; قراءة في النظام الأساسي للهيئة الخيرية الإسلامية العالمية | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في النظام الأساسي للهيئة الخيرية الإسلامية العالمية

الكاتب عادل م ع حسون

تاريخ النشر الثلاثاء 09-أكتوبر-1984

مشاهدات 74

نشر في العدد 686

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 09-أكتوبر-1984

تجربة رائدة في ميدان الدعوة إلى الخير

  • الهيئة الخيرية تعتبر قفزة نوعية وخطوة إيجابية لإحياء مواقف السلف الخيرية وتحقيق وحدة العمل الإسلامي الخيري.

في السابع عشر من رمضان المعظم 1404هـ، أطلت على العالم الإسلامي هيئة عالمية الأهداف، إسلامية اجتماعية في رسالتها ووظيفتها، إنها «الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية» التي انبثقت تحقيقًا للآية الكريمة، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:104) وانطلقت من مبادئ التضامن والتعاون والإخوة الإسلامية باعتبارها مبادئ أساسية ثابتة في شريعة الإسلام السرمدية الداعية إلى التعاطف والرحمة: قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:107)، فكان لإعلان تأسيسها في النفس وقع كريم، وفي القلب مكانة طيبة لدى كل مسلم أينما كان فتناقلتها وكالات الأنباء المحلية والعالمية، وأبرزت نظامها الأساسي العديد من الصحف والمجلات، وأثنى على ميلادها الكثير من رجال الخير ومحبيه في شتى بلاد العالم الإسلامي خصوصًا والعالم بأسره عمومًا، سواء على المستوى الرسمي أو غير الرسمي، فكأنها قد جاءت في وقتها المناسب. 

  • الهيئة الخيرية تجربة رائدة إن استفادت من تجارب الآخرين

رغم أنني من الذين يفضلون التأني في إصدار الأحكام، ولا يحبذون الثناء الكثير في وقت يمر فيه العالم الإسلامي بظروف شديدة تستدعي الدقة في الأحكام، والوقوف طويلًا عند السلبيات، للوصول إلى نتائج أفضل تعود على الإسلام والمسلمين بالخير العميم، غير أنه إن كان لكل قاعدة استثناء، فإن تقويمي للنظام الأساسي للهيئة يدخل في ذلك الاستثناء من حيث التعمق في فهم الإيجابيات التي يتضمنها ذلك النظام الأساسي للهيئة، بل قل الهيئة نفسها باعتبارها الترجمة العملية لذلك النظام، والابتداء بها منطلقًا من أن الهيئة الخيرية ما زالت في بدايتها مما يجعل تأخير الوقوف على السلبيات عملًا منطقيًا ومنهجيًا في آن واحد ريثما تباشر الهيئة نشاطاتها وتمارس سياساتها المرسومة في نظامها الأساسي، غير أن ذلك بمجمله سيدفعنا إلى توقع بعض السلبيات من خلال تجارب لمؤسسات خيرية سابقة، لم تقدر أن توازن بين طموحاتها وإمكانياتها على سبيل المثال لا الحصر، فأوقفت كثيرًا من المشروعات أو أنجزت جزءًا من مشروع على حساب آخر، وغير ذلك من هذا القبيل، وأن استفادة الهيئة من تجارب الآخرين لينضم في حقيقة الأمر إلى إيجابياتها عندما تدرك إدراكًا سليمًا أن فهم الطموحات والأهداف ومدى تلاؤمها مع الإمكانيات والواقع سوف يوفر الجهود ويعزز الطاقات، ويضمن -بإذن الله- النتائج الأكثر سلامة والأكثر نفعًا.

  • الهيئة، نداء الماضي والحاضر والمستقبل

ترى، هل يمكن أن يلتقي الماضي والحاضر والمستقبل في هيئة ما؟ ذلك أمر ليس بمستغرب عندما تنصب همم الرجال وعزائمهم في تيار واحد؛ تيار الخير، وفي عمل جماعي فعال يقوم على التقوى وحب الخير، فوراء كل عمل عظيم رجال، وفي إيمان الرجال الجادين المتقين وإراداتهم وعزائمهم وتصميمهم يلتقي الماضي والحاضر والمستقبل، ليتم التفاعل، وليكون في نفس الوقت تعبيرًا عن عظمة الإسلام السرمدي وصلاحه لكل زمان ومكان، ولينبثق عن ذلك ميلاد الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية التي اتخذت الكويت مقرًا لها.

 

  • المسلمون في ظروف شدة ومحنة

هذا ما أكدت عليه الكلمة[1] التي ألقاها السيد يوسف الحجي، رئيس اللجنة التحضيرية ورئيس الهيئة، في المؤتمر التأسيسي الأول المنعقد في الكويت، يومي السابع عشر والثامن عشر من رمضان المعظم 1404هـ، فالمسلمون في ظروف شدة، فمن تخلف وجهل وشظف عيش إلى بؤس وشقاء وتشرد إلى قهر استعماري وغزو ثقافي في عقيدتهم، علمًا أن «الفقر والمرض والجوع والعطش والأمية والجهل، هم فضلًا عن آلامهم ومصاعبهم، من ثغور الإسلام المفتوحة التي ينفذ إليها الأعداء.. تحت ستار المساعدة على مكافحة التخلف، فالمرابطة فيها دفاعًا عن عزة الإيمان وكرامة المؤمنين ورفعًا للظلم عنهم، فرض عين على كل القادرين من ذوي الاختصاص وذوي السعة..».[2]

لندع الأرقام تتكلم عن حاضر المسلمين:

1000 طفل يموتون يوميًا بسبب الجوع ونقص التغذية والمرض، معظمهم من المسلمين.

1050 مليونًا في العالم من البشر في فقر مدقع أو تحت حدة الفقر، معرضون للمجاعة ونقص التغذية، غالبيتهم من المسلمين في أفريقيا وآسيا خصوصًا.

36 دولة من دول العالم هي أكثر الدول فقرًا وأكثرها تخلفًا، معظم سكانها من المسلمين.

فإجمالي الدخل القومي للفرد كان أقل من 100 دولار سنويًا، نعم 100 دولار سنويًا، ونسبة الأمية فيها وصلت إلى 80% أو أكثر، وللمزيد فإن أكثر من نصف سكان بنغلاديش يعيشون دون مستوى الكفاف أي ما يقدر بحوالي 50 مليونًا من الأنفس البشرية.

فإذا أضفنا إلى ذلك التصحر وتلوث البيئة والجفاف والزلازل، وما تسفر عنه الحروب والصراعات، وإذا أضفنا إلى ذلك ما تتركه بعض التيارات المعادية من آثار في عقائد المسلمين إذ تشير بعض الأرقام إلى أن عدد المسلمين في الملايو على سبيل المثال تضاءل من 70% إلى 18% فسوف نعلم علم اليقين حقيقة حاضر المسلمين وحقيقة ما يحيط بهم من أهوال، وسوف ندرك إلى جانب ذلك كيف أن الهيئة قد جاءت في وقتها المناسب.

  • حسن اختيار

ليس من قبيل الصدفة أن يتم اختيار التسمية والزمان والمكان، ففي الوقت الذي كان العالم الإسلامي يحتفل بذكرى غزوة بدر الكبرى في السابع عشر من رمضان المعظم للعام الهجري 1404، تم الإعلان عن تأسيس الهيئة الخيرية، وفي هذا الاختيار الزمني بعث لعاملين أساسيين جوهريين في المنهج الرباني، أولهما عامل روحي نفسي، يتمثل خير تمثيل في استعلاء النفوس على ما يشدها إلى الأرض من شح مطاع وهوى متبع ومتاع ونعيم زائل، فشهر رمضان شهر الخير والبركات والرحمة، فيه ترق القلوب وترقى، ويخلص الإيمان حتى يكاد يصل إلى الذروة، وتزداد شفافية الروح وتسمو، وفيه يترجم المسلم والمؤمن والمحسن إيمانهم إلى عمل واع فعال، فيحس كل منهم بأخيه، في أي مكان إحساسًا صادقًا وخالصًا ابتغاء مرضاة الله.

أما العامل الثاني فهو عقلي مادي إذ إن غزوة بدر الكبرى إن هي إلا إحدى معارك الإسلام التي أثبت فيها المسلمون مقدرة فائقة في الإعداد المادي والتخطيط العلمي الواعي، والتعاون في الضراء، والبذل والتضحية فيما يملكونه.. وهكذا بتوافر العاملين الروحي والمادي، أو النفسي والعقلي، اللذين لا يغني أحدهما عن الآخر، ولا بد من توافرهما لتحقيق الهدف بالتمام والكمال كما توافرا واندمجا عند الإعلان عن تأسيس الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية برأسمال 1000 مليون دولار كحد أدنى إن شاء الله.

  • في الأهداف: رد للاعتبار ولأم للكرامة الجريحة

خصص النظام الأساسي في فصله الأول المادة الثالثة التي تضمنت ستة بنود أساسية شملت الأهداف التي تسعى الهيئة منفردة أو بالتعاون مع غيرها إلى تحقيقها في مجال الخير والبر «بند أول»، والإغاثة «بند ثان» والتنمية «بند ثالث» والتربية والتعليم «بند رابع» والدعوة إلى الله «بند خامس» والتنسيق والتعاون مع الآخرين «بند سادس»، فماذا نستشف من وراء هذه الأهداف؟ وماذا يمكن أن نستنبط ونستنتج عند الفهم الواعي لهذه الأهداف والتمعن فيها نزولًا عند قوله عز وجل «لقوم يعقلون»؟ إن إعمال العقل في القواعد والمبادئ العامة ليجعل المرء أقدر على معرفة الحكمة من وراء تلك الأهداف فتثير فيه كوامن الخير ابتغاء مرضاة الله، فأول ما يتبادر للذهن تلك الغاية السامية السامقة التي ترنو الهيئة إلى الوصول إليها وهي رد الاعتبار للمسلم ولأم كرامته الجريحة من ذل السؤال أو الوقوع تحت ضغط الحاجة أو التنازل عن عقيدته لقاء معيشة ورزق، وهي إلى جانب رد الاعتبار ولأم الكرامة الجريحة، إعادة عملية للثقة في نفسه وفي إخوانه، وبالتالي في دينه وعقيدته التي انخرط فيها هو وإخوانه ليحتل بذلك المسلم مكانته اللائقة به كإنسان عزيز كريم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء:70).

بالإضافة إلى ما سبق استنتاجه من أهداف الهيئة فإن هذه الأهداف نفسها قد اتصفت بالشمولية على المستوى الأفقي «العالم الإسلامي، وأي مسلم في أي مكان»، وعلى المستوى العمودي «الخير والبر بشتى مضامينه مساعدة مالية أو دواء أو إيواء أو إغاثة أو تربية وتعليم أو تأمين فرصة عمل أو إقامة مشروعات إنتاجية اقتصادية أو نشر وعي أصيل أو تبليغ الدعوة أو كشف الأباطيل أو محو الأمية أو تقوية الصلات مع أهل الخير»، وهذه الأهداف بمضامينها الأفقية والعمودية هي أهداف واقعية عملية يمكن بلوغها إن حسنت النوايا وتآزر كل مسلم قادر معها، مهما كان عطاؤه.

كما أن ما يستشف من أهداف الهيئة من خلال نظامها الأساسي، السمة الاجتماعية والسمة الاقتصادية في آن واحد، وهاتان السمتان دفعتا بالهيئة أن تكون بعيدة عن الميدان السياسي، فالمجتمع، والمجتمع المسلم على وجه الخصوص هو ميدانها لتحقيق أهدافها وهو غايتها عند بلوغ أهدافها، كيف لا؟ ونحن أشرنا آنفًا إلى إن من أعظم الغايات التي ترنو إليها وأسماها هو الارتقاء بالإنسان المسلم ورد اعتباره، وإذا كان المسلم هو البنية الأساسية التي يقوم عليها المجتمع المسلم فسوف نعلم علم اليقين اجتماعية الأهداف، والشيء الجوهري الذي ركزت عليه تلك الأهداف، فإذا أضفنا إلى ذلك تلك السمة الاقتصادية الاستثمارية من خلال المشروعات الإنتاجية فسوف ندرك نبل الغايات التي تكمن وراء تلك الأهداف والتي حاولنا استشفافها قدر ما منحنا الله من عقل نتدبر به آيات الله في كتابه المشهود.

يتبع في العدد القادم

_________________
[1] راجع نص الكلمة في وثائق الهيئة المحفوظة لديها، كذلك من خلال ما نشرته الصحف، انظر على سبيل المثال جريدة الوطن، العدد الصادر بتاريخ 18\6\1984.

[2] يرجع/ د.نبيل صبحي الطويل، في كتابه الحرمان والتخلف في بلاد المسلمين، الصادر عن رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية في قطر، الطبعة الأولى شوال 1404 هجرية 1984 ميلادية، ص20.

الرابط المختصر :