العنوان قراءة في تقرير دولي: المدافعون عن حقوق الإنسان في أتون الخطر
الكاتب جلال الورغي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-1998
مشاهدات 70
نشر في العدد 1328
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 01-ديسمبر-1998
تحت هذا العنوان «تونس: المدافعون عن حقوق الإنسان في اتون الخطر» أصدرت منظمة العفو الدولية يوم ٤ من نوفمبر ۱۹۹۸م تقريرًا حول أوضاع حقوق الإنسان في تونس، وقد ورد التقرير في 15 صفحة، وجاء في ملخص التقرير «تزايد استهداف دعاة حقوق الإنسان في تونس في السنوات القليلة الماضية، وليس السجن لفترات طويلة، والاعتقال لفترات قصيرة، والمضايقات بل اعتقال الأقارب والموكلين والفصل من العمل، وفرض القيود المهنية ومصادرة جوازات السفر والمراقبة المستمرة، والتنصت على المحادثات الهاتفية، وفحص رسائل الفاكس والمراسلات البريدية، وحملات تشويه السمعة سوى بعض الأساليب شديدة التنوع التي تلجأ إليها السلطات التونسية لترويع المدافعين عن حقوق الإنسان وإسكاتهم».
وسنحاول في هذا المقال أن نعرض لأهم ما جاء في التقرير بحسب ما ورد فيه من محاور.
استعرض التقرير الحالة العامة لحقوق الإنسان في تونس والدعايات التي يقوم بها النظام من أجل تقديم نفسه باعتباره أحد النماذج في احترام حقوق الإنسان مسخرًا إمكانات هائلة لتلميع سمعة تونس في المجال الحقوقي، إلا أن التقرير يستدرك بالإشارة إلى أن هذا العمل الدعائي لم يستطع أن يتستر على حالة التدهور الخطير التي ما انفكت تتزايد باستمرار في تونس، فبعد هجمة شنها النظام على حركة النهضة وإبداع آلاف من أعضائها وأنصارها السجون بمحاكمات تفتقد لأبسط الضمانات القانونية، أو بدون محاكمات وتعرض الكثير منهم إلى التعذيب، مما أدى إلى وفاة «عشرة أشخاص» في السجون بعد ذلك جاءت حملة اعتقالات أخرى شملت قيادات وأنصار حزب العمال الشيوعي التونسي بزعامة حمة الهمامي، ولم تختلف معاملتهم عما عومل به المعتقلون الإسلاميون من قبلهم واتسعت بعد ذلك دائرة الاعتقال لتشمل أنصار حركة الديمقراطيين الاشتراكيين بزعامة محمد مواعدة الذي يخضع حتى الآن للإقامة الجبرية في بيته و ممنوع من التنقل والسفر.
وخلص التقرير في مقدمته إلى أنه «مع مطلع عام ١٩٩٤م بات واضحًا بجلاء للجميع بمن فيهم الذين صمتوا عن قمع الإسلاميين أو أيدوه داخل حركة حقوق الإنسان والمعارضة السياسية في تونس أن ما قدمته السلطات على أنه إجراء ضروري «لحماية الديمقراطية» - أي تحديدًا قمع المعارضة الإسلامية - ما هو في حقيقة الأمر سوى حملة للقضاء على أي معارضة.
أول المستهدفين: يورد التقرير أن السلطات التونسية «تعتبر الدفاع عن حقوق الإنسان بمثابة تحد لها وأنه عمل تخريبي» وتبعًا لذلك يكون نشطاء حقوق الإنسان في تونس عرضة لمضايقات عديدة لا تشملهم فقط وإنما تشمل عائلاتهم وأقاربهم أيضًا، وتتراوح التتبعات في حقهم بين إجراءات قضائية وأخرى خارج نطاق القضاء.
وقد أبرز تقرير منظمة العفو الدولية سلسلة طويلة من أبرز الوجوه النشطة في مجال الحقوق التي كانت عرضة للاعتقال ثم التتبع القضائي، وأبرز هؤلاء خميس قسيلة نائب رئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان «يساري» وهو محكوم عليه بثلاث سنوات سجنًا وبغرامة مالية، وقد اتهم قسيلة بتقويض النظام ونشر معلومات كاذبة والتحريض على الخروج عن القانون، كما فصل من عمله، وكان قبل اعتقاله يتعرض للتهديد المستمر وتم تخريب سيارته، وتتعرض زوجته وأبناؤه لمضايقات مستمرة حتى اليوم، وتحدث التقرير بعد ذلك عن المحامية المعروفة وعضو نقابة المحامين راضية النصراوي «شيوعية» وقد وجه لها قاضي التحقيق تهمة «الإرهاب» وإقامة صلات بعصابة إجرامية، وقد تعرضت النصراوي إلى ضروب شتى من المضايقات، فقد صودر جواز سفرها ومنعت من السفر في حالات كثيرة، كما حكم على زوجها حمة الهمامي بتسع سنوات سجن، وجرت مداهمة مكتبها أكثر من مرة وأتلفت جميع ملفات موكليها، وتعرضت ابنتها لمحاولات اختطاف وخضعت للتحقيق حول أنشطة والديها في أكثر من مرة.
أما خميس الشماري الخبير الدولي في حقوق الإنسان والحاصل على جوائز حقوقية عديدة، فقد حكم عليه بالسجن، وتعرضت زوجته لاعتداءات شتى، وفي الأخير اضطر الشماري إلى أن يغادر البلاد نهائيًا بعد أن حرم من كل حقوقه وتعرض التقرير إلى نجيب حسني وهو حقوقي معروف كان عرضة لشتى ضروب الإهانة، ولفقت له تهمة تزوير عقد، وحكم عليه بالسجن، وهو المصير نفسه الذي لقيه المنصف المرزوقي الرئيس السابق للرابطة التونسية لحقوق الإنسان وأستاذ جامعي، فمنذ بداية التسعينيات وهو يتعرض لمضايقات مختلفة وبعد أن قدم ترشحه لرئاسة الجمهورية التي ألقي القبض عليه بتهمة سرقة سيارة ومنع من أي نشاط سياسي أو حقوقي، وهو ممنوع من السفر، وخفضت درجته الوظيفية بعد أن كان استاذًا محاضرًا في كلية الطب بسوسة، وإلى جانب هؤلاء عرض التقرير لحالات أخرى مثل منصف التريكي والمحامي لدى محكمة التعقيب محمد النوري الذي حكم عليه بالسجن بسبب كتابته تحليل قانوني حول عدم دستورية المحكمة العسكرية، وأشار التقرير أيضًا لوضعية المحامي المعروف بشير الصيد، وهاشمي جغام وصالح الزغيدي، وكمال السماري، وكل من: توفيق بودر بالة الرئيس الحالي للرابطة التونسية لحقوق الإنسان الذي يدعى للتحقيق معه بعد كل بیان تصدره الرابطة، وفرج فنيش المدير التنفيذي السابق للمعهد العربي لحقوق الإنسان، كما استعرض التقرير تفصيلًا وضعية الحقوقية والصحفية المعروفة سهام بن سدرين التي تعرضت لحملة تشويه تتهمها في شرفها والأمر نفسه طال أحد الرموز الإسلامية المحامي الشهير الشيخ عبد الفتاح مورو الأمين العام السابق لحركة النهضة الذي حاولوا ترويج فيلم مفبرك يتهمه في شرفه يصوره يضاجع سكرتيرته على سجادة صلاة وهو ما تم أيضًا مع علي العريض الناطق الرسمي السابق باسم حركة النهضة، الذي يقضي حكمًا بالمؤبد، كما تعرض للأسلوب نفسه في التشويه والطعن في الشرف محمد مزالي الوزير الأسبق، وأشار التقرير إلى الاستعانة ببعض الصحف وحتى بعض الجهات الخارجية والانزلاق إلى مستوى من الممارسات جدف بالسلطة بعيدًا عن كل ما له صلة أو علاقة بالصراع أو التنافس السياسي النزيه، ما جعل التقرير يخصص محورًا مستقلًا بذاته تحت عنوان «حملات تشويه السمعة».
الضغوط على منظمات حقوق الإنسان
عرض التقرير في هذا المحور للتضييقات العديدة والمتنوعة التي تعرضت لها المنظمات الوطنية والدولية المدافعة عن حقوق الإنسان وأورد في هذا الصدد ما تعرضت له الرابطة التونسية لحقوق الإنسان من محاولات وصلت حد اتخاذ إجراءات بحلها نهائيًا- يجب الإشارة إلى أن الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان من أعرق المنظمات الحقوقية في العالم العربي، ولعبت باستمرار دورًا مهمًا في الدفاع عن حقوق الإنسان- ثم حاول النظام بعد ذلك اختراقها ولم يفلح فلجأ إلى التضييق عليها وأقصى أغلب الوجوه التي رأى أنها وراء تماسك الرابطة ودفاعها المستميت عن حقوق الإنسان، وتجب الإشارة إلى أن الرابطة ممنوعة إلى الآن من نشر تقاريرها أو بياناتها على أعمدة الصحف، كما رفضت السلطة التعاون معها لمعالجة الكثير من الملفات العالقة لمختفين ومعتقلين وبعض ممن قضوا إما تحت التعذيب أو في ظروف غامضة وهم يعدون بالعشرات.
وتعرضت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات «منظمة علمانية» لمضايقات حول أنشطتها رغم أنها لم توجه أي انتقادات حادة للنظام القائم، وإذا كان في تونس اليوم أكثر من ٦٠٠٠ جمعية ومنظمة مستقلة، فإنه من المستحيل أن تجد جمعية واحدة تتمتع باستقلال حقيقي عن النظام أو تنتقده إلى جانب ذلك لم تنج المنظمات الدولية من هذه المضايقات، فبعضها ليس له مقر في تونس وأغلقت أخرى مقارها بعد أن طلب منها ذلك بسبب انزعاج النظام من أنشطتها أو لرفضها تزكية سياسات السلطة.
الجدير بالملاحظة أن هذا التقرير يأتي في خضم حملة تروجها بعض الصحف عن المنجزات والنجاحات الكبرى التي حققها النظام التونسي في إرساء الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة، وكذا في استعداد النظام لإصدار عفو عمن يطلبه شرط التزامه الجادة، ولا ندري في حقيقة الأمر هل بمثل هذه الإجراءات و «المبادرات» - إن كانت أصلًا موجودة - يمكن للبلاد أن تخرج من حالة التدهور الخطيرة لوضعية حقوق الإنسان والحريات العامة أم أن المطلوب واضح وبين وهو إلا خلاص ولا انفكاك من الأزمة إلا بمصالحة وطنية شاملة يعاد فيها الاعتبار لكل القوى الوطنية «أحزابًا ومنظمات وشخصيات» وتلتزم السلطة الطريق الجادة في احترام حقوق الإنسان بعيدًا عن المعالجات الأمنية التي أبانت تجارب عديدة أنها خيار فاشل، لأن رصيدها لا يتجاوز عصا قد ترتد على صاحبها ولو بعد حين أحسب أن الدعاية الإعلامية التي تقوم عليها وكالة الاتصال الخارجي لم تنطل إلا على الذين ينزعون إلى تحويل الأوهام إلى حقائق ويرغبون في التسويق لصورة لا توجد إلا في أذهانهم.