; المجتمع الثقافي (1356) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1356)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1999

مشاهدات 55

نشر في العدد 1356

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 29-يونيو-1999

قراءات لغوية

ليس تناقضا

من الظواهر اللغوية الخاصة بالعربية دون سواها من اللغات، ما عرف بـ«الأضداد»، وهي الكلمات التي تؤدي معنيين متضادين بلفظ واحد، وقد أولاها العلماء عنايتهم منذ أن بدأ عصر التأليف، ويأتي في مقدمتهم محمد بن القاسم الأنباري (ت ٣٢٧هـ) في كتابه «الأضداد»، حيث جمع فيه ٣٥٧ ضدًا من مثل:

 «الظن» للشك واليقين، «القرء» للطهر والحيض، «المأتم» للفرح والحزن، «السليم» للسالم والملدوغ، «المفازة» للمنجاة والمهلكة، «الجون» للأبيض والأسود، «المنين» للحبل القوي والحبل الضعيف «التلعة» لما ارتفع من الأرض وما انخفض منها، «الحزور» للغلام والشيخ «الطب» للسحر والعلاج منه، «اللحن» للخطأ والصواب، ويقال: «شرى» لمن باع أو ابتاع، و«خبت» النار إذا سكنت وإذا حميت.. إلخ.

ويذكر أن القول بوجود «الأضداد» في العربية ليس بإجماع اللغويين، فمنهم من قال بإمكان وقوعه مثل الأصمعي وأبي عبيدة وابن الأنباري، ومنهم من أنكر وقوعه أشد إنكار وتأول ما قيل عنه مثل ابن درستويه في كتابه «إبطال الأضداد»، ومنهم من قال بوجوده ولكن عدوه منقصة للعرب والتباسًا في العربية وهؤلاء هم الشعوبية أعداء العرب.

على أن من قال بوجوده عده من مظاهر الاتساع اللغوي عند العرب، وفسروا ظهوره بأن الكلمة من كلمات الأضداد لم توضع للمعنيين المتضادين في أول الأمر، وإنما وضعت لأحدهما، ثم جدت عوامل مختلفة أدت إلى نشأة المعنى الثاني المضاد للأول ولكن أصحاب هذا الرأي توسعوا في الأمر كثيرًا، وذكروا أمثلة عده للأضداد وهي ليست كذلك، بل منها ما هو من المشترك اللفظي، ومنها ما كان مصحفًا أو محرفًا وعلى الرغم من ذلك، تبقى مجموعة من كلمات الأضداد يصلح الاستشهاد بها على وجود تلك الظاهرة في اللغة العربية وأنها ظاهرة طبيعية وليس -كما يقول الشعوبيون- تناقضًا في العربية.

   محمد علي حسين

حركة تجمع شعر الحداثية (٢ من ٢)

الانتحار عند أعتاب اللغة الفصحى

بقلم: ناصر يحيي

مثلما أثارت حركة «تجمع شعر» ضجة في الوسط الأدبي، فقد اكتسبت عداوات كبيرة وجدت في أطروحات الحركة وشخصيات روادها وانتماءاتهم السياسية والدينية.. ما يرسم علامات استفهام كبيرة حول الحركة وأصحابها.

 وفي الجانب السياسي، كان مشهورًا انتماء معظم مؤسسي حركة «تجمع شعر» للحزب القومي السوري وتأثرهم بزعيمه المؤسس «انطوان سعادة»، وقد كان «يوسف الخال»، عضوًا فعالًا في الحزب القومي السوري وتزعم داخله اتجاهًا ليبراليًا وجوديًا أدى إلى فصله من الحزب.. لكن هذا الانفصال كان تنظيمًا لا فكريًا، وفي شأن يوسف الخال، يقول أدونيس «لم يكن أيديولوجيًا يؤمن بنظريات القومية العربية والوحدة العربية، خصوصًا بمفهومهما اللذين كانا سائدين».

أما عن أدونيس نفسه فيقول هو عن تأثره بأفكار «سعادة»: كان صاحب الأثر الأول في أفكاري وفي توجهي الشعري، ولأنه بالإضافة إلى ذلك أثر تأثيرًا كبيرًا في جيل كامل من الشعراء، بدءً من سعيد عقل، صلاح تبكي، يوسف الخال، فؤاد سليمان.. وانتهاءً بخليل حاوي، وكان إلى ذلك ملهمًا لكثير من الأفكار والآراء الشعرية في النقاش الذي دار حول مجلة شعر، والمشكلات التي أثارتها.

حركة شعر

هذا عن يوسف الخال، وأدونيس أبرز شخصيات حركة شعر، أما عن الآخرين، فخليل حاوي كان معروفًا بانتمائه للحزب السوري، وإن كان قد ترك الحزب مبكرًا إلى الفكر العروبي، ولعل هذا يفسر سبب انفصاله عن «حركة شعر» بعد فترة وجيزة من إنشائها. 

أما محمد الماغوط الذي يعد الصرخة الكبيرة في التجديد الفني في التجمع، فقد نشر اعترافات مضحكة في مجلة «الوسط»، اللندنية عن حياته في تجمع «حركة شعر»، وكان الماغوط قد انفصل عن التجمع بعد أحداث مؤتمر روما، واتهمه بأنه تجمع متغرب متنكر للتراث العربي في إشارة لما قاله «يوسف الخال» في مؤتمر روما.

وعلى الصعيد المذهبي، ينتمي محررو مجلة «شعر» إلى الأقليات الدينية، لكن يوسف الخال يصف هذا الانتماء الديني مثله مثل الانتماء السياسي للحزب السوري القومي، بأنه من قبيل المصادفة فقط. 

هذه الخلفية السياسية والدينية لرواد «حركة شعر» لم تكن من قبيل المصادفة، وكان لها دور واضح في أفكارهم المتطرفة ضد الحضارة الإسلامية والانتماء العربي واللغة العربية نفسها.. وقد كان ذلك واضحًا في الكلمة التي ألقاها الخال في مؤتمر روما الذي نظمته «المؤسسة العالمية لحرية الثقافة» التي ثبت أنها ممولة من قبل المخابرات المركزية الأمريكية، وهي المنظمة التي أنشأت مجلة «حوار» ورأس تحريرها «توفيق الصايغ»، أحد أعضاء «تجمع شعر».. وهو الذي استقال منها بعد ذلك، وأعلن عدم معرفته بارتباط المنظمة العالمية لحرية الثقافة بالمخابرات الأمريكية.

الغريب أن أدونيس -أحد أعمدة التجمع- يقول في كتابه «ها أنت أيها الوقت» عن مرحلة عضويته في تلك الحركة: «كانت معرفتي بالنتاج الأدبي العربي المعاصر -آنذاك- ضئيلة جدًا، بل شبه منعدمة.. إنني لم أقرأ أي شاعر أو كاتب مصري إطلاقًا، باستثناء المختارات التي كانت ترد في الكتب المدرسية.. حتى شوقي لم أقرأها ولم تبدأ قراءاتي للنتاج المصري الأدبي والفكري إلا في أوائل السبعينيات.. والأمر هو نفسه بالنسبة إلى النتاج العربي الآخر». 

أما يوسف الخال، فله أراء غاية في التطرف، ولا سيما تجاه اللغة العربية، فهي متهمة عنده بأنها سبب المشكلات التي يعاني منها الأدب العربي، بسبب ما يصفه بأنه اختلاف بين اللغة المكتوبة واللغة المحكية وكما يقول والخلاصة التعيسة هي أننا شعوب لا لغة حية مكتوبة لها، وإذن لا أدب لها.

وعنده أن اللغة العربية لغة استهلكت واستنفذ مكانية تطويعها للتعبير عن خلجات النفس وتأملات لعقل، كما كان الخال يتبنى الدعوة إلى العامية لو أنه لم يكتب بها إلا قصيدة واحدة، ومقاطع الشعرية قصيرة، لكنه كان بعد العامية مرحلة متطورة من الفصحى، ويعدد مظاهر هذا التطور بالآتي:

  1. إلغاء الإعراب.

  2. الاستغناء عن عدد من الضمائر نون النسوة وضمير المثنى.

  3. الاكتفاء باسم موصول واحد هو «اللي».

  4. الاكتفاء باسم إشارة واحد هو «ها».

كان الخال متأثرًا في دعوته إلى تبني العامية الشاعر الإنجليزي «ت.س إليوت»، أما أدونيس فقد كان موقفه مترددًا تجاه دعوة العامية، ثم انحاز يوسف الخال، لكنه ظل يعود للفصحى ويحرص على الكتابة بها، أو كما يقول: «أردت أن أؤسس علم آخر باللغة نفسها».

أدت الأطروحات المتطرفة «لتجمع حركة شعر» لي معارك أدبية شرسة، وخاصة مع الأدباء الملتزمين من شتى الاتجاهات، وقد تسبب نهج حركة شعر العدائي في تبادل الهجوم الشرس قد نالوا من كل من له قضية، وقد أدى ذلك إلى كثير أعدائهم الذين قابلوهم بالحصار فنبذوهم، ما أنت مهاجمتهم للتراث العربي والثقافة العربية كل ما له صلة بالعروبة، وسخريتهم من الآخرين المخالفين لهم واستجهالهم، إلى تقوقعهم ومعاناتهم من حصار آخر فرضوه هم على أنفسهم.

 

دائرة مغلقة

وقد أدى ذلك كله إلى تضعضع تجمع «حركة شعر»، فقد منعت مجلة «شعر» من دخول العراق وسورية، وانقطع تواصلها مع كثير من أدباء العالم العربي وخاصة مصر، وظل مؤسسو الحركة يدورون في دائرة شبه مغلقة، وانطووا على ذواتهم انكمشوا على أنفسهم، وخاصة بعد الاتهامات التي لاحقتهم بالارتباط بجهات خارجية أجنبية.

ويبدو أن تلك الظروف قد تكتلت ضد حركة شعر ودفعت بها إلى حافة النهاية، لكن الصخرة التي اصطدموا بها كانت اللغة العربية الفصحى، قد اعتبر يوسف الخال أن هذه المسألة جوهرية شرط أساسي لتطور الأدب العربي، ولما عجزت حركة شعر عن تقديم أي إبداع فني في مستوى التنظير لأفكارها، كان لا بد أن تموت، وهكذا أعلن الخال عام ١٩٦٤م أن تجمع «حركة شعر» قد اصطدم بجدار اللغة.. وفشل في أداء مهمته، وأنه لا بد أن يموت كما أعلن عن توقف مجلة «شعر».

وهكذا انتهت أعتى حركات الحداثة عداوة التراث الإسلامي والعروبة واللغة العربية.. وتفرق رجالها، لكنها بقيت دليلًا على ما يمكن أن تؤدي إليه الأفكار المشبوهة -السياسية والمذهبية المنحرفة- من إغراق في العبثية وتحطيم الأشياء الجميلة في حياة الناس بدعوى التحرر من القيود والانعتاق من المعوقات والتخلص من العراقيل.

 والحقيقة أنه على رغم موت تجمع «حركة شعر» إلا أن تأثيراتها ظلت ملحوظة هنا وهناك في الإنتاج الشعري والأدبي والفكري لشخصيات عديدة في عالمنا العربي، هذه الشخصيات الأدبية التي تعيد إنتاج مقولات حركة شعر، وأطروحاتها.

 

سلامًا شيخنا القسام

شعر: د. ابتهال عز الدين القسام (*)[1]

سلامًا شيخنا القسام

يا بوابة العرب 

ويا نورًا 

يقول لشمسنا احتجبي 

ويا رمحًا 

يقول لقامة الفقراء 

آن أواننا 

والوعد، ثم النصر فانتصبي

وديوانًا 

يضم نفائس الأشعار

«ألبومًا»

يضم روائع الأقوال في الأدب

ويا موجًا 

هدير الرفض نبرته 

وسيرته 

سطور العزم والغضب

ويا كنزًا 

حروف الدهر 

لم تخدش أصالته 

وتبقى دائمًا تسمو 

وفي العلياء كالأقمار 

في الوجدان كالذهب 

ويا نارًا 

حشود الخصم تطعمها

وليس بيادر الحطب 

ويا خيلًا 

لها الميدان 

دون منازع في الأرض 

ثم امتد

نحو ملاعب السحب

بحيفا لم تزل حيًا

تردد ذكرك الأنسام 

والأمواج والشطان 

وحور الكرمل العالي 

فأنت الحي في الأعماق 

مهما قيل: إن الرمز 

قد واراه بالترب

يموت طغاة أمتنا 

ويندثرون 

وتبقى لعنة الأجيال 

كالأكفان تلبسهم 

ولا تحزن 

وعنا أنت رغم البعد 

رغم تراكم الأعوام لم تغب 

بقيت «مشرشًا» 

في النبض والوجدان والذكرى

تفيض بخضرة غناء

تسكن قلبنا الرحب

[1] (*) حفيدة المجاهد الشيخ عز الدين القسام.

تقليد ثقافي ياباني

على مدى الأربعين سنة الماضية ومنذ عام ١٩٥٨م يستفيد عدد من خريجي الجامعات المصرية بمنح دراسية يابانية لنيل درجة الدكتوراه في تخصصات مختلفة.

بعد عودتهم إلى مصر، وحصولهم السفارة اليابانية في القاهرة تواظب على التواصل مع هؤلاء، على مراكزهم المرموقة، سواء في سلك الجامعات أو غيرها.

وفي الشهر الماضي شهدت القاهرة حفلًا أقامته سفارة اليابان ودعت إليه جميع من حصلوا على الدكتوراه من اليابان خلال الأربعين سنة الماضية، وكان من أبرزهم رئيس جامعة القاهرة الحالي د. فاروق إسماعيل، الذي حصل على درجة دكتوراه الهندسة من اليابان ترى هل تفعل سفارات بعض بلادنا العربية والإسلامية كما تفعل الدبلوماسية اليابانية؟

إن دولًا مثل مصر، وباكستان، والمغرب، وسورية، وغيرها، تستقبل في جامعاتها طلابًا من مختلف دول العالم الإسلامي وغير الإسلامي لدراسة اللغة العربية والإسلام وعلوم القرآن والسنة، ولا شك أن مثل هؤلاء الدارسين بعد حصولهم على درجاتهم العلمية وعودتهم لبلادهم، يمكن أن يكونوا سفراء شرفيين لبلادنا وحضارتنا في بلادهم، وبصفة خاصة إذا ما حرصت سفاراتنا على مد جسور المودة والتواصل معهم، على طريقة اليابانيين مع خريجي جامعات بلادهم.

 حازم غراب

تهافت الاستشراف العلماني وفضائحه (۲ من ۲)

البديل الإسلامي للاستشراف

بقلم: محمود كسواني

التفكير بالواقع وتغييره عند الصحابة كان بمثابة المنطق البرهاني المؤسس على التجربة والفحص لا على التأمل ورسم الصور الذهنية

ذكرنا في الأسبوع الماضي أن البيئة هي مجال عمل المستشرف، وأن الجانب الحضاري الاجتماعي للبيئة لا يمكن دراسته وقراءة مستقبله بأدوات البحث العلمي الطبيعي والمنطق الرياضي، لأن الإنسان والاجتماع والنفس ليست علومًا بالمعنى المتداول للعمل، وذكرنا تعريف المستشرف بأنه قارئ للمستقبل بما يمليه عليه نقده للماضي والحاضر ودراسته الحيادية لهما معًا، فإلى أي مدى تحققت نبوءات المستشرفين المعاصرين العلمانيين على هذا الصعيد؟

ماذا توقع المستشرفون؟ وماذا تحقق؟

الزمن أبريل ۱۹۸٥م، والمكان جامعة جورج تاون الأمريكية بواشنطن، والموضوع: «استشراف المستقبل العربي» من خلال ندوة انتدب لها جهابذة الباحثين المعاصرين من العرب والعجم، مسلمين وغير مسلمين، يصلون الليل بالنهار، في محاولة لدراسة العقد القادم للعالم العربي، أي عقد التسعينيات «الذي سيغادرنا بعد عام» وكانت مواضيع البحوث متنوعة تنوع الدول العربية: عن الدولة وحقوق الإنسان والديمقراطية والعلاقات الدولية والإقليمية والثقافة والفن والمرأة والتمييز العنصري والصراع بين العرب والإسرائيليين.

فماذا توقع الباحثون وخيرة المختصين غير المنحازين وماذا حصل بالفعل؟ 

نقرأ في قراءة للدكتور محمد عابد الجابري.

لتلك الأبحاث والاستطلاعات نشرها «مركز دراسات الوحدة العربية» ببيروت مترجمة إلى العربية سنة ١٩٨٦م، خرج الجابري بنتيجة واحدة مفادها «أن المستقبل العربي يأتي دائمًا بمفاجآت، فهو يكذب جميع السيناريوهات والتوقعات ويأتي دائمًا على خلاف مع الأماني، سواء منها ما كان يتعاطف مع طموحات العرب أو ما كان معاكسًا لها أو ما كان يلتزم الحياد ويتمسك بالموضوعية» «المشروع النهضوي العربي مراجعة نقدية ص ١٥٩، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت ط ١/1986م».

ومثل الجابري على تهافت تلك الدراسات الاستشرافية بما جاء في بحث قدمه «سيث تيلمان» الأستاذ الباحث في الديبلوماسية بجامعة جورج تاون عنوانه «ديبلوماسية الصراع العربي الإسرائيلي في العقد القادم: السيناريوهات البديلة»، لقد جاء البحث نموذجًا للإخفاق الذي يتعرض له كل من يحاول توقع شأن من شؤون الوطن العربي.

كانت استنتاجات الباحث مبنية على تمنيات وتخمينات كتوقعه اندماج الفلسطينيين بقطاعهم وضفتهم مع إسرائيل اندماجًا نهائيًّا فيصيرون في وضعية فلسطينيي سنة ٤٨، ويقول الجابري: «..والسبب أن الباحث سيث تيلمان كان عاجزًا تمامًا عام ١٩٨٥م -على الرغم من اطلاعه الواسع على الشؤون العربية ومن تخصصه في الموضوع الذي اختاره- عن أن يتوقع ما حدث بالفعل في هذا العقد الذي كان موضوع استشرافه، بل إن ما حدث ويحدث خلال هذا العقد كان ينتمي عنده إلى اللامفكر فيه، بل إلى ما هو غير قابل للتفكير فيه، إنه لم يستطع لا هو ولا غيره أن يتصور إمكان قيام الانتفاضة، انتفاضة أطفال الحجارة، وقد قامت بعد سنتين فقط من تاريخ بحثه، كما أنه لم يكن يستطيع أن يتصور، بل لقد استبعد تمامًا أن تكون نهاية العقد الذي تناوله الاستشراف مقرونة بانسحاب الجيش الإسرائيلي والسلطة الإسرائيلية من قطاع غزة ومدن الضفة الغربية، وبطبيعة الحال، لم يكن يخطر على باله، ولا ببال أي مستشرف آخر للمستقبل، أن تعترف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية، وتعترف هذه بإسرائيل، ولا كان بإمكانه أن يصرح باحتمال تبادل الاعتراف والتمثيل الديبلوماسي بين الأردن وإسرائيل، وفتح مكاتب ارتباط «وهي مقدمة للسفارات» بين إسرائيل ودول عربية أخرى. «المصدر السابق نفسه ص ١٥٨».

إنها فضائح الاستشراف الحضاري الإنساني الذي لم يعتبر الإنسان صاحب المبادرة الأولى من بين جميع المخلوقات التي تدب على الأرض، وتتحكم بها وبما تحتويه وتحاط به من موجودات، وهذه جزء من الكرامة التي منحها الخالق سبحانه للإنسان دون غيره. 

ومما يبعث على الدهشة والاستغراب أن بعض المستشرفين المعاصرين اعترفوا بإخفاقهم في مجال الاستشراف الاجتماعي، ومع ذلك ما زالوا يصرون على ممارسته وإضاعة الوقت والجهد في میدانه، فقد أقحمت مجلة الهلال المصرية في عددها الصادر بيونيو ١٩٩٦م، نفسها وأعدت ملفًا خاصًا تحت عنوان «مصر والعالم في القرن ۲۱» وكتب محررها مقالًا افتتاحيًّا دعا فيه لإقامة مشروع عربي حضاري من خلال دعوة المفكرين والباحثين العرب للبحث عن المجهول، وكان من بين تلك البحوث المتهافتة بحث لـ د. رشدي سعيد تحت عنوان: «قراءة في كف مصر في ثلاثينيات القرن المقبل» وليتأمل القارئ كيف أن العنوان يشير بوضوح إلى أن الاستشراف نوع من الكهانة والشعوذة من خلال قراءة كف، الأدهى أن الدكتور يعترف بفشل الاستشراف ثم يعود ويستشرف المستقبل من خلال بحث متهافت مليء بالتخمينات «عندما طلبت مني الهلال أن أكتب عن مصر في القرن الحادي والعشرين ترددت كثيرًا فلي في مجال الكتابة عن المستقبليات تجربة لم تكن ناجحة -فمنذ ثلاثين عامًا وفي أعقاب هزيمة سنة ١٩٦٧م كتبت أربع مقالات متتالية بجريدة الأهرام عن تصوري عما سيكون عليه حال مصر والعالم في آخر القرن العشرين- وفيها تنبأت بأن الحرب الباردة ستكون قد انتهت.. بمصالحة توفيقية بين النظامين المتصارعين.. لكي ينطلقا لبناء عالم يسوده السلم والعدل الاجتماعي والديمقراطية.. أما في مصر فقد تصورت أن سكانها.. سيرتفع متوسط دخل الفرد «منهم» حتى يصل إلى قرابة الأربعة آلاف دولار في السنة.. وكما هو واضح، فإن تنبؤاتي قد خابت.. فالكتابة عن المستقبليات أمر من الصعوبة بمكان» «مجلة الهلال المصرية ص ٣8/٣9 يونيو ١٩٩٦».

البديل الإسلامي

مرجع المسلمين الوحيد هو القرآن، وبيانه من السنة الصحيحة متنًا وسندًا، سواء تعلق الأمر بالعقائد أو بالتشريعات والفهم الوحيد الذي يعول عليه كمرجعية حضارية «إنسانية، سياسية.. إلخ» للمسلمين هو فهم الصحابة -رضوان الله عليهم- الذين عايشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضعوا من نبع معينه، تلك الفئة التي حملت الإسلام منذ ولادته على الأرض وعايشت أسباب نزول القرآن وأصول بيانه من السنة.

فكيف فهم الصحابة شؤون الاجتماع الإنساني وكيف نظروا للماضي ومستخلصاته والحاضر وإنجازاته؟ إن جل المعطيات التي وصلت إلينا حول مفاهيم الصحابة وطرق تصديهم لما يتعلق بالتفكير تؤكد أنهم حصروا طرق التفكير في طريقتين لا غير الطريقة العقلية والطريقة العلمية، واعتبروا أن الطريقة العلمية فرع عن أصل بالنظر إلى أنها امتداد للطريقة العقلية، فما تعلق بالواقع اعتبروه تفكيرًا سليمًا وما تعلق بغير الواقع كالغيب والمجهول لم يعتبروه تفكيرًا إلا إذا دل عليه واقع كالتعرف على الخالق من مخلوقاته، وعلى صفاته من دقة صنعه وبديع عنايته بالمخلوقات، والطريقة العقلية بشكل عام هي منهج يسلك للوصول إلى معرفة حقيقة الشيء الذي يبحث عنه، ولا تتم إلا بوجود معارف ومعلومات عن الشيء «الواقع» المراد التفكير فيه، فبغير واقع وبغير معلومات عنه لا يكون هناك تفكير أصلًا، إنما هي أوهام وفرضيات خيالية، والفرق بين الطريقة العقلية والعلمية أن الأخيرة مختصة بمعرفة حقيقة الشيء، أما الطريقة العقلية فهي عامة بمعرفة حقيقة الشيء وكذلك إثبات وجوده.

النفس والحضارة البشرية

من هنا يتبين أن الاستشراف ليس عملية عقلية لأنه لا يبحث في الواقع ولا ينشده، إنما ينشد الغيب بجزء ظني من الواقع، وليس هو أيضًا طريقة علمية بالتفكير لأن الطريقة العلمية تبحث بالمادة وحقيقتها، والاستشراف الحضاري لا دخل له بالمادة، بل يتعلق بالإنسان والنفس أو الاجتماع والحضارة البشرية: «... وقد توالت الأحداث والمتغيرات فكشفت عن عجز المنهج العلمي الغربي عن العطاء وما يحوطه من ثغرات في العلوم الإنسانية التي اعتمدت على منهج العلوم المادية متجاهلة الفوارق العميقة بين العلوم المتصلة بالمادة وبين ما يتصل بالنفس الإنسانية» «الجندي- أنور- الفكر الغربي- دراسة نقدية ص ۲۰۷، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – الكويت- ۱۹۸۷». 

فالاستشراف ليس تفكيرًا، والصحابة كانوا أعظم احترامًا لعقولهم من أن يجعلوه طريقة للتفكير، وجميع المعطيات التاريخية تشير بلا لبس إلى أن الصحابة لم يكونوا ينظرون إلى المستقبل نظرة العراف أو الكاهن أو المستشرف بل كانوا واقعيين إلى أبعد الحدود، وأن نظرتهم للمستقبل كانت منحصرة في الخوف من تبديل نعمة الله كفرًا: ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ﴾ (الحشر: 18)، فثابروا وثبتوا في حاضرهم ضمن فهم بسيط يؤدي الغاية من وجودهم لأنهم كانوا أعقل من أن يطرحوا الأسئلة الدكارتية والبيزنطية أو افتراض الفروض المسبقة، والإشكالات المزيفة.

لم يتنبأ أحد من الصحابة أو يخمن أو يتمنى، بل كانت إرادة العمل بالحاضر هي اللبنة التي سیزدهر فوقها المستقبل، فكان كفاحهم الواقعي وعملهم الدؤوب منصبًا على خدمة الحاضر، دون الاكتراث بنبوءات العرافين وغيرهم. 

وكان سد الطوفان بالنسبة لهم: التقوى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق: 2-3)، أمانة العلم والمعرفة، وأمانة الإصلاح، وأمانة الاحتكام إلى مقاصد الشريعة الإسلامية الداعية إلى العمران والعدل والاستخلاف والمصلحة العامة للمسلمين.

كان الصحابة لا يعرفون التأجيل والتباطؤ في التصدي للأحداث الجسام، إذ إن التأجيل في عرفهم يعني فوات الفرصة، والوقت في فهمهم لك أو عليك، لأجل ذلك لم يؤجلوا بعث أسامة، أو قتال المرتدين، أو تمصير المدن، وتجنيد الجند وتدوين الدواوين، حتى إن الخليفة الفاروق لم ينتظر الصباح لتأمين قوت الجائعين، فانبرى من فوره في ظلمة ليلة باردة يحمل على ظهره المؤن لبيت العجوز وأولادها، وهذه هي تقوى أمانة الإصلاح، فكان انشغالهم ببناء الحاضر أكثر من تفكيرهم بما يخبئ المستقبل، حتى إذا وصل المستقبل وجدهم مستعدين لمواجهته حقيقة لا استشرافًا، وكانوا يدرؤون مخاطر المستقبل بالتقوى التي تعني بالإضافة إلى تجنب المنكرات والإقبال على فعل الخيرات ما يشير بوضوح إلى أمانة العلم والمعرفة، وأمانة نقل العلوم بدقة دون تحريف أو تبديل: «نضر الله وجه امرئ سمع مقالتي فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع»، وكانت الأمانة العلمية التي يفتقدها العلمانيون اليوم تقتضي التراجع عن الباطل، وكانت سببًا لنشوء المنهج التجريبي الإسلامي الذي فند منطق أرسطو النظري التأملي، الذي كان يتصور خطأ أن الأرض مسطحة، مع أن منطق أرسطو كان من المقدسات عند الأوروبيين، وكانت الكنيسة تتبناه كأصل من أصول المعرفة. 

عمل وقائي

لم يكن الصحابة بحاجة لأكثر من التفكير بمصلحة المسلمين في حاضرهم والتي بالضرورة ستكون عملًا وقائيًّا مضمون النتيجة بازدهار المستقبل، فلم يكن الاستشراف مطروحًا أصلًا لأنه عمل تأملي غنوصي «عرفاني»، أما التفكير بالواقع وتغييره حقيقة كما هو منهج الصحابة، فكان بمثابة المنطق البرهاني المؤسس على التجربة والفحص، لا على التأمل ورسم الصور الذهنية فلم يكونوا بحاجة لطرح السؤال حول حقوق الإنسان لأن الإنسان عندهم كان إنسانًا بالفعل متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا، ولم يكونوا بحاجة لديمقراطية اليونان لأن الشورى أغنتهم عن استيراد التشريعات، ولم يكونوا بحاجة للتذكير بصورة حقوق الأقليات لأن إيذاء الذمي في عرفهم إيذاء للرسول عليه الصلاة والسلام: «من أذى ذميًّا فقد أذاني»، ولم يكونوا بحاجة لمؤتمر حقوق المرأة، لأنها في عرفهم الجنة تحت أقدام الأمهات، وما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم، ورفقًا بالقوارير، إلخ»، إذ إن جميع ما يطرحه العلمانيون من تساؤلات حول رأي الإسلام في مثل تلك الأمور المستجدة، والمشكلات المعاصرة التي صنعها العصر لا الإسلام كلها  أمثلة مزيفة لا دخل للإسلام في وجودها ولا دخل له في إيجاد حلولها لأنها نبتت في غير أرضه، هذا عن المستقبل، أما التفكير بالماضي، فكان بالنسبة للصحابة، تفكيرًا للعبرة والاعتبار، ولم يكن يهمهم من طلول الأمم السابقة وأثارها، جذب السياح والعملة الصعبة، أو إحياء أمجاد ما قبل التاريخ للتباهي بتراث أجدادنا المندثرين، إنما كانوا ينظرون إليها كأمم مضت وانقضت إلى غير رجعة وأن قوة تلك الأمم لم تكن لتمنع عنها المصير المحتم ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَٰلِكَ ۖ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ (الدخان: ٢٥- ٢٨).

العمران

وأن العمران والاجتماع الإنساني النافع للبشرية هو وحده الباقي وغيره يموت ولا يبقى منه سوى الأثر، فماذا يهم الإنسان المعاصر، إن أنفقت دولته الأموال الباهظة في سبيل إحياء آثار الأمم السابقة، أما كان أولى بتلك الأموال أن تنفق لبناء المصانع والمدارس العلمية ومختبرات البحث وملاجئ الأيتام؟ كان الأولى أن نري السائح الأجنبي عظمتنا تجاه شعوبنا لا عظمة أجدادنا وأجداد الرومان والفراعنة تجاه شعوبهم وأنفسهم. 

كان الصحابة يدركون بحكم الطريقة العقلية التي أرشدهم إليها القرآن والسنة معنى العمل والتصدي للمخاطر الحالية الحاضرة، التي قد تهدد مستقبل الأمة: «كلكم على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يأتين من قبلك الحديث»، كيف يمكن أن نتخيل حال جزيرة العرب لو تقاعس أبو بكر عن محاربة المرتدين باسم استشراف نتيجة الحرب أو رأي باقي المسلمين من القبائل غير المشاركة في جيش الخليفة؟ وماذا لو تأخر الفاروق عن السفر إلى الشام لاستلام مفاتيح القدس باسم استشراف مستقبل عاصمة الراشدين إذا ما غادرها الخليفة؟!

لقد أدرك الصحابة وصف الله لهم بالزرع، والزرع هو عمل قبل كل شيء، وأشد ما يغيظ الكافرين والمنافقين أن يتحول المسلمون إلى زراع عاملين ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح: 29).

وماذا يضير أعداء المسلمين إن بقي المسلمون تأمليين وعرافين أو قراء مستقبل ومحللين؟ وأي خوف ورعب من قاعد وقارئ للنجوم، يرسم بذهنه صورًا تخمينية للغيب ومعطياته؟

الرابط المختصر :