; قراءة في تصريحات مزالي | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في تصريحات مزالي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1981

مشاهدات 95

نشر في العدد 549

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 03-نوفمبر-1981

محمد مزالي، رئيس وزراء تونس، دأب منذ أكثر من عام على مهاجمة الحركة الإسلامية في تونس، واتهامها، والنيل منها، حتى عمل على اعتقال معظم قادتها، والزج بهم في السجون، ثم محاكمتهم محاكمة لا عدل فيها؛ لمنعهم من المشاركة في الانتخابات التي جرت في أول الشهر الحالي، بعد أن أكدت له تقارير المخابرات أن القاعدة الإسلامية في تونس واسعة، ويمكن أن يحصل الإسلاميون في الانتخابات على أغلبية المقاعد في البرلمان.

ونريد هنا أن نحاور رئيس وزراء تونس، من خلال تصريحاته الكثيرة للصحف هذا العام؛ تصريحاته التي لم يكد يخلو واحد منها من التعريض بالحركة الإسلامية وقادتها في تونس.

يقول مزالي في أول لقاء أجري معه بعد تسلمه رئاسة مجلس الوزراء التونسي: «... إذا نحن استطعنا كقادة للدول العربية والإسلامية، أن نغذي شبابنا بعقيدة أصيلة، وأن نكونه تربويًّا تكوينًا صحيحًا، أمكن لنا أن نحيا حياتنا، وأن نكون مستقلين عقائديًّا وثقافيًّا».

ويضيف: «مسألة النشاط الإسلامي لا تمثل في تونس قضية حادة ولا خطيرة، فهناك شباب مسلم يؤم المساجد، ونحن دولة إسلامية». المستقبل 17/ 5/ 1980.

وقال مزالي بعد هذا بخمسة أشهر مجيبًا عن سؤال حول الإسلام السياسي في تونس: «هذا المشكل لا يطرح بالحدة ذاتها التي يطرح بها في بعض بلدان الشرق الأوسط؛ لأن تونس مثل المغرب والجزائر لا يسكنها إلا المسلمون، وكل المسلمين في هذه الأقطار سنيون، وأغلبيتهم الساحقة مالكيون، بحيث لا نعرف المشكلات الفئوية المذهبية.

من جهة أخرى، فإن دستور البلاد ينص على أن تونس دينها الإسلام ولغتها العربية، ولهذا يعتبر رئيس الدولة نفسه حاميًا للإسلام والمسلمين».

ويضيف: «ولذلك يصعب على بعض الاتجاهات المتطرفة أن تجد منفذًا جديًّا لتأليب جماهير المسلمين على النظام.. فنحن، مثلًا، لم ولن نتخذ الإجراءات السخيفة التي اتخذها الشاه عندما تحدى بها المسلمين، وحاول أن يخرج بإيران عن حظيرتها الإسلامية الطبيعية». الوطن العربي- أكتوبر- 1980- العدد 193.

وقال في خطاب له معلنًا عن الديمقراطية: «إن الديمقراطية لا تعني أكثر من انتخاب الناس بكل حرية وبحسب الكفاءة ودون الانصياع إلى أية وصاية، وسبق أن قلت، قبيل الانتخابات البلدية الأخيرة: إن عهد الوصايا قد ولى دون رجعة...». الرأي العام 29/ 1/ 1981.

وهاجم الحركة الإسلامية بعد ثلاثة شهور من تأييده للديمقراطية بقوله يصنف الإسلاميين بأنهم «يستخدمون الإسلام في أغراض سياسية ويلجئون إلى العنف لنشر الفوضى»، وذكر أنهم يسعون للإطاحة بنظام الحكم ولم يجدوا سوى العنف وسيلة لذلك. السياسة 23/ 4/ 1981.

وبعد شهر سألته مجلة «اليمامة» السعودية عن الجهات الأجنبية التي ذكر أنها تقف وراء الحركة الإسلامية فقال: «لا أريد شخصيًّا أن أحكم على أي كان برجم الغيب، الله أعلم»، «لم أقل إن هؤلاء الناس موالون للخارج، لكن قلت: إن هناك عنفًا»، «نحن نحكم على العنف الذي لا يمكن أن نقبله.. أما النيات فالله أعلم بها..»، «نحن فقط ضد العنف، ولا نرفض الأفكار..». اليمامة 22/ 5/ 1981.

ثم يصف مزالي الفئات السياسية الإسلامية -قبل أيام قليلة من اعتقال قادتها- في تونس بأنها «أقلية»، وتنبأ بهزيمتها في الانتخابات النيابية العامة التي ستجري -جرت- في أول نوفمبر «تشرين الثاني». القبس 16/ 7/ 1981.

وقبل شهرين من الآن، يقول مزالي «وقد يقال لماذا لا يسمح لهذه العناصر «الإسلامية» بأن تؤسس حزبًا وتعمل ضمن قواعد العمل الحزبي، ولكنني شخصيًّا لا أرى مثل هذا الأمر منطقيًّا ولا أراه مقبولًا، ذلك أنه ما دامت تونس دولة إسلامية وينص دستورها على أن دينها الإسلام، فمعنى ذلك أن من لا ينخرط في حزب يقوم على أساس طائفي لا يكون مسلمًا، إننا في بلد مسلم، ولو كنا في بلد متعدد الطوائف، مثل لبنان، لجاز اعتبار مطالبة البعض بتأسيس حزب إسلامي معقولًا، لكننا بلد مسلم، فضلًا عن أننا علمانيون»، ثم يقول: «وإذا كانت المسألة مسألة بناء مساجد فإن النظام البورقيبي بنى عشرات المساجد ورمم مساجد كانت متداعية مثل جامع عقبة بن نافع وجامع القصبة وجامع الزيتونة». المستقبل 26 /9 /1981.

وقبل شهر قال رئيس وزراء تونس: «بينما الحركة الإخوانجية موجودة من قبل، وواجهونا من الربيع الفارط بمناسبة الأحداث الجامعية التي لعبوا فيها دورًا كبيرًا، والأحداث المدرسية، وكانت شعاراتهم شعارات سياسية، بحيث كنا نتتبع خطاهم ونقتفي أثرهم ونراقبهم...»، ويقول: «نشاط الجماعة هذه باعترافهم ابتداء في العام 1970 لكن في مستوى الدعوة وتكوين الأنصار وانتقاد بعض المظاهر السلبية أو مظاهر يعتبرونها سلبية...». الأسبوع العربي 5/ 10/ 1981.

هذا ما قاله رئيس وزراء تونس محمد مزالي عن الإسلام والمسلمين والحركة الإسلامية في تونس، منذ تسلمه رئاسة مجلس الوزراء التونسي، قبل أقل من عامين، عرضناه متسلسلًا تاريخيًّا.

لقد ذكر مزالي ثلاث مرات على الأقل بأن دين الدولة في تونس هو الإسلام، وأن تونس بلد مسلم، وأهلها جميعًا مسلمون، فلماذا إذن يحال بينهم وبين تطبيق شريعة دينهم الذي يدينون به؟ ولماذا يمنع الاتجاه الإسلامي من الدعوة إلى الإسلام والعودة إليه؟

لعل الإجابة تضمنها قوله: «فضلًا عن أننا علمانيون»، فمزالي، إذن، يرى أن الإسلام محصور في المسجد، لعبادة الله فقط، أما الإسلام نظامًا اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا.. الإسلام حاكمًا، فأمر ليس في تصوره.

وقد أكد هذا فهمه العمل للإسلام بأنه مجرد بناء مساجد: «وإذا كانت المسألة مسألة بناء مساجد، فإن النظام البورقيبي بنى عشرات المساجد ورمم مساجد كانت متداعية».

وإن القارئ لتصريحات مزالي هذه، يلاحظ التناقض بين التصريحات التي أدلى بها بعد تسلمه رئاسة الوزراء وبين تصريحاته التي أدلى بها في هذا العام.

فقد أقر في تصريحاته الأولى بأن الاستقلال العقائدي والثقافي يأتي عن طريق تكوين الشباب تربويًّا تكوينًا صحيحًا، وتغذيته بعقيدة أصيلة، وإننا إذا فعلنا ذلك «أمكن لنا أن نحيا حياتنا»، ووصف النشاط الإسلامي بأنه لا يمثل قضية حادة ولا خطيرة، وهو يؤكد أن حكومته لن تتخذ «الإجراءات السخيفة التي اتخذها الشاه عندما تحدى بها المسلمين، وحاول أن يخرج إيران عن حظيرتها الإسلامية الطبيعية»، بنص عبارة مزالي، وهو يعلن: «إن عهد الوصاية قد ولى دون رجعة».

وفجأة، ينقلب مزالي على الإسلام والمسلمين، فيتهم الاتجاه الإسلامي بأنه موال للخارج، وبأنه يسلك العنف أسلوبًا له، وبأن أتباعه أقلية، وبأنه سيهزم في الانتخابات، ثم يتراجع عن اتهامه بولاء الاتجاه الإسلامي للخارج، ويعترف بأن هذا رجم بالغيب، والنيات الله أعلم بها.

ويعترف مزالي في تصريحه قبل الأخير بأنه ليس هناك سبب لمنع الاتجاه الإسلامي من تأسيس حزب سياسي سوى قناعته الشخصية بأن هذا الأمر ليس منطقيًّا ولا يراه معقولًا لأن تونس دولة إسلامية!

وللمرء أن يعجب من هذا المنطق العجب كله، فكون تونس دولة إسلامية حجة عليه وليست له؛ إذ إن الاتجاه الإسلامي يسعى لتحقيق هذا المعنى وهذه الصفة في تونس نظامًا سياسيًّا وشريعة حياة، كما يأمر الإسلام نفسه.

ولا ندري كيف تسمح حكومته للحزب الشيوعي بالعمل، وهو يعلم عقيدته الملحدة، ما دامت تونس «بلدًا إسلاميًّا ينص دستورها على أن دينها الإسلام»؟!

خلاصة منطق «مزالي» إذن، أن المبرر في السماح لقيام أي حزب سياسي أن يكون مخالفًا لعقيدة البلد وأهلها، أما إذا كان موافقًا لعقيدة البلد وأهلها فلا مبرر لقيامه!!

ثم يرى مزالي أنه لو كانت تونس بلدًا متعدد الطوائف، مثل لبنان، لجاز اعتبار مطالبة البعض بتأسيس حزب إسلامي معقولًا، لكننا بلد مسلم!

ونسي رئيس الوزراء التونسي أن بين الناس من لا يحمل من الإسلام سوى اسمه، وأن هؤلاء لا يوالون الله، إنما يوالون الشرق أو الغرب، فهذا يدين بالماسونية، وذاك بالشيوعية؛ ومن ثم فإن قيام جماعة إسلامية تجدد الدعوة إلى الله أمر واجب ومبرر كل التبرير.

وأخيرًا، إذا كان السيد مزالي يرحب بالحوار وتبادل الأفكار، ويرفض العنف وحده، كما قال، فنريد أن نسأل: هل أوقفت مجلتا «المعرفة» و«المجتمع» التونسيتان عن الصدور، وهما لا تملكان إلا الحوار، قبل أحداث العنف أم بعدها؟ لعل المراقبين يتذكرون جيدًا أن إيقاف المجلتين عن الصدور كان قبل أحداث العنف، مع التأكيد على أن أحداث العنف كانت مدبرة من السلطة التي دفعت بعض العناصر المتحمسة.

هذا بعض ما أردنا أن نخرج به من قراءة تصريحات رئيس الوزراء التونسي السيد محمد مزالي، وهو لا يخرج عن الحوار الذي يرحب به.

الرابط المختصر :