; قراءة جديدة للتاريخ | مجلة المجتمع

العنوان قراءة جديدة للتاريخ

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1973

مشاهدات 1

نشر في العدد 132

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 02-يناير-1973

قراءة جديدة للتاريخ

الصفحات الأخيرة من حضارتنا

 لا يلد الانفصال الا انفصالا. والسير ضد سنة الله محاولة انتحارية . ومن سمات حركة التطور البشري أن الروح العامة تؤدي دورا مهما في عملية السير التاريخي.

فإذا كانت الروح العامة متجهة الى الخير تسابق الناس إلى الخير .. هكذا تقدمت حركات الاصلاح ، وهكذا استقطبت اجيالا في ايامها .. والأمر نفسه ينطبق على الشر، ولم تمت الأمم إلا بالروح الشريرة العامة التي جعلت التحلل «مودة » ، والتفسخ الخلقي فضيلة ، والسقوط تقدمية .. وهكذا تحولت الأمة الإسلامية في فترات تداعيها .. ضمن انفصال الى خلافات كبرى كلاث « عباسية ببغداد ، اموية الاندلس فاطمية بمصر » والى انفصال آخر في الأندلس بين ملوك الطوائف .. وفي المشرق بين الشام ومصر واليمن وهكذا ، وفي المغرب العربي بن زيرى في تونس وزناته ثم المرابطين في المغرب الاقصى ، وبنى حماد في الجزائر .

ولقد كانت السنوات الأولى من القرن الخامس الهجري« الحادي عشر الميلادي» مسرحا المعارك طويلة دارت بين بني يرى الذين يحكمون تونس ، بني حماد الذين احبوا تكوين إمارة مستقلة بهم في الجزائر .

 لابد ان كان بنو زيري يحكمون تونس والجزائر معا .

 وعبر حروب طويلة خاضها تماد مؤسس الدولة مع زيرى في ناحية ناته في المغرب الأقصى من ناحية أخرى حروب استطاع حماد ساعدة ظروف كثيرة منها نصر المصادفة .. أن يستقل جزء كبير من أرض الجزائر لإسلامية . وكان ذلك سنة ٤٠ هو «١٠١٦م » حين نجح عقد صلح مع المعز بن باديس حاكم تونس - « ٤٠٥ .. .. عبر هذه ...- ٤٥٤ م » .. وأصبح الرجل الأول في الجزائر.

ولقد عاشت هذه الدولة قريبا من مائة وأربعين سنة وتعاور الحكم فيها تسعة من الملوك كان من أشهر  حماد نفسه « ٤٠۸ - ٤١٩ هـ » والقائد بن حماد » ٤٠٨ - ٤٤٦ ه « والناصر بن علناس «٤٥٤ ٤٨١ هـ » والمنصور بن الناصر « ٤٨١ - ٤٩٨ هـ » .. الى ان وصل الحكم ليحيى بن العزيز الذي حكم ما بين ٥١٥ - ٥٤٧ هـ » فكان سلوكه ومجموعة ظروف أخرى من أسباب سقوط الدولة على يد الموحدين سنة ٥٤٧ هـ « ١١٥٢ م».

لقد كانت دولة بني حماد انفصالا من انفصال .. وسارت في طريقها ، فكان طريقها على امتداده زاخرا بالمشاكل ، وعلى امتداد هذا التاريخ كانت الحروب شبه دائمة بين الحماديين وزنانة وبني زيرى .. مضافا الى ذلك ان هذه الدولة لم تكن لها أهداف محددة ، اللهم إلا هدف البقاء والسيطرة.

وكان كثير من ملوكها يمتازون بالقسوة الشديدة بل إن مؤسسها حماد نفس استعمل أسلوب الدم كي يبنى دعائم دولته.

 ولقد دمر مدنا وقرى أمنت لعهده ووثقت في كلماته ، وكان مكروها من جنوده . وقد تتابع هذا النهج في كثير من أحفاده كبلقين بن محمد ، وباديس ، وبعض أيام يحيى ، اخر الأمراء . إلى غيرهم .

في الأمم كما في الأفراد«إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض»

لقد كان يحيى بن العزيز آخر الأمراء الحماديين عابنا لاهيا ، وربما كان لهوه ومجونه هذا هو السبب المباشر لسقوط الدولة.

وايضا من المحتمل أن بروز قوة كبرى في المغرب وهي قوة دولة « الموحدين » بقيادة محمد بن تومرت ثم خليفته « عبد المؤمن بن علي » يحتمل أن يكون هذا كذلك ـ السبب المباشر في السقوط..

لكن مع ذلك يبقى أن كل هذا لم يكن إلا المرحلة الاخيرة في السقوط ، وهي تلك المرحلة التي تركبها عجلات التاريخ لتقفز بها قفزتها الأخيرة .... اما الاسباب الحقيقية لسقوط الدولة فتتلخص في سياسة الدولة الخارجية التي كانت أكبر عار في تاريخها واكبر لطمة وجهتها الى نفسها .

 فلقد انتهجت هذه الدولة نهجا سياسيا ذاتيا يعتمد على البحث عن النفس ، حتى ولو سقط العالم الإسلامي كله.

وسقطت تكريت ، وسقطت رودس ، وسقطت صقلية وعاصمتها العظيمة « يلزم » وسقطت المهدية عاصمة أبناء عمومتهم في تونس .

سقط كل هذا فلم تتحرك عواطف زعماء هذه الدولة ، بل - انهم كانوا يعقدون معاهدات صداقة مع المسيحيين . ظنا منهم ان للصليبيين عهدا او شرفا أو أمانة . وناسين قوله تعالى :
﴿ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ . (البقرة آية:١٢٠)

 

ولقد أثبت لهم الصليبيون صدق منطق القرآن، فهاجموهم بالرغم من معاهداتهم معهم سنة ٥٣٤ ه وهاجموهم في المهدية سنة ٥٢٩ هـ .

من وسقطت دولة الحماديين ، لأن كلمة التاريخ التي هي جزء سنة الله تقول ان الدول كالافراد ، تتأكل بالتدريج ما لم تبحث عن شملها المبعثر ، أو كما يقول المثل العربي الصادق : « إنما  أكلت يوم أكل الثور الأبيض »

 فسقطت دولة الحماديين سنة ٥٤٧ هـ على يد قوة إسلامية جديدة.

بقلم : الأستاذ عبد الحليم عويس

الرابط المختصر :