العنوان قبل انا تتفاقم كالسرطان كيف نواجه ظاهرة العملاء
الