; قراءة في رسالة "أوباما" للعالم الإسلامي(٢).. انحياز لـ"إسرائيل".. وتحالف مع الاستبداد | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في رسالة "أوباما" للعالم الإسلامي(٢).. انحياز لـ"إسرائيل".. وتحالف مع الاستبداد

الكاتب أحمد عز الدين

تاريخ النشر السبت 20-يونيو-2009

مشاهدات 67

نشر في العدد 1857

نشر في الصفحة 22

السبت 20-يونيو-2009

  • يتجاهل الرئيس الأمريكي الإشارة إلى مصالح الغرب في إيجاد كيان دخيل في قلب المنطقة العربية الإسلامية كما يتجاهل دور الغرب في صناعة المشكلة اليهودية.
  • "أوباما" لا يرى إلا ما يحقق مصلحة بلاده أما ما يتعلق بالسياسات الداخلية للحلفاء المستبدين التي تختلف جذريا مع المبادئ التي ترفعها أمريكا فإن التبرير جاهز وهو أنه لا ينبغي على أية دولة أن تفرض نظاما للحكم على دولة أخرى.

تناولنا في مقال سابق بعضاً من أفكار الرئيس الأمريكي "أوباما" التي طرحها في رسالته للعالم الإسلامي يوم الرابع من يونيو الجاري، ونواصل محاولة "تفكيك" عناصر الرسالة وربطها كما قلنا بالمواقف لنرى مدى ارتباط الأقوال بالأفعال.

وقد تناول المقال السابق علاقة «أوباما» وأمريكا بالإسلام، وحديثه عن إمكانات العمل المشترك، ومحاولته الزج بالإسلام في مواجهة مع بعض أبنائه لصالح أمن أمريكا ؛ لأن "التطرف العنيف" يمكن أن ينتشر ويهدد العالم، وكيف برر غزو أفغانستان فيما اعتبر احتلال العراق عملا كان يمكن تجنبه.

الانحياز لـ"إسرائيل"

أسوأ ما قاله "أوباما" كان متعلقا بأكبر قضية تهم العرب والمسلمين وهي فلسطين، فقد أكد متانة الأواصر بين أمريكا و"إسرائيل" لدرجة لا يمكن قطعها، وهي في رأيه أواصر تستند إلى علاقات ثقافية وتاريخية متجاهلاً بالطبع الإشارة إلى مصالح الغرب في إيجاد كيان دخيل في قلب المنطقة العربية الإسلامية. واعتبر "أوباما" أن "رغبة اليهود في وجود وطن خاص لهم هي رغبة متأصلة في تاريخ مأساوي لا يمكن لأحد نفيه"، وما دام اليهود يريدون ذلك فعلى الجميع الإذعان حتى لو تحققت هذه الرغبة بإخراج الفلسطينيين من ديارهم وتشريدهم وقتلهم إذا قاوموا الرغبة اليهودية! وكأن الفلسطينيين هم المسؤولون عن هذا التاريخ المأساوي لليهود، دون إشارة إلى دور الغرب في خلق المشكلة اليهودية.

ويقر "أوباما" بكل دعاوى المحرقة التي جرت لليهود في ألمانيا النازية، وما أدخل عليها من مبالغات، وقد قام عقب زيارته للقاهرة مباشرة بزيارة معسكر "بوخنفالد"، أحد معسكرات اعتقال اليهود، حيث ذرف الدموع على من ماتوا منذ أكثر من ٦٠ عاماً، بينما لم يذرف دمعة واحدة على ضحايا محرقة غزة التي لم تجف دماؤها، ومحارق فلسطين المشتعلة منذ النكبة، مكتفيا بالقول: "لا يمكن نفي أن الشعب الفلسطيني مسلمين ومسيحيين قد عانوا أيضاً في سعيهم إلى إقامة وطن خاص لهم (الوطن كان موجودا بالفعل لكنه سُلب).

وقد تحمل الفلسطينيون آلام النزوح على مدى أكثر من ٦٠ سنة حيث ينتظر العديد منهم.. لكي يعيشوا حياة يسودها السلام والأمن.. وضع الفلسطينيين لا يُطاق، ولن تدير أمريكا ظهرها عن التطلعات المشروعة للفلسطينيين، ألا وهي تطلعات الكرامة ووجود الفرص ودولة خاصة بهم.

شعبان لكل منهما طموحاته المشروعة ولكل منهما تاريخ مؤلم يجعل من التراضي أمراً صعب المنال.. ولكننا إذا نظرنا إلى هذا الصراع من هذا الجانب أو من الجانب الآخر فإننا لن نتمكن من رؤية الحقيقة؛ لأن السبيل الوحيد للتوصل إلى تحقيق طموحات الطرفين يكون من خلال دولتين يستطيع فيهما "الإسرائيليون" والفلسطينيون أن يعيشوا في سلام وأمن".

ولا ندري كيف يمكن تحقيق طموحات الفلسطينيين إذا جرى:

- سلب ۸۰ % من أرض فلسطين لإقامة كيان دخيل.

- حرمان الملايين من حق العودة لديارهم وتهجير من بقي من فلسطيني أرض ٤٨ بحجة أن "إسرائيل" دولة يهودية خالصة .

- تخلي الفلسطينيين عن حق المقاومة لأن رجل البيت الأبيض يرى أن "المقاومة عن طريق العنف والقتل أسلوب خاطئ ولا يؤدي إلى النجاح.

"أوباما" يتذكر جيداً ما يلحق باليهود، ولا يتذكر إلا القليل جدا من العدوان الصهيوني على الفلسطينيين، ولا يلوم "عنف الدولة" الذي تقوم به "إسرائيل"؛ لأن بلاده شريك في هذا العنف كما تمارس العنف نفسه في مناطق أخرى من العالم.

إنه يفرق بين حق الشعوب في المقاومة ولو باستخدام القوة، وحق الدولة في استخدام القوة ولو ظلما وعدوانا الأول في رأيه مرفوض رغم أنه حق، والثاني مقبول ومبرر حتى لو كان ظلماء وهو يستشهد بمعاناة السود في أمريكا طوال قرون من العبودية "ولكن العنف لم يكن السبيل الذي مكنهم من الحصول على حقوقهم الكاملة والمتساوية بل كان السبيل إلى ذلك إصرارهم وعزمهم السلمي على الالتزام بالمثل"!! ألا يدرك "أوباما" ومستشاروه الفارق بين الحالتين: في أمريكا جاء البيض والسود مهاجرين أو مهجرين، ولم تكن لأحد الجنسين ميزة إضافية في الانتماء للوطن بينما الفلسطينيون هم أصحاب الوطن واليهود دخلاء، ثم: هل أثيرت في التاريخ الأمريكي فكرة تهجير السود أو إقامة وطن بديل لهم؟ وهل جرى تنفيذ خطة من هذا النوع ؟ هل تحدث أحد عن "بيضاوية" الدولة التي لا تقبل وجود أسود بها كما يتحدث الصهاينة عن "يهودية إسرائيل" ويؤيدهم في ذلك "أوباما" وإدارته ؟

إملاء الشروط على حماس

وإذا كان "أوباما" قد اعترف بأن المقاومة الإسلامية: حماس تحظى بالدعم من قبل بعض الفلسطينيين (والحقيقة أنهم أكثرية الفلسطينيين وفق ما أظهرته الانتخابات التشريعية عام ٢٠٠٦م) فإنه في المقابل لم يتوقف عن فرض الشروط على "حماس"، وهي الشروط ذاتها التي وضعتها اللجنة الرباعية:

- أن تضع حداً للعنف، بمعنى أن تمتنع عن مقاومة الاحتلال.

- وأن تعترف بالاتفاقات السابقة التي تقر بالتخلي عن الأرض للمحتل.

- وأن تعترف بحق "إسرائيل" في البقاء، رغم أن "إسرائيل" لا تعترف بحق الفلسطينيين في إقامة دولة لهم ولو على الفتات المتبقي من وطنهم السليب.

القدس: تضمنت رسالة "أوباما" إشارة غامضة إلى مدينة القدس باعتبارها وطنا دائما لليهود والمسيحيين والمسلمين، ليجدد الحديث الذي خبا عن تدويل القدس هو حديث لا يُعجب المسلمين ولا اليهود على السواء، لأن القدس قضية مركزية في الصراع.

طريق التنازلات لا نهاية له

كلما قدّم العرب تنازلا لم يكتف الصهاينة به وطمحوا لما هو أبعد منه، وهكذا فعل "أوباما"، فمبادرة السلام العربية التي تعطي "إسرائيل" الأرض مقابل السلام غير كافية، وعلى الدول العربية أن تعترف بأن مسؤولياتها لا تنتهي بالمبادرة، بل يجب أن تكون المبادرة سببا لحثهم على مساعدة الشعب الفلسطيني على الاعتراف بشرعية "إسرائيل"! إنه يطلب من الدول العربية علانية وصراحة أن "تساعد" الشعب الفلسطيني على الاعتراف بحق "إسرائيل" في احتلال أرضه ويترك للدول العربية أن تختار أشكال المساعدة فمنها من يستطيع أن يمنع المساعدات، ومنها من يحاصر غزة، ومنها من يضغط على منظمات المقاومة، وكل يعمل على شاكلته.

ولا يقف الأمر عند حدود العرب بل إن كثيرين» من المسلمين يدركون في قرارة أنفسهم أن "إسرائيل" لن تختفي وقد آن الأوان للقيام بعمل يعتمد على الحقيقة التي يدركها "الجميع"، حقا إنها رسالة موجهة للمسلمين ولكنها رسالة دعم وتأييد للصهيونية.

إيران

وعن النشاط النووي الإيراني يرى أن الأسلحة النووية لا ترتبط بمصالح أمريكا، ولكنها ترتبط بمنع سباق للتسلح النووي قد يدفع بالمنطقة إلى طريق محفوف بالأخطار ويدمر النظام العالمي لمنع انتشار الأسلحة النووية !! وهنا أيضاً يتجاهل "أوباما" حقيقة امتلاك "إسرائيل" ترسانة من الأسلحة النووية تهدد المنطقة وتدفع دولها لامتلاك السلاح ذاته وفي مقابل تشديده على التزام أمريكا بالسعي من أجل عدم امتلاك أي من الدول للأسلحة النووية فإنه يرى أن من حق إيران الوصول إلى الطاقة النووية السلمية إذا امتثلت لمسؤولياتها بموجب معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية.

الديمقراطية

يقول "أوباما": إنه يؤمن بنظام الحكم الذي يسمع صوت الشعب ويحترم حكم القانون وحقوق البشر ، ولكن ما نتيجة هذا الإيمان وما انعكاساته على علاقة أمريكا بالأنظمة المستبدة؟ قبل إلقاء الخطاب بأيام قلائل تحدث "أوباما" إلى تلفزيون "بي بي سي"، وكان هناك سؤال: عما إذا كان يعتبر الرئيس المصري حاكما سلطويا؟ في الإجابة اعتبر "أوباما" الرئيس مبارك "حليفا مخلصا وقويا بكثير من الأشكال للولايات المتحدة"! لماذا؟ الإجابة: لأنه حافظ على السلام مع "إسرائيل"، ولذلك فهو قوة للاستقرار والخير في المنطقة !! إنه لا يرى إلا ما يحقق مصلحة بلاده، أما ما يتعلق بالسياسات الداخلية لأولئك الحلفاء والتي تختلف جذريا مع المبادئ التي ترفعها أمريكا فإن التبرير الذي نسمعه باستمرار والذي قدمه "أوباما" أنه لا ينبغي على أية دولة أن تفرض نظاما للحكم على دولة أخرى !! وهو مبدأ جميل لا تختلف حوله، ولكن لماذا تهاجم أمريكا أنظمة أخرى غير حليفة لأمريكا لمجرد كونها استبدادية، وتتغاضى عن أنظمة أكثر استبدادية لأنها حليفة لها؟ صحيح أن "أوباما" أكد التزامه تجاه الحكومات التي تعبر عن إرادة الشعب، وأن أمريكا تحترم حق جميع من يرفعون أصواتهم للتعبير عن آرائهم بأسلوب سلمي حتى لو كانت آراؤهم مخالفة لآرائنا"، وقال: إنه لا يفترض أن تكون نتائج الانتخابات السلمية هي النتائج التي تختارها ،أمريكا بما يعني قبوله بوجود حكومات لا تتفق مع السياسة الأمريكية، وأن بلاده سوف ترحب بجميع الحكومات السلمية المنتخبة شرط أن تحترم جميع أفراد الشعب في ممارستها للحكم، لكنه في المقابل لم يعلن سحب تأييده وتعاونه وتحالفه مع حكومات استبدادية لا تسمع صوت الشعب ولا تحترم حكم القانون بل لجا للحجة التي يرددها كثير من أبواق الاستبداد في مواجهة الإسلاميين خاصة حين قال: إن البعض لا ينادون بالديمقراطية إلا عندما يكونون خارج مراكز السلطة، ولا يرحمون الغير في ممارساتهم القمعية لحقوق الآخرين عند وصولهم إلى السلطة، وهو لم يحدد مَنْ يقصد، ولكن أنصار الاستبداد يسرهم كثيرًا أن يسمعوها منه.

الرابط المختصر :