العنوان قراءة في ديوان شعر إسلامي معاصر : أجل.. سيأتي الربيع
الكاتب خالد البيطار
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أكتوبر-1987
مشاهدات 174
نشر في العدد 839
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 20-أكتوبر-1987
شعر خالد البيطار
ربيع الشام رائق جميل، افتتن به الشعراء؛ سواء من عايشه كالبحتري الذي استشهد بديباجته الشعرية المنعكس فيها جمال الطبيعة، ورقة نسيمها، واختلاف ألوان زهورها؛ حيث يقول:
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكًا *** من الحسن حتى كاد أن يتكلما
أم من مر عليه ففتنه جماله، وآسر لبه روعته كأحمد شوقي إذ يقول:
آمنت بالله واستثنيت جنته فأي ربيع هذا الذي ينتظره شاعر شامي الهوى والوطن في ديوانه، (أجل سيأتي الربيع)؟
أهو ربيع البحتري وشوقي؟ قد لا نشك في ذلك؛ لأن الشاعر ابن مدينة حمص. وما أدراك ما حمص؟! نقل العرب هواها إلى الأندلس، فأطلقوا على مدينة أشبيلية اسمها! وحري بها أن تكون لها هذه الشهرة في الجمال، وقد أحالها نهر العاصي إلى جنات وبساتين مورقة، وقام على أطرافها متنزه الديماس. ومن بعد علق هواها في قلوب المهجريين، فجعلوا يناجونها في غربتهم، ويتشوقون إلى حجارتها السود.
وهذا الربيع الذي سيأتي ضمه ديوان تجاوز مائة صفحة بصفحتين، وجمع بين دفتيه ثلاثين قصيدةً وأربع مقطعات، امتد زمنها من عام ١٩٦٢ إلى عام ٠١٩٨٤
والشاعر بحسه المرهف، ومشاعره الرقيقة تهفو نفسه إلى الربيع وإلى طيوره الصادحة، فيقف يستمع إلى بلبل تائه، ليجد في تغريده أو شكواه بعض السلوى، وليحمله بعض ما يجد.
إن تكن أخطأت في السير وضيعت الطريق
أنت قد ترجع للروض غدًا قبل الشروق
وأنا أبقي أسير البعد والليل الطويل
فإذا طرت وحيدًا في متاهات الدروب
فستستهدي مع الإشراق في الصبح القريب
وانا أبقى غريب الدار، ما لي من سبيل
ويحاول الشاعر أن يصرف همومه بالربيع، وربيع الشام له طعم خاص قد لا يشبهه
ربيع، وفي قصيدته «متى يعود» يقف أمام إحدى لوحاته الرائعة
عاد الربيع إلى الربا *** بجماله الزاهي الرطيب
واخضوضرت تلك الهضاب *** وكان منظرها كئيب
ما أجمل الدنيا بزينتها *** وزخرفها العجيب
وتظن أن الشاعر سينسى همومه، ويلقي بنفسه في حضن الطبيعة فيفاجئك بأن هذا الربيع ليس الربيع الذي ينتظر؟!!
عاد الربيع فيا سهول *** ترنمي، عاد الحبيب
عاد الربيع إلى الحياة *** منى يعود إلى القلوب؟
ونمسك بهذا السر، ونقبض أيدينا على المفتاح الذي يفتح لنا دفتي الديوان لندخل ونبحث عن ربيع القلوب، ونصغي إلى الشاعر، وهو يؤكد لنا أنه آتٍ، فلا تغرنكم مناظر الجفاف، ولا يهولنكم الأسى ولا يتبعنكم السرى في ليل الأحزان، ولا ترهق قلوبكم إذا سمعتم صرخة من هنا، وصيحة استغاثة من هناك.
سيأتي الربيع ربيع القلوب *** سيأتي وينفح أزكى الطيوب
أجل، وسيذهب عهد الجفاف *** ويبتسم الروض عما قريب
ونحن، وإن كنا نؤمن أن الربيع الذي وعد به الشاعر آتٍ، لا نرتاب في ذلك، إلا أننا نحب أن نطوف مع الشاعر، ونشاركه بعض هومه وإن أدمت أقدامنا الأشواك، وقرحت جفوننا دموع الحزن- فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم - فكيف والهم همنا، والربيع الذي ينتظره الشاعر أمل يلوح لنا، ونحن به مغرمون؟
غصب الطاغوت روضي ومضى *** يهلك الحرث ويفني الولدا
عاث في الأرض فسادًا علنًا *** دون أن يرحم فينا أحدًا
أما لماذا فعل الطاغوت فعلته هذه؟ ولماذا انطلق يعيث في الأرض فسادًا؟ فتعليل ذلك لدى الشاعر:
وبنو الحق استراحوا للهوى *** وأولو الفكر أضاعوا الرشدا
قنعوا بالزخرف الفاني فلم*** يبصروا الوجه القبيح الأسودا
واستكانوا طمعًا في منحه *** مرتعًا خصبًا وعيشًا ارغدا
وقبل أن نصاب باليأس لما حل في ذلك الروض، وتخدعنا زيوف الباطل، تنطلق صيحة الحق لتذكرنا بماضٍ مجيد، وبعقيدة نعيش من أجلها تدفعنا لانطلاقة الحاضر ومطمح المستقبل في دعوة للتغيير:
يا أخي ما هذه أخلاقنا *** نحن لم نخضع لضيم أبدًا
نحن كنا أن دجا الخطب بنا *** نمتطي الهول ولا نخشى الردي
لم نعد في التيه نخطو إننا *** أمة قد عرقت درب الهدى
وما أشد أن يدعو الداعية الناس إلى الخير، ويستفرغ جهده ثم يجدهم بمضبون كالقطيع، بلا غاية، يخدعه السراب وهو سائر إلى حتفه، وتعنو منه الرقاب لذابحها برضى لتكون النهاية ذلًا وصغارًا:
لقد هان هذا القطيع الجهول *** وصار ذليلًا من الصاغرين
لقد ترك الله في كل أمر *** إلى صنم صاغه العابثون
وصارت أمانيه أكلًا وشربًا *** وجنسًا ولهوًا وفرشًا ثمين
كذاك البهائم هذا مناها *** ومن ثم فليركب الراكبون
وهؤلاء لم يكونوا قطيعًا ولا شبه قطيع، ولكنها الاستكانة للظالمين والذل اللعين مسخ إنسانيتهم، وقد خلقوا أحرارًا فقدوا عبيدًا للظالم يسوقهم بالعصا، ويدفعهم بالصيحة الفاجرة... ولكنهم قبل أن يذلوا لطاغية ذلوا لشهواتهم فسيرتهم كما تريد، وأوصلتهم إلى هاوية الذل...
عجبت أهذا القطيع الذليل *** حفيد دعاة الهدى الطاهرين؟!
أهذي المهازيل أحفادهم *** ذهلت... وران عليَّ السكون؟
ويظل الشاعر يلاحق هؤلاء السادرين: أن أفيقوا، فإن الله تعالى خلقكم أحرارًا، ولا
تخدعنكم صولة الباطل، ولا تذهب بأبصاركم بروق الطغاة، وأكرموا الإنسانية التي جبلكم الله تعالى عليها تكرموا أنفسكم.
ثم ينطلق يردد والدنيا تردد خلفه أن المسلم حر لا يقبل ذلًّا، ولا يسجد لطاغوت مهما ادَّلهم ليل الظالمين، فإنه قد أرخص روحه في سبيل الله، واستعلى بإيمانه، وعرف الغاية التي أجلها خلق.
المسلم حر في الدنيا *** لا يقبل أبدًا بالذل
لم يسجد للطاغوت ولا *** للظالم في أعتى ليل
قد باع الروح وأرخصها *** لله بساحات الهول
فلتعصف ريح الليل به *** سيظل يسير ويستعلي
ومن خلال الدفع بين الحق والباطل الذي لولا وجوده لهدمت صوامع وبيع ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا، ولطمست المبادئ وأسنت الحياة... من خلال ذلك، وعلى الطريق اللاحب تهوي بعض النجوم وقد كانت ملء سمع الدنيا وبصرها. ويسقط الشهداء ليكونوا
منارات على الطريق...
