العنوان قراءات جزائرية من أجل معادلة سياسية
الكاتب محمد عبدالهادى
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1983
مشاهدات 64
نشر في العدد 642
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 25-أكتوبر-1983
- بن بيلا وبوتفليقة اتجاهان لم يكن للإسلاميين في الجزائر أية علاقة بهما.
- هل يتدخل الرئيس بن جديد فيعيد حسابات المعادلة ويأمر بإطلاق سراح الإسلاميين؟
في عهد الرئيس بن جديد
- هل تعود الجزائر إلي روح ثورة نوفمبر وبيانها الذي نص على إقامة دولة جزائرية في إطار المبادئ الإسلامية؟
- البومدينية ورثت الحكم الحالي تركة ثقيلة لا تحل إشكالاتها إلا بروح ثورة الفاتح من نوفمبر الجهادية.
«أسئلة كثيرة يطرحها المواطنون العرب عن الأوضاع السياسية في الجزائر ولاسيما بعدما تناقلته وكالات الأنباء عن مواقف بعض السياسين القدامي مثل بوتفليقة وبومدين وغيرهما من السلطة القائمة وموقف السلطة من هؤلاء. وإزاء تلك الأسئلة.. وموقف الإسلاميين في الجزائر من ذلك.. نضع بين يدي القارئ هذا المقال«.
للشعب الجزائري بنية عقدية لم تظهر لدى شعوب الأمة التي كافحت الاستعمار كما ظهرت في الشعب الجزائري الذي انطلقت ثورته ضد الفرنسيين عام ( ١٩٥٤م) بما حملته من طرق كانت جديدة في الجهاد المسلح لعشاق حرب العصابات وحرب الشوارع في المدن.. كانت تلك البنية مبنية على أساس ديني أيديولوجي بسيط يتمثل في «الاستقلال والإسلام«.. الاستقلال ضد الاستعمار والإسلام ضد الاستعمار.
فلم يكن المجاهد في جيش التحرير قبل الاستقلال مدفوعًا الحمل البندقية ومستعدًا للاستشهاد إلا في سبيل أن تكون الجزائر مستقلة ومسلمة... ولم يكن المجاهدون أنذاك -والرئيس الحالي الشاذلي بن جديد منهم- يفرقون بين الإسلام كعقيدة... وبين الإسلام كجهاد.. وبين الإسلام كمفهوم يعرف المسلم من خلاله كيف يختار قراره السياسي والعسكري بنفسه.
على أساس هذه البنية خرج الاستعمار الفرنسي بعد أن قدم الشعب المسلم في الجزائر مليون ونصف من الشهداء الأبرار ثمنًا للنصر والحرية.
ولكن هل بقيت المعادلة القائمة على فطرة الإسلام هي السائدة بعد خروج الفرنسيين؟ وباختصار نجيب على هذا السؤال بلا!!
لم تستمد المعادلة بعد الثورة من روح الإسلام.
فقد عرفت الجزائر بعد الاستقلال ولمدة زادت على (١٥) سنة أي حتى وفاة الرئيس الأسبق هواري بومدين عام ۱۹۷۹م معاناة لم تعرفها زمن الاستعمار الذي كان يصادر من الشعب كل شيء بما في ذلك الفكر والثقافة واللغة والمعتقد.
لقد رحل هذا الاستعمار.. لكن المراقب يلاحظ أن ما كان تحت قبعات جنوده من ضغائن وأحقاد على الشعب الجزائري ظل يعشش في عقول بعض المستغربين المحشوين بالفكر الاستعماري المعادي للشعوب العربية المسلمة طيلة عقد كامل بعد الاستقلال ولعل الإدارة السياسية التي كان يوجهها هواري بومدين طيلة السبعينات فرضت كل العنت والتجبر على إرادة الشعب الجزائري بكافة اتجاهاته السياسية مما جعل المراقبين يلاحظون في زمن بومدين تحول الأحقاد إلى ورثة الاستعمار الذين ورثوا تركة مقاومة الروح الوطنية الصادقة المرتبطة بالعقيدة الإسلامية، حيث كانت القوانين الفرنسية تشدد العقوبة على كل من يحمل فكرًا حرًا وعقلًا مستقلًا ودينًا قويًا.
على أن البومدينية التي نهجت منهج عبد الناصر في تزعيم الحاكم كانت تعتمد القبضة الحديدية في الحكم معتمدة في تسيير الشؤون السياسية على سياسة الحزب الواحد الذي أقام حكمه على مبادئ ما يسمى بالميثاق الوطني وهو الذي وضعه شيوعيون من الاتحاد السوفياتي عام ١٩٧٥ - ١٩٧٦م.
وكان هذا الميثاق قد فرض فرضًا على بعض العناصر الطيبة في القيادة السياسية.. ومن ثم على الشعب الجزائري المسلم.
وإذا كان التيار الماركسي قد أخذ مكانه في الإدارة الجزائرية في عهد الرئيس الأسبق أحمد بن بيلا.
فإن هذا التيار سيطر على مواقع النظام جميعًا في عهد بومدين.
وإذا كان الحزب الرسمي الوحيد في الجزائر هو حزب جبهة التحرير الذي اندس فيه الشيوعيون طيلة تلك الفترة فإن للشيوعيين حزبًا مستقلُا في الجزائر هو حزب الطليعة الاشتراكي الذي أعلن عن عدائه في أكثر من موقع ومناسبة لأي توجه إسلامي في الجزائر.
وخلال حكم بومدين... وبسبب القهر والظلم وسيطرة الشيوعيين على كثير من المواقع كان لابد من تحرك المخلصين.
ففي عام ۱۹۷۳ بدأت الحركة الإسلامية تنشط في مواجهة التحرك الشيوعي ولا سيما على المسرح الطلابي، وكان حزب الطليعة الاشتراكي هو هدف الجماعات الإسلامية الراغبة في الإصلاح السياسي والاجتماعي، وذلك الحزب الذي ما كان لينفك عن علائقه بتوجهات الاستعمار الفرنسي مستغلًا الفقر والجهل والمنازع العرقية عند بعض القبائل البربرية.
ولعل عناصر القيادة الشيوعية في الجزائر لم تكن تخفي عمالتها عندما كانت تدعو بعد الاستقلال إلى عودة الجزائر للالتحام بفرنسا «الوطن الأم !!!»، ومما يجدر ذكره هنا أن الحزب الشيوعي الجزائري تأسس عام (١٩٢٥) امتدادًا للحزب الشيوعي الفرنسي. والفرنسيون أنفسهم هم الذين أسسوا هذا الحزب في الجزائر.
و بعد وفاة بومدين تسلم الحكم الرئيس الشاذلي بن جديد في فبراير من عام ۱۹۷۹م الذي كان اختياره اختيارًا وسطًا بين أعضاء القيادة السياسية الذين أحس بعضهم أنه حان الوقت للانقلاب من البومدينية..التي كان يمسك بها الرئيس السابق بقبضة من حديد.
استلم الشاذلي بن جديد ورثة ثقيلة عن سلفه تحتوي على معادلة سياسية في غاية التشابك.
فعلى مستوى الإدارة السياسية أفرزت سياسة بومدين صراعًا بين اتجاهين أساسيين داخل أجهزة الحكم. «البومدينيون - والمعارضون».
وعلى المستوى الحزبي برز في السبعينات الاتجاه الشيوعي من خلال طريقين.. التسرب داخل الحزب الحاكم... وتضخيم الدور الذي يقوم به حزب الطليعة الاشتراكي.
أما الاتجاه الإسلامي فقد برز من خلال وقت قصير ليحتل في الساحة الجزائرية مساحة واسعة جعلت بومدين يمارس معها أساليب متعددة من القمع والإرهاب.
وعلى المستوى العرقي كانت مرحلة بومدين مرحلة تعبئة أحرزت إحساسًا عرقيًا لدى بعض القبائل البربرية أوجد فيما بعد متاعب واضطرابات عرفتها بعض المواقع في الجزائر ولاسيما ما حصل في بلدة تيزي أوز وقبل سنتين.
وعلى المستوى الاجتماعي برزت هوة سحيقة في الجزائر بعد الاستقلال وتعمقت في عهد بومدين بین دعاة التغريب ودعاة التعريب.
وكان البومدينيون والماركسيون أشد دعاة التغريب معاداة للتعريب والأسلمة.
حيث ما كانت معاني الإسلام تختلف في ذهن المواطن الجزائري عن الانتماء لما هو عربي.
إضافة إلى هذه المعارك أفرز عهد بومدين حالة متردية للاقتصاد الجزائري.
وقد أحسن الرئيس الحالي الشاذلي بن جديد في معالجات مبدئية في تصفية نوعين من مراكز القوى.. النوع الاقتصادي الذي أدى إلى البلبلة الاقتصادية.. والنوع السياسي لتلك المراكز والذي ينقسم إلى عدة توجهات على الرغم من أن محوره كان «البومدنيية».
حيث كان الحكم الليبي على الرغم من اجتماعه مع الحكم الجزائري فيما يسمى بجبهة الصمود يلعب بالنار وكأنه ينفذ سياسة موسكو في شد السياسة الجزائرية الداخلية إلى الاتجاه الأكثر ماركسية.
ولعل الشاذلي بن جديد كان حذرًا من عودة التيار الماركسي للتحكم في مقادير السياسة الجزائرية.
الأمر الذي دعاه للإعلان في إحدى خطبه في شهر مارس الماضي محذرًا «أولئك الذين يحاولون أن يستوردوا إلى البلاد أفكارًا وأيديولوجيات ضارة وأن يعكسوا هنا وهناك ما يملى عليهم من خارج البلاد». والأكثر من هذا أن الشاذلي بن جديد فكر في أعقاب ذلك بالخلاص من الانتماء إلى ما يسمى بجبهة الصمود والتصدي وكأنه كان يقصد بذلك التنديد بمواقف ليبيا من توجهه السياسي.
ولعل هذه الحقيقة كانت تنعكس على مقالات مستشار الرئيس الشاذلي للشؤون الإعلامية الدكتور محي الدين عميمور الذي كان يكتب في صحيفة الشعب والذي هاجم بكل وضوح جبهة الصمود والتصدي.
وإزاء هذه المواقف للشاذلي من الشيوعيين.
ومن جبهة الصمود. تبرز عدة أسئلة قد يحار المراقبون في الإجابة عليها ومن ذلك:
ماهي قصة الرئيس الشاذلي مع الحركة الإسلامية في الجزائر؟
ماهي قصة الرئيس الأسبق أحمد بن بيلا مع الإسلاميين. ومع الرئيس بن جديد؟
ما موقف الرئيس بن جديد من البقايا السياسية لرموز البومدينية؟
إن التشابك في المعارك السياسية التي يقف وسطها الرئيس الشاذلي تجعل الإجابة ليست سهلة. ومع ذلك فإننا نعتقد أن الرئيس الشاذلي الذي لا يجزم أي مراقب سياسي إنه تخلص نهائيًا من العناصر البومدينية في الجزائر- يحسب الحساب لفئتين من السياسين هما:
۱ - مراكز القوى السابقة التي كانت تلتف حول بومدين والتي تخلص من بعضها الرئيس الشاذلي فخرجت إلى أوربة تجمع فلولها وتنظم نفسها على شكل من أشكال المعارضة السياسية.
۲ - أحمد بن بيلا والمتعاطفون معه من السياسيين القدامى الذين يعتقدون أنهم ما زالوا يملكون رصيدًا شعبيًا ما في الجزائر. و بين هاتين الفئتين جاءت ضربة بعض أجهزة الإدارة الجزائرية للإسلاميين في الجزائر.
أما لماذا؟ فإن هناك كثيرًا من التفسيرات، ولعل أقربها إلى نسق السياسة الجزائرية ذلك الدفع الجماهيري الإسلامي الذي حاول المعارضون السياسيون من بعض أنصار بومدين من ناحية. وأنصار بن بيلا من ناحية أخرى أن يستفيدوا منه.
والواقع أن عبد العزيز بوتفليقة نفسه وكان من بقايا البومدينية في القيادة الجزائرية سمع صوته ذات يوم يحاضر وسط مجموعة من الشباب مرتكزًا في بعض ما طرحه من نقاط على رؤية إسلامية محدودة.
أما بن بيلا فإن تصريحاته الإسلامية صارت من الشهرة بحيث لا يتوجب سردها هنا.
نقول.. لعل هذا الاقتحام لبعض الساسة الجزائريين القدامى والجدد بوابة الشارع الإسلامي المتعطش لحكم الإسلام. هو الذي خافت منه الزعامة الجزائرية الجديدة فقررت أن تضرب ضربتها.. وكان الإسلاميون الصادقون هم الضحية.
هنا يعتقد المراقبون الإسلاميون أن رجال الحركة الإسلامية تلقوا الضربة التي كان المقصود منها بالدرجة الأولى دفع هواجس اللقاء بين السياسين القدامى والحركة الإسلامية كما توهمت بعض الأجهزة في الإدارة الجزائرية.
على أن موقف الإسلاميين -ومعظم قادتهم اليوم في السجون- معروف من البومدينين..
فلا لقاء مع أي ركن من أركانها.. كذلك فإن موقف رجال الحركة الإسلامية من بن بيلا وأهدافه وحقيقة شعاراته معروف لدى أجنحة الحركة الإسلامية في مختلف أنحاء العالم. وقد عبر إسلاميو الجزائر في يوم ما عن موقفهم من الرئيس الأسبق أحمد بن بيلا عبر مجلة الأمان الإسلامية اللبنانية، فقد كتب أحدهم في المجلة ما يلي:
«إن ما يدلي به بن بيلا من تصريحات حول صلاحية الإسلام وسمو مبادئه وعظمته و..... و.... لا يهم الاتجاه الإسلامي في الجزائر لا من بعيد ولا من قريب، وكلامه لا يحتم ارتباطه بالإسلاميين وجوبًا، ذلك أن الشعب الجزائري المسلم لن ينسى ما جني في حقه، وأنه:
- كان من أوائل دعاة الاشتراكية في الجزائر، وأنه قد كانت له يد طولى في التمكن لأصحابها من التمركز في المناصب القيادية في الدولة الجزائرية الفتية آنذاك، ولولا تشجيعه وضغطه على نغمة الاشتراكية لكانت الحال غير الحال.
- وإنه هو الذي كان يحارب ويضيق الخناق على العلماء المجاهدين بما رمى به أفكارهم -وما كان فكرهم إلا إسلاميا- بالبلى والتحجر، وهذا تصريح من تصريحاته التي كان يقول فيها: «ندد بالأفكار البالية - طائفة بإسم الدين - هذاك الدين البالي تخلينا - أي تتركنا - في حالة ركود». هذه هي نظرة بن بيلا الرئيس للإسلام آنذاك.
وإنه هو الذي كثيرًا ماتهكم ورمى العلماء بشر رميات، وإليكم تصريحه فيهم، وكلامه في الوثائق مرقوم من صحافة وأرشيفات الحزب: «أهل الرزز- أي أصحاب العمائم - الذين أشبعوا بطونهم هدوك - أي أولئك - الناس الذين يتغنون بالدين ماشفناهمش - أي ما رأياهم - في أيام «لاكوست» حاكم الجزائر وقت الحرب».
فعليه وزر ماجني ووزر من استن بسنته، أما ما كان بينه و بين الذين أطاحوا به فهو «شجار عائلي» إذ هو اختلاف حول كمية الحقن الاشتراكية الواجب إعطاؤها للشعب الجزائري الذي دفع عشر أبنائه ليغسل عار المذلة والهوان، والوقائع أثبتت ذلك»..
وإذا كان هذا الموقف يسحبه الإسلاميون في الجزائر على جميع القوى المختلفة التي تريد أن تلعب الورقة الإسلامية فالسؤال المطروح على السلطة السياسية وعلى الرئيس الموقر الشاذلي بن جديد هو:
لماذا الحذر من الإسلاميين؟
ولماذا هم في السجون حتى الآن؟
ولماذا لا يأمر الرئيس الشاذلي مساعديه بالعمل على تكوين فهم صحيح وصورة صادقة عن وضع إخواننا الإسلاميين في الجزائر وعلى رأسهم الأخ المخلص محفوظ النحناح.
إننا نأمل... ونرجو القوى المخلصة في الجزائر أن تعيد ترتيب حسابات المعادلة السياسية داخل البلاد بالشكل الذي ينصف الإسلاميين أولًا.
ومن ثم لتأخذ الجزائر شكلها الإسلامي العربي المطلوب وليس كما يريد دعاة التغريب ودعاة البومدينية.
ولتثق القيادة الجزائرية وعلى رأسها الرئيس الشاذلي بن جديد أن ترك الحرية للإخوة الإسلاميين في الجزائر لا يعني بشكل من الأشكال أن يتألف هؤلاء مع من هو غير إسلامي، ولا يعني ذلك أنهم سيثورون الشارع السياسي ضد فلان أو فلان.
إن منهج الإسلاميين معروف، ومطالبهم واضحة، وكلها مطالب إصلاحية تركز على العودة إلى أخلاق الإسلام والاحتكام إلى شريعة الله، وهذا هو الذي يحصن الجزائر وشعبها جميعًا من أفكار عودة التيارات الماركسية الانقلابية إلى سدة الحكم في الجزائر.
إن المعادلة السياسية بحاجة إلى ترتيب جديد.... وإننا نأمل أن يأمر الرئيس الشاذلي بالإفراج عن الإسلاميين في الجزائر لكي يشهد التاريخ أن عهد بن جديد كان عادلًا في ترتيب المعادلة السياسية بين أوساط الشعب الجزائري المجاهد.
والذي نرجوه هو أن تأخذ السلطة في الجزائر ما ذكرناه مأخذ الجد، وأن تكون لها الشجاعة من أجل تحديد مسار الثورة الجزائرية التي كادت أن تفقد أصالتها، وذلك من خلال عودتهم إلى روح ثورة نوفمبر وبيانها الذي نص على أن: «من بين أهداف الثورة الجزائرية وكهدف أول إقامة دولة جزائرية ذات سيادة ديمقراطية في إطار المبادىء الإسلامية».
وذلك هو جوهر بيان أول نوفمبر الذي وجه إلى الشعب والذي على أساسه جاهد.