; قراءة في آليات التقارب الفلسطيني-الفلسطيني | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في آليات التقارب الفلسطيني-الفلسطيني

الكاتب إبراهيم أبو الهيجا

تاريخ النشر السبت 01-فبراير-2003

مشاهدات 81

نشر في العدد 1537

نشر في الصفحة 21

السبت 01-فبراير-2003

  • رؤيتان تحكمان القضية الفلسطينية علمانية يسارية تتعاطى مع الحلول الجزئية والبراجماتية لدرجة الاعتراف بالاحتلال. وإسلامية ترفض التسليم بالاحتلال والاستسلام للوقائع الدولية.. وتعد فلسطين أرض وقف مباركة.
  • المطلوب من السلطة بصفتها المؤسسة الحاكمة أن يكون لديها قابلية إدارية الصناعة القرار.
  • انتفاضة الأقصى وسقوط التسوية يمكن أن ترفعا منسوب التوافق، والكرة في ملعب الحركات الإسلامية. 

 

في جدل الانتفاضة وما حولها يبرز على الدوام حديث المطالبة بالوحدة الفلسطينية، أو الحوار الوطني الفلسطيني – الفلسطيني، أو إنجاز حكومة الوحدة الوطنية، أو ما اصطلح عليه البعض بحكومة الطوارئ، كحالة سياسية وطنية وحدوية تواجه الظرفية الانتفاضية. وعلى أهمية الحديث إلا أن له -بكل أسف- بعدًا إعلاميًّا وموقفًا خطابيًّا كحال الشعارات التي كثيرًا ما نرددها ونسمعها «بتعزيز الوحدة الوطنية وضرورة الحوار».

قبل أسابيع جرى في القاهرة حوار بين قيادة حماس وأطراف من حركة فتح والسلطة، ولم يفضِ الحوار إلى نتائج جوهرية وبقيت أسئلة الوحدة وإمكاناتها معلقة. لذلك سنعود ابتداءً إلى تأصيل الأفكار الضابطة لأطراف وفاعليات وقوى الشعب الفلسطيني؛ حتى نستطيع الوصول إلى مؤشرات لتلك الإمكانات بدل البقاء في دوائر التنجيم والأمنيات.

(1)

رؤيتان

فالقضية الفلسطينية باتت تحكمها بجلاء رؤيتان:

 الأولى: علمانية يسارية لديها إمكانية أن تتعاطى مع الحلول الجزئية والبراجماتية، لدرجة الاعتراف بالاحتلال وإعطاء صكوك تنازل عن الحقوق تحت مبررات الواقعية والظروف الدولية. صحيح أن هناك فروقًا بالرؤية للحلول داخل فتح، إحداها ترى في ذلك حلًّا مؤقتًا لإنجاز الهدف الأكبر، وأخرى تؤمن بتلك الحلول إيمانًا قطعيًّا، وهي فئة المستفيدين من المتنفذين بالقيادة الرسمية. وصحيح أنه يمكن أن نلمس أيضًا فروقًا بين اليساريين والعلمانيين، حيث يحاول اليسار أن يكون أكثر قربًا من الحلول الدولية، بينما العلمانيون أكثر قبولًا بالحلول الأمريكية إتمامًا لنظرتهم الواقعية في التعامل مع الحلول السياسية. لكن ملخص هذه الرؤى هو «الاستعداد للتنازل عن فلسطين ٤٨وتعديلات في حدود الـ ٦٧».

الثانية: رؤية الإسلاميين، وهؤلاء رؤيتهم واضحة بأن القضية الفلسطينية تحمل حقوقًا لا تتجزأ، وأن فلسطين أرض وقف مباركة، وأنه لا يمكن التسليم باحتلال العدو أو إعطائه تشريعًا أو صكوك تنازل، وأنه لا يمكن الاستسلام للوقائع الدولية كونها طارئة وليست دائمة. والإيمان بأن الحقوق تؤخذ ولا تعطى، وأن الصبر والزمن واستمرار المقاومة كفيل بتراكم النقاط ضد الاحتلال من جهة، واستمرار تكاتف الدائرة العربية والإسلامية حول القضية الفلسطينية حتى زمن تُحرر فيه الأرض. لكن هذه النظرة العامة للصراع الحضاري الشمولي فيها خلاف هامشي وتكتيكي بين موقفي حماس والجهاد الإسلامي، فحماس مستعدة للنظر في زمن عملها العسكري وتوقيتاته بما يخدم هدفها العام من جهة، ويحمي بناها وحركتها السياسية من جهة ثانية، ويبرز هنا أن للحركة بعدًا سياسيًّا تكتيكيًّا في الإطار الشمولي يمكنها من المرونة والتحرك حفاظًا على توحد الساحة الفلسطينية وإعطاء الفرص لإحراج العدو أمام العالم، ولإثبات أن غايته العدوان لا السلام. وللحركة مبررات شرعية تراها مستندة لفقه الهدنة في الإسلام وتطبيقاتها بالعهد الإسلامي، ولذا أعلنت حركة حماس مبادرات مختلفة تجعل حركتها السياسية مرنة في حدود ثوابتها «أي دون أن يعني ذلك إخلالًا بأهدافها الكلية»، ولكن حركة الجهاد الإسلامي لم تستخدم هذه المرونة وفضلت على الدوام التأكيد على الأطر العامة ودون إضفاء تلك المرونة الشرعية؛ ربما نتيجة اختلاف الحجم والحضور وطبيعة النشأة. لكن تبقى الحركتان تحملان ذات الرؤية للصراع والثوابت والأهداف الكلية.

(۲)

تأسيسًا على ما سبق نستطيع القول إن هناك رؤيتين متناقضتين للصراع، وسد الهوة بينهما بالمعنى الكلي صعب جدًّا، لكن من الممكن أن تتوحد الرؤية السياسية العامة من حيث أهمية الصراع والنظرة للعدو، ووسيلة الصراع معه، أي نوعية المقاومة. وهنا فقط يمكن إيجاد بعض النقاط المشتركة، ولعل انتفاضة الأقصى وغياب التسوية والضغوط الخارجية أثبتت إمكان التوحد الميداني وإيجاد لغة سياسية واحدة، ولكن مشكلة ذلك تبقى قائمة لعدة أسباب: 

الأول: أن حركة فتح تشهد تجاذبات لا يمكن من خلالها حسم المسائل أو البت فيها نظرًا لوجود تيارات كثيرة داخلها، بعضها مع العودة لمشروع التسوية، والبعض الآخر مع استمرار المقاومة.

الثاني: أن الوحدة والمرونة التي من الممكن أن تعطيها الحركات الإسلامية وتحديدًا حركة حماس، تحاول السلطة على الدوام استغلالها ظرفيًّا وليس المقصد الوحدة الحقيقي، مما يجعل الإسلاميين متشككين بنوايا السلطة نتيجة تجارب سابقة.

 الثالث: أن الوحدة يقصد منها غالبًا وقف العمل العسكري كليًّا أو جزئيًّا، والمطلوب سيكون هنا من حماس، بينما السلطة لا تريد إخضاع مشروع التسوية للنقاش.

الرابع: توقيتات طلب الوحدة والحوار أو وقف العمل العسكري غالبًا ما ترتبط بتنفيذ مطالب خارجية وليست نابعة من رغبة داخلية للتوصل لحالة توافق داخلي.

الخامس: أن زمن طلب التنازل عن العمل المقاوم غالبًا ما يأتي مع اشتداد العدوان، مما سيعني في حالة الاستجابة خسارة مؤكدة لمصداقية الحركات الإسلامية كمدافعة عن الشعب والقضية التي تعد قضية العرب والمسلمين جميعًا.

(۳)

إذن حالة الوحدة الفلسطينية المنادَى بها، الأصح أن نطلق عليها تعزيز التقارب الوطني في ضوء اعترافنا جميعًا بأن ثمة خلافات جوهرية سياسية وموضوعية في البرامج المطروحة لغايات وحدود التحرير، وإمكانات التعايش مع إسرائيل، وبناء عليه ستجد فوارق أيضًا بالوسائل المطروحة لتحقيق ذلك التحرير.

وعلينا -ونحن نتحدث عن إمكانات تعزيز المقاربات الوطنية- أن نعرف أن ثمة نوعين لتلك المقاربات:

  1. منها ما هو جزئي كونه يعزز حالة الوحدة على الأرض الفلسطينية عام ٦٧ أو على صعيد الداخل، أي الحديث المتعلق بالسلطة.
  2. ومنها ما هو شامل ويعزز الوحدة بالمستوى الأعم لعامة الشعب الفلسطيني بكافة أماكن وجوده. 

والمفترض في النهاية أن يكون مفهوم المقاربة شموليًّا ويخدم كل فلسطيني، وفي النهاية أهداف القضية الفلسطينية ودوائرها العربية والإسلامية.

(٤)

إذن ما إمكان التقارب في الحوار الوطني الفلسطيني، في ضوء معرفة كل منا لمدى التناقض الموجود بين أطراف وقوى الشعب الفلسطيني؟

سواء بفهم السلطة وما تعكسه من توجهات لحركة فتح، أو بفهم برامج حركة المقاومة الإسلامية، أو بفهم برامج اليسار الفلسطيني، أو بفهم رؤى النخب المثقفة والمؤسسات المجتمعية وما تعكسه بالتالي من أمزجة شعبية، وما دامت حالة قياس الرغبات الشعبية بحد ذاتها تمثل مشكلًا موضوعيًّا في الوقت الحاضر، فلا شك عندها أننا سنعتمد على ما تمثله وتراه القوى والفاعليات الفلسطينية الوطنية والإسلامية كأكثر الإمكانات القياسية المتاحة في الحالة الفلسطينية. وعليه فهناك ثلاثة مستويات للتقارب:

 المستوى الأول: الاندماجي: وهذه إمكانية صعبة مع أن الواجب ألا نسقطها من قناعتنا جميعًا، خاصة أن التسوية استنفدت خياراتها وتعزز لدى مجمل قطاعات الشعب الفلسطيني أهمية المقاومة لتحقيق الأهداف الوطنية، صحيح أن ثمة خلاف جدلي حول حجم الهدف «٦٧أو كل فلسطين» وثمة خلاف ترتيب، وأرى أن التقارب الاندماجي سيكون ممكنًا إذا أجريت دراسة موضوعية لوقائع الصراع ليقترب الجميع من برنامج التحرير الكامل.

 

المستوى الثاني: التوافقي أو التفاهمي: 

وهو أقرب إلى حالة مقاربة ما بين البرامج في حدود: 

  1. الأهداف المتوقعة دون إعطاء صك تنازل عن الأهداف الثابتة.
  2. الوسائل الممكنة دون إسقاط الخيارات الكلية. 

على أن ما يجري مقابل ذلك حالة من القابلية والاستعداد لدى جميع أطراف الطيف الفلسطيني بما فيها السلطة بالتعايش مع الأحداث المتوقعة والوسائل الممكنة، ودون أن تحتكر السلطة صناعة القرار وحدها أو يكون لها احتكارات أو ميزات مختلفة أو متفوقة على الآخرين. والأهم وجنبًا إلى جنب يجب أن يجري تعزيز تام لمبدأ الانتخاب في كل الدوائر والقطاعات، وتعزيز عملي لها للاقتراب من قياس رأي الشعب الفلسطيني ضمن مقاييس محسوسة.

باختصار.. المطلوب من طرف السلطة بصفتها المؤسسة الحاكمة والمالكة لصناعة القرار أن يكون لديها قابلية إدارية لصناعة القرار المشترك، وقابلية سياسية لتحسس نبض الشعب، وقابلية أخرى لتعزيز الديمقراطية والشرعية والمحاسبية. وبالطبع يجب أن يقترن كل ذلك بإجراءات ووسائل على الأرض وبتوافقات ملزمة أمام الشعب وقواه وفاعلياته.

 طبعًا ستواجه السلطة مشكلة التسوية واستحقاقاتها، ومشكلة الأطراف الدولية الضاغطة التي لديها «فيتو» على مثل هذه الحالة الوطنية، لذا سيكون هنا الاختبار الحقيقي في تحدي السلطة لكل هذه الضغوط. وعلى السلطة أن تقرر في أي ملعب تكون؛ ملعب التوافق الوطني أو ملعب الضغوط الوطنية، أما حالة التوفيق بينهما فمستحيلة وصعبة ولا يمكن الاستمرار بها.

وعليه فمن يتحدث عن حوار ووحدة، عليه أن يؤمن بأن المطلوب منه تنازلات إدارية وسياسية وإجرائية وليس تنازلات في الثوابت والكليات التي يؤمن بها كل طرف. وما دامت القوى الفلسطينية غير المشاركة في السلطة في موقع الشعب، فلا شك أن المتطلبات ستكون أكبر لمن هو في الموقع الرسمي الذي يمسك بزمام السياسة والإدارة والأمن.

المستوى الثالث: وهو التقاربي: وهو دون شك أدنى من طموح كل المستويات آنفة الذكر، ويحمل في طياته المطلوب الأدنى في المراحل الحالية، وربما لا يستطيع أن يحمل في طياته مفهوم ومعنى وجود حكومة طوارئ وطنية، إلا إذا كان المقصود أننا نريد حكومة طوارئ شكلية.

 

وأعني بالشكل التقاربي ما يلي:

  1. احتفاظ كل طرف فلسطيني بأهدافه ووسائله والعمل على تحقيقها بالطريقة التي يراها مناسبة.
  2. تلافي أي إشكاليات تمس التقارب الوطني وتغليب لغة العقل واستمرار الحوار في كل منابر العمل.
  3. جعل حالة الميدان الانتفاضي وأعمال المقاومة على الأرض منفصلة عن استحقاقات السلطة وواجباتها.

وفي ضوء وصولنا لنقطة الانتفاضة الحالية ولإرهاصاتها المعروفة بما فيها من عدوان وانعدام لأفق التسوية الذي تأمله السلطة، من الواجب أن يُترك الباب مفتوحًا لكل طرف لتحديد كيفية رد العدوان والتصدي للاحتلال، ودون أن نجعل من الضغوط الدولية التزامات وطنية تتصدى لأي حالة نضالية.

 

(٥)

إن ما نطمح إليه هو وصول حوار القاهرة لأي مستوى من المستويات آنفة الذكر، مع أنه لا يبدو في الأفق أنها تحمل بعدًا توافقيًّا وطنيًّا حقيقيًّا بالمعنى الذي شرحناه، بل هي أقرب لمحاكاة شكلية للواقع الانتفاضي الفلسطيني المقابل للواقع العدواني الفلسطيني، ومحاولة من طرف السلطة وفتح للحصول على تنازلات من حماس على مستوى وتيرة العمل العسكري، نظرًا للوضع السياسي الحرج الذي تعايشه السلطة في ضوء أحاديث ضرب العراق وقرب انتخابات الكيان الصهيوني وما ستحمله من تأثيرات ومؤثرات. ومن أراد أن ينزل لميدان الحقيقة والاستعداد لمناقشة الخيارات التوافقية والتفاهمية على شكل وطني يحتمل حكومة طوارئ فلسطينية، فعليه أن تكون لديه قابلية وإرادة ويتحمل في سبيل ذلك الضغوط الدولية والسياسية، بل وعلى الأرجح العسكرية. وما نطمح إليه دون شك هو أن نصل جميعًا كأطراف ونخب فلسطينية لحسم موقفنا من قضية التسوية، وبالتالي من المقاومة، وبرأينا أن الحسم تجاههما بات واضحًا لكل مستقرئ جيد للحالة الفلسطينية وما يحيط بها من مفاعيل إقليمية ودولية، فحسم الرؤية يفيدنا في الوصول للأهداف الواضحة.

إن انتفاضة الأقصى وسقوط التسوية يمكن أن يرفعا من منسوب التوافق إن أراد الجزء الرسمي المتنفذ ذلك، فالكرة -برأينا- في ملعب السلطة وليست في ملعب الحركات الإسلامية؛ لأن حالة العدوان تبرر المقاومة ولا تبرر الاستمرار بالتسوية. في ذلك الحين يمكن القول إننا سنصل إلى حالة تقارب وبرنامج في حوار القاهرة أو غيره.
 

البتار يدخل المعركة

احتلال قطاع غزة «بالمفرق».. وصواريخ القسام تغير قواعد المواجهة.

فلسطين: وسام عفيفة

عقب كل اجتياح صهيوني لغزة كانت رسالة القسام واضحة ومفادها أنه مقابل الاجتياح والقصف والتدمير للمنازل والورش الصناعية، فإن المستوطنات والمدن خلف ما يسمى بالخط الأخضر مستهدفة بالصواريخ، ورغم أن تلك الصواريخ لم تكبد العدو خسائر تذكر في الأرواح، إلا أنه بات واضحًا حجم الخطر الذي ستشكله في المستقبل في ظل تركيز كتائب القسام على تطويرها. وكانت أجهزة الأمن الصهيونية قد وضعت يدها في رام الله مؤخرًا على خلية تخطط لإطلاق صواريخ على الأحياء الشمالية من القدس، وتم ضبط ۲۰ صاروخًا خُبئت في المنطقة، وهو ما زاد من هلع الصهاينة.

اجتياح بالتقسيط

وعلى ضوء المعطيات الميدانية في المواجهة القائمة منذ أكثر من عامين، يجدر التفريق بين ميدان المواجهة في الضفة الغربية والمواجهة في قطاع غزة، بل يمكن المبالغة بوصف الحالة بأن هناك انتفاضتين لكل واحدة منها طرق مقاومة وعوامل ميدانية تختلف عن الأخرى ووسائل تصدٍّ مختلفة أيضًا.. كلٌّ حسب ميدان المواجهة. 

وكان نقاش موسع وعميق جرى في دهاليز الأجهزة الأمنية والعسكرية بعد عملية السور الواقي في الضفة الغربية، أفضى إلى قناعة بعدم تكرار التجربة في قطاع غزة بسبب عوامل كثيرة منها: الاكتظاظ السكاني، واستعداد الفصائل المسلحة. وأوصى قادة الأجهزة الأمنية والجيش بالعمل بالقطعة في قطاع غزة، بحيث تنفذ عمليات هجومية محدودة دون الحاجة إلى احتلال مناطق في القطاع.

وبات واضحًا منذ شهر مايو الماضي أن عمليات الاقتحام لمدن وقرى القطاع أخذت شكلًا آخر تميز بالهجوم الواسع ثم الانسحاب، بحيث تستغرق عملية الاقتحام أو التوغل بضع ساعات لكنها تكون مكثفة. وتعتقد أجهزة الأمن أنه بالرغم من أن معظم الخطر يأتي من الضفة الغربية بسبب القرب الجغرافي وانطلاق الاستشهاديين منها، إلا أن القطاع يمثل لهم «وجع رأس» على حد تعبير وزير الجيش ورئيس هيئة الأركان السابق شاؤول موفاز، ومن هنا بدأت حرب جديدة من نوع آخر: حرب بالتقسيط، فقطاع غزة يشهد يوميًّا عمليات اجتياح وتدمير وهدم البيوت، تارة يبدؤون في رفح «جنوب»، وفي اليوم التالي في بيت لاهيا «شمال»، ثم يلتفتون إلى المغازي «شرق»، ثم تكون محطتهم التالية خان يونس «جنوب»، ثم يهاجمون مدينة غزة أو دير البلح أو النصيرات. كل ذلك بعيدًا عن شكل الحملة الواسعة، رغم أن كل عملية اجتياح تسفر عن سقوط شهداء وجرحى وهدم للمنازل والمنشآت واعتقال المئات وتجريف آلاف الدونمات الزراعية. 

ويشير الصحفي عاموس هرئيل في صحيفة «هاآرتس» إلى استمرار عمليات جيش الاحتلال في قطاع غزة بقوله: «النشاطات العسكرية في القطاع غير نقية من الأخطاء، ولكن الانطباع المتولد هو أن الجيش نجح في أن يدير في القطاع في الشهرين الأخيرين معركة مذهلة من خلال خسائر قليلة له وللمواطنين الإسرائيليين».

احتلال غير مباشر

إذًا الجيش يشعر بالرضا حتى الآن تجاه قيادته دفة المواجهة في قطاع غزة. وبحسب المحلل السياسي زئيف شيف فإن الاقتراحات التي طرحت في السابق لاحتلال قطاع غزة ولو لفترة قصيرة، لم تكن جدية من الناحية الاستراتيجية والسياسية، فاحتلال القطاع يتطلب السيطرة على مجموعة كبيرة من السكان وهذا أمر يوقع عددًا من الخسائر بالأرواح من دون أن يؤدي إلى القضاء على المقاومة.

بين النجاح والإخفاق

وفي واحدة من أخطر عمليات الاجتياح شهدت مدينة بيت حانون شمال قطاع غزة ١٤/١/٢٠٠٣ عدوانًا هو الأوسع منذ اندلاع انتفاضة الأقصى، تواصل حتى فجر اليوم التالي وتضمن عمليات قصف من مروحيات وتوغلًا وقصفًا بالدبابات ومداهمة منازل واعتقالات، وسقط قرابة أربعين ما بين شهيد وجريح. 

وخرج عشرات المجاهدين والمقاتلين من كافة الفصائل لخوض اشتباكات عنيفة مع قوات الاحتلال، وتمكنت كتائب القسام من إعطاب دبابتين حربيتين من طراز ميركافا، ليصبح عدد الدبابات الأكثر تطورًا في العالم التي دمرها مجاهدو القسام يوم الجمعة أربع دبابات.

البتار يدخل المعركة

ولمواجهة عمليات الاجتياح المتكررة المدعومة بأكثر الآليات تحصينًا، استحدثت كتائب القسام قذيفة صاروخية جديدة أطلقت عليها صاروخ «البتار»، وهو يتمتع بالعديد من المزايا التي تجعله سلاحًا فعالًا في مواجهة الاجتياحات، إذ يستطيع الصاروخ حمل أكثر من أربعة كيلوجرامات من المواد المتفجرة من نوع «آر دي إس» شديدة الانفجار. ويتميز بقدرته الفائقة على إصابة الأهداف بدقة خاصة في قطاع غزة المحصن بالدروع الواقية، فهو مزود بـ «قناص ونیشان»، ويصل مداه لمسافة كيلومتر، مما يساعد على ضرب الأهداف بسهولة ويوفر للمقاومين فرصة الانسحاب بسلام.

 والصاروخ عبارة عن أنبوب معدني طوله متر تقريبًا وقطره ٦ بوصات، بداخله مقذوف صاروخي يشبه قذيفة «آر بي جي»، لكنه أكثر قوة في اختراق الهدف.

الرابط المختصر :