وقد احتوى الديوان على ثلاثة قصائد في رثاء شهداء كانوا بالأمس بيننا، ومن خلال
الفجيعة بفقدهم، والاعتزاز بالثمن الذي دفعوه، وشعور المنتظر تجاه الذي قضى نحبه يتنسم الشاعر نسائم الخلد، وقد توزعت قصائد الشاعر الثلاث على رثاء
سيد قطب -رحمه الله- في قصيدة (الشهيد)، ورثاء أحد أبناء الحركة الجهادية في بلاد الشام الشهيد سلمان في قصيدة (الشهيد الحي)، ورثاء الدكتور مصطفى السباعي طيب الله ثراه في قصيدة (يا أبا حسان).
وهذا الطريق لا بد فيه من ضرييه يدفعها أبناء الإسلام من دمائهم، من عرقهم من دموع أطفالهم ... يقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله: «أيها الشياب، إنما تنجح الفكرة إذا قوي الإيمان بها، وتوفر الإخلاص في سبيلها، وازدادت الحماسة لها، ووجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها... يا شباب، لستم أضعف ممن قبلكم ممن حقق الله على أيديهم هذا المنهاج، فلا تهنوا، ولا تضعفوا، وضعوا نصب أعينكم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: 173).
ويتخذ الشاعر من المناسبات الإسلامية متكأً للحديث عن الواقع الأليم ومقارنته بالماضي المجيد، ثم ليستنهض الهمم في دعوة للتغيير الذي يبدأ من النفس وقد أعاقها الاسترخاء والتمني عن تحقيق ما هو جدير بأمجاد سلفت، وأبطال مضوا، وإنما هي دعوة للتأسي بهم واتخاذ منهجهم طريقة في الحياة...
نحن كنا عبر القرون هداة *** نحمل النور حيث سرنا كرامًا
غير أنا لما تركنا هدانا *** واقترفنا الذنوب والآثاما
وخلدنا إلى الهوى فضللنا *** ثم كدنا أن نعبد الأصناما
ذهبت ريحنا، وصار حمانا *** مرتعًا للأسى، وكان حراما
وإذا طال على الشاعر الاغتراب، وإذا اشتدت المحنة أطل الأمل من خلال هذه المعاناة، فالورود تنبت من الشوك، ومن سحرها يصاغ الجمال! والضياء يخرج من قلب الظلمة، والربيع لا بد آت، مهما طال ليل الشتاء ووحشته، ولا يقنط من رحمة الله قلب يعمره الإيمان والصبر نصف الإيمان.
أنا إن مزقت جراحي سهام *** وأتتني من كل أرض نصال
وفقدت الأسى وكان أنيسي *** واشرأبت من حولي الأهوال
لن تراني مستسلمًا أو يؤوسًا *** ففؤادي محصن لا ينال
ثقتي بالعلي تملأ نفسي *** وأراها هي المعين الزلال
- وبعد فإن هذا الديوان الذي امتد عمر قصائده ما بين عامي ١٩٨٤ - ١٩٦٢ والذي عاصر فترة من أهم فترات الصحوة، ورصد لها... لم يستطع أن يتخلص من إسار المأساوية التي عنونت لكثير من الأعمال الأدبية للعديد من الإسلاميين، فجاءت تحمل عمق المعاناة ونزيف الجراحات، من مثل: (جراح على الدرب للنحوي- في غيابة الجب للحسناوي- لحن الجراح للخاني- دماء على الجولان لخالد الأحمد).
- كانت القصائد في تصويرها لمآسي المسلمين، ثم للدعوة إلى التمرد على الظلم
والظالمين تحمل ضجيجًا يلهب المشاعر، ويستنفر الطاقات، فاقتربت كثيرًا من أسلوب وليد الأعظمي (في الزوابع وأغاني المعركة)، وكانت حينًا آخر في هدوئها ورقتها تقترب من أسلوب ضياء الدين الصابوني (في نفحات طيبة ورمضان أشواق وذكريات).
- طبع الديوان في عمان بالأردن- الطبعة الأولي ١٩٨٥ م - دار عمار-
ص. ب: ٩٢١6٩١
«البشيري»
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل