العنوان قراءة في بعض قضايا الغيب
الكاتب غازي التوبة
تاريخ النشر السبت 04-أغسطس-2001
مشاهدات 68
نشر في العدد 1462
نشر في الصفحة 46
السبت 04-أغسطس-2001
يحتل الغيب مساحة في الدين الإسلامي، فهو يشمل الإيمان بالله والملائكة والبعث واليوم الآخر والجنة والنار والجن.. إلخ.. وقد امتدح القرآن الكريم المؤمنين بالغيب فقال سبحانه وتعالى : ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (البقرة: 1: 4) وقد كانت قضية البعث أبرز القضايا الغيبية التي أثار المشركون النقاش والتساؤل حولها، فتساءلوا مستغربين كيف يبعث الله الأجساد بعد أن تبلى وتصبح ترابًا؟ فرد القرآن عليهم إن الله الذي خلق الأجساد أول مرة قادر على أن يبعثها مرة ثانية، وقد تردد هذا البرهان أكثر من مرة في سور القرآن الكريم فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ أَوَ ءَابَآؤُنَا ٱلۡأَوَّلُونَ قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَوَّلِينَ وَٱلۡأٓخِرِينَ لَمَجۡمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ﴾ (الواقعة: 47: 50)، ثم ضرب الله سبحانه وتعالى لهم المثل من خلقهم الأول فقال سبحانه وتعالى: ﴿نَحۡنُ خَلَقۡنَٰكُمۡ فَلَوۡلَا تُصَدِّقُونَ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تُمۡنُونَ ءَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡخَٰلِقُونَ نَحۡنُ قَدَّرۡنَا بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَعَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمۡثَٰلَكُمۡ وَنُنشِئَكُمۡ فِي مَا لَا تَعۡلَمُونَ وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُولَىٰ فَلَوۡلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الواقعة: 59: 62) وقال سبحانه وتعالى: ﴿ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَّا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾ (الإسراء: 98- 99)، وذكر القرآن قصة حوار بين أبي بن خلف والرسول صلى الله عليه وسلم حول البعث فبعد أن جاء أبي بعظم رميم وهو يفتته ويذروه في الهواء وهو يقول: يا محمد أتزعم أن الله يبعث هذا؟، قال: «نعم، يميتك الله تعالى، ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار». وقد حكى القرآن تلك القصة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ﴾ (يس: 78- 79)، وقد بين القرآن الكريم أن الخلق الثاني أهون من الخلق الأول كما هو معلوم من البداهة، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ۚ ﴾ (الروم: ۲۷).
وقد وضح القرآن الكريم أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، وهي آيات مبثوثة بين أيدي الناس وظهرانيهم، فهذا يؤكد أن الذي يخلق الأكبر يمكن أن يخلق الأصغر قال سبحانه وتعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (غافر: 57).
وبعد أن انتشر المسلمون في الأرض واختلطوا بالأمم والشعوب الأخرى برزت مشكلتان من قضايا الغيب في كتب العقائد مشكلة حشر الأجساد ومشكلة صفات الله سبحانه وتعالى، فقد أنكر الفلاسفة حشر الأجساد، وهذه إحدى القضايا التي كفر الغزالي الفلاسفة بها، بالإضافة إلى تكفيره لهم على قولهم بقدم العالم، أما القضية الأخرى التي برزت من قضايا الغيب ولم تكن مثارة عند نزول الإسلام فهي قضية صفات الله: مثل قضية كلام الله سبحانه وتعالى وعلمه ونزوله واستوائه إلخ.. وقد جاءت هذه المشكلة من تداخل الفلسفة مع أمور العقائد، وإثارة أسئلة لم يعرفها المسلمون عند نزول الإسلام من مثل التساؤل: هل صفات الله عين ذاته سبحانه وتعالى أم غيرها؟ وقد تولدت عن جواب السؤال السابق ثلاثة مواقف أولها موقف يقول بتعطيل الصفات، وثانيها موقف يقول بتأويل الصفات، وثالثها موقف يقر بصفات الله لكن دون تشبيه أو تجسيم، ويقف على رأس الفريق الثالث مالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل وابن تيمية وابن القيم وغيرهم.. وقد أصبح الجواب الذي احتذاه أولئك الأئمة في مجال الصفات هو جواب مالك بن أنس عندما سئل عن الآية: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ (طه: ٥) كيف استوى؟ فأجاب: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وقد استشهد ابن تيمية على وجهة نظره بأن التعطيل والتأويل اللذين ارتبطا بمشكلة صفات الله جاءا نتيجة تداخل الفلسفة مع أمور العقائد الدينية، ودلل على ذلك بأن الصحابة سألوا الرسول الله عدة أسئلة عن عدة قضايا منها: الأهلة، والمحيض، والخمر، والساعة، والروح، واليتامى وذي القرننين والأنفال.. إلخ.. ولم يسألوه عن أية صفة من صفات الله مما يؤكد أنها لم تكن موضع إشكال عندهم، وأن الإشكال طارئ نتيجة أمور جديدة، وهي تداخل الأمور الفلسفية مع أمور العقائد الدينية كما ذكرنا .
وربما كانت إشكالية الغيب في عصرنا الحاضر أكبر نتيجة لقيام الحضارة الغربية على التجربة الحسية وحدها من جهة، واعتبارها الغيوب الدينية جزءًا من الخرافات التي عاشت عليها الشعوب القديمة من جهة ثانية، وقد بلورت الحضارة الغربية موقفها المعادي للغيوب الدينية بشكل عام على ضوء معاداتها للدين بشكل خاص، والذي جاء نتيجة التصادم بين رجال الكنيسة ورجال العلم في القرون الوسطى، وقد أثر موقف الحضارة الغربية من الغيوب في بيئتنا الإسلامية على امتداد القرنين الماضيين، ولم يقتصر على الغيبين صفات الله واليوم الآخر كما كان في العصور السابقة، بل تعداه ليشمل أي حديث غيبي عن معجزة أو واقعة أو خلق.. إلخ.. وقد احتاج العلماء من أجل التوفيق بين الحضارتين الغربية والإسلامية إلى إعمال مبدأ التأويل، وقد ظهر هذا واضحًا فيما كتبه محمد عبده في تفسير المنار، فقد أول الجن بالميكروب، وأول النفاثات في العقد التي جاءت في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (الفلق: 4) بالنمامات اللاتي تسعى بالإفساد بين الناس، وأول طير الأبابيل بأنه من جنس البعوض والذباب، وأول حجارة السجيل بأنها من جراثيم الجدري أو الحصبة، وأول كل تلك الأشياء التي وردت في قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصۡحَٰبِ ٱلۡفِيلِ أَلَمۡ يَجۡعَلۡ كَيۡدَهُمۡ فِي تَضۡلِيلٖوَأَرۡسَلَ عَلَيۡهِمۡ طَيۡرًا أَبَابِيلَ تَرۡمِيهِم بِحِجَارَةٖ مِّن سِجِّيلٖ﴾ (الفيل: 1: 4)، وقد سار على منهج محمد عبده كثير من الكتاب الذين تناولوا كثيرًا من الأمور الدينية والتاريخية، ومن أبرزهم محمد حسين هيكل في كتاب «حياة محمد» حيث أول كثيرًا من الأمور الغيبية التي وردت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم لتتفق مع معطيات الحضارة الغربية ولكن السؤال الذي يرد في النهاية هل استطاعت المدرسة التوفيقية التي دشنها محمد عبده أن تحل الفجوة بين قضية الغيوب في الحضارة الإسلامية وبين إنكار الغيوب في الحضارة الغربية؟ الحقيقة أنها لم تستطع، لأن قيام الحضارة الغربية على عالم الشهادة وحده من جهة وإنكارها عالم الغيب من جهة ثانية موقف خاطئ جاء نتيجة ظروف خاصة مرت بها الحضارة الغربية وهي ظروف الصراع بين رجال الكنيسة ورجال العلم كما رأينا، وهذا الموقف لا يقتضي مسايرة الحضارة الغربية في خطئها، والتوجه إلى تأويل الغيوب في حضارنا الإسلامية، بل يقتضي تعديل موقف الحضارة الغربية من قضية الغيوب، وهو ما بدأه بعض علمائهم كما فعل الكسيس كاريل عندما أقر بالمشكلة في كتاب الإنسان ذلك المجهول وعندما رسم خطوات للعلاج بغض النظر عن حجم هذه الخطوات، آلمهم أنه بدأ التوجه الصحيح.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل