - 1991م) التي أعقبت ذلك لم تكن رخيصة، رغم أنها الحرب الأولى التي أصدرت فيها الولايات المتحدة فاتورة، فقد ساهمت المملكة العربية السعودية واليابان وألمانيا في تكلفة الحملة، وعندما وقعت الحرب أدهشت العالم؛ فعلى حين استغرقت الحرب الجوية ستة أسابيع لم تستغرق الحرب البرية إلا 100 ساعة فقط! وبلغ عدد الطلعات الجوية نحو 1300 طلعة، وأسقط نحو 2000 قنبلة، ومن بين هذه القنابل سقط أكثر من الثلثين في نطاق عشرة أقدام من نقطة الهدف، وكان استخدام القوة الجوية هو الخيار المحبذ لدى الغرب في المرحلة التي أعقبت تحرير الكويت.

ولتلطيف مخاوف الرأي العام، كان على إدارة «بوش» أن تطمئن الرأي العام إلى أن الحرب ستكون إلى حد بعيد خالية من المخاطر، ويرى المؤلف أن سيناريو الحرب كتب قبل أن تقع، وكانت «مبرمجة قبلاً»، وكانت «الثورة في الشؤون العسكرية» جزءاً من النص، وكذلك تعبيرات من قبيل «الحماية الشاملة الأبعاد»، و»الهيمنة الكاملة»، و»الاشتباك الدقيق».. كانت هذه التعبيرات الأيدولوجية للحديث عن الحرب في التسعينيات لإيهام الرأي العام بقلة المخاطر الناتجة عن هذه الحرب، ومع ذلك كله؛ لم تكن «عاصفة الصحراء» حرباً بلا خسائر، فليس من حرب هي كذلك، وإن كانت المحصلة النهائية للخسائر لا تزال قيد النقاش.

وبناء على ما سبق، يقول «كوكر»: إن «عاصفة الصحراء» هي أول صراع في العصر الجديد، وقد استمرت تبعاتها مدة طويلة، ولهؤلاء الذين عاصروها وشاهدوها على القنوات الإخبارية كل ليلة، يمكن الحديث عن الأحداث ليس «قبل حرب الخليج»، ولكن ببساطة وبصراحة أكبر «قبل الحرب»؛ ذلك أنه باتت لعصر المخاطر الآن حرب خاصة به.

عصر المخاطر الذي نعيشه

يخلص «كوكر» من خلال عرضه لدراسات الحالة التي قدمها في كتابه أن عصر المخاطر الذي نعيشه اليوم يهتم بإدارة المخاطر في كل شيء، وأن القضايا السياسية الجوهرية في كل مجتمعاتنا هي تقليص أو تبرير للمخاطر التي يُطلب منا إدارتها، ولقد أضحت المخاطر هي اللغة الشائعة للحياة الحديثة، فأصبحت لغة الأعمال، والسياسة، والسياسات العامة، ومن ثم ينبغي ألا نندهش من أن تصبح لغة الحرب كذلك.

لعل ما يحاول الكاتب أن يؤكده في هذا الكتاب هو أننا نعيش في عصر المخاطر الذي بدأت تتشكل معالمه في الحقبة النووية، وأننا اعتقدنا في السابق أن التقانة هي شكل من أشكال «التبسيط الوظيفي»، أتاح للمشغل والمبرمج البشريين وهماً بالتحكم، وما إن أدركنا أن الحوادث «شيء عادي»، وأن شبحها سيظل دائماً، بل وفي أكثر الأجهزة تطوراً، حتى كان علينا أن نعيد التفكير في موقع التقانة في حياتنا بشكل عام، وبمجرد أن نرضى بأن النظم الدبلوماسية المترابطة بإحكام في الأغلب تخفق، يجب علينا تطوير نظم أكثر مرونة وقدرة على امتصاص الصدمات، وذلك للحيلولة دون نشوب الحرب بين القوى الرئيسة درءاً للمخاطر.

ويؤكد «كوكر» أنه يجب علينا أن ندرك أن الوفرة -مثل السرعة- لا تتحدى بذاتها مبادئ الحرب أكثر من تحديها الفعلي لقوانين الاقتصاد، فالموارد الوفيرة لا تتحدى الأسس الاقتصادية التقليدية؛ لأنها ببساطة تخدم خفض الأسعار وزيادة الإنتاجية، وكذلك فإن الشيء ذاته أيضاً في الحرب، فلم تمنح الوفرة النصر للحلفاء في الحرب العالمية، وقد خسرت قوى المحور والقوى المركزية؛ لأنها توقعت أن سلسلة من الانتصارات التكتيكية المثيرة للاهتمام ستكون كافية للفوز بمبادرة إستراتيجية، لقد خسروا لأنهم تجاهلوا تعقيد الحرب، بما في ذلك محصلتها الصفرية.

العقيدة الاستباقية

ويطرح «كوكر» رؤية واضحة لشكل الحرب في السنوات القادمة، حيث إن منطق مفهوم استيطان المخاطر غيّر بشكل أساسي المفاهيم التقليدية للأمن منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وقاد إلى مفهوم الحرب «الطويلة»، أو «الحرب التي لا تنتهي»، وهي سياسة غير إستراتيجية تحركها تكتيكات إدارة المخاطر، سياسة تغرق الغرب في عملية لا نهاية لها من إدارة المخاطر، بحيث غدا مجتمعاً في حال دفاعية دائمة، فالمخاطر تدفع إلى تطور المؤسسات المصمّمة لمعالجة تلك المخاطر، والعلم بتلك المخاطر يخلق بدوره مزيداً من المخاطر التي تتعين معالجتها، وإدارتها، وتنظيمها، والسيطرة عليها، وفي حال الحرب؛ فإن هذا قد أعلى من شأن العقيدة «الاستباقية» التي تعود بجذورها إلى المبدأ الاحترازي.

ويلخص «كوكر» المشكلة التي تواجهها مجتمعاتنا في هذا العصر؛ وهي أن فوائد اتباع مسار عمل معين ربما تفوق المخاطر، ولكننا لا نمتلك عملة مشتركة نقارن بها العواقب المختلفة؛ فكل مفاهيم المخاطر تبنى على أساس التمييز بين الواقع والمحتمل، ولن يكون المفهوم ذا معنى إذا كان المستقبل مقرراً مسبقاً، أو مستقلاً عن أفعالنا، والمخاوف بشأن المستقبل مرتبطة بالقلق بشأن النتائج التي تنتج عن أفعالنا؛ ذلك أن كثيراً من المخاطر التي نجابهها تصاحبها عواقب غير مقصودة لأفعالنا. 

ويرى «كوكر» أن المخاطر أصبحت سمة بنيوية للتصنيع المتقدم، ولم يبق في وسعنا تجنب المخاطر مثلما لم يبق في وسعنا وقف التقدم التقني، والأخطار المعاصرة -ولا سيما تلك المصاحبة للتقنيات الجديدة- تختلف عن مخاطر الماضي، ذلك أنه لا يمكن رسم حدودها، سواء من حيث التوقيت أو المكان (ما يحدث على بُعد آلاف الأميال في الأمازون يمكن أن يؤثر فينا جميعاً)، كما لا يمكن التنبؤ بها دائماً من خلال تطبيق القواعد ضد الكوارث التي ربما تحدث، رغم أن إدارة العواقب هي المنطق السائد لإدارة المخاطر، فنحن نعرف أن المخاطر التي نواجهها لا تنشأ دائماً جراء قرارات سيئة، أو تفكير إستراتيجي غير كاف، أو حتى افتقار إلى الخيال، ففي الأغلب تنشأ من حقيقة أن كل شيء تفعله عادة ما تكون له آثار جانبية.

وأصبحت المخاطر الاجتماعية غير محدودة من حيث إنها آخذة في الاستعصاء على نحو متزايد، ومن يمكن تحميله مسؤولية انتشار الأمراض، فالفيروسات بطبيعتها قاتل صامت وغير مرئي، يتكاثر ويعيش خلسة في خلايا الكائن الحامل له، وفي الأغلب نحن لا نعرف أننا مصابون حتى وقت متأخر للغاية، وتصيب الفيروسات الناس بالهلع؛ لأنها مجهزة بشكل مثالي للغاية لتنفيذ هدفها بافتراس صور الحياة الأخرى.

والقلق هو الاسم الذي نمنحه لافتقارنا إلى اليقين، لجهلنا بماهية التهديد، وعجزنا عن تحديد ما يمكننا وما لا يمكننا فعله لمجابته، ويبدو حقاً أن المقاييس التي نعتمدها تعد مما يعمق شعورنا بنذر الشر.

ويرى «كوكر» أننا ما زلنا نخاف الأحداث السياسية، رغم أننا اليوم أكثر قلقاً في الأعم الأغلب بشأن نيات الفاعلين من غير الدول منا بشأن الدول، ولقد تنبأ بهذا «ولز»، كاتب الخيال العلمي، في قصة بعنوان «بكتيريا الباسيلس المسروقة»، التي كتبت عام 1895م، وتصف شخصاً فوضوياً يحقن نفساً بالطاعون حتى يستطيع أن ينقل العدوى لمن حوله بشكل سري، وفي هذه الرواية يضع «ولز» يده على المشكلة؛ فالفيروس ليس هو الخطر، بل السلوك البشري هو الخطر.

إدارة المخاطر

ويؤكد «كوكر» أن إدارة المخاطر تتطلب التعامل مع نزع (أو الحد من) أسلحة الدمار الشامل، ولو باستخدام القوة تقويماً لتكلفة التدخل بشكل استباقي مقابل عدم التدخل في الوقت المناسب، كما تستلزم تقويماً لتكلفة استفزاز النظام في كل حالة للقيام بأعمال انتقامية على جبهات أخرى (الإرهاب)، وهي التي قد تؤدي إلى إضعاف الثقة بقرار الحكومة في الداخل، ومن ثم؛ فإن كلاً من التقصير في اتخاذ الإجراءات الكافية، أو الإفراط في اتخاذ الإجراءات، سواء بسواء، يؤدي إلى نتائج قاتلة.

في الختام، هذا الكتاب الذي يمزج على نحو شائق وفريد بين العلوم السياسية والاجتماعية والفلسفية، يثير حواراً وجدلاً بين دارسي السياسة الدولية، فضلاً على أنه يستحوذ على اهتمام أي شخص يرغب في فهم الحرب ومكانتها في المجتمع المعاصر، ولا سيما أن مؤلِّفه (كريستوفر كوكر) يوصف بأنه أحد أبرز المحللين الإستراتيجيين، ومن أهم فلاسفة الحرب المعاصرين.

خلاصات الأفكار: 

يمكن أن نخلص لجملة من الأفكار المحورية التي أراد «كوكر» أن يؤصل لها في كتابه، منها: 

- الشعور بعدم الأمان ليس محض حقيقة واقعية للبيئة التي نعيش فيها، بل أصبح حالة وجودية، والأثرياء من الأفراد الذين يمكنهم دفع تكلفة توفير الأمن سوف ينقذون أنفسهم من البيئات الخطرة.

- في عالم ما وراء الدولة القومية هناك شبكة عالمية من القوة السياسية والعنف تعطي المواطن الذي يشعر بالغربة إمكانية كاملة للوصول إلى التقنيات القاتلة التي يمكن أن توجه ضد الدولة، أو ضد رفاقه المواطنين في الداخل.

- لقد أصبحت الرعاية الصحية الطبية مهمة، حتى إنها غيّرت وجه الحرب خلال السنوات العشرين التالية للحرب العالمية.

- عصرنا هو عصر ما بعد الحداثة لا يخشى المرض، لكنه مخيف ومثير للقلق، وما يجعلنا قلقين هو معرفة أنه لا يمكن القضاء على المرض أبداً، ولقد أصبحنا أكثر قلقاً بسبب ظهور الفيروسات الخفية.

الرابط المختصر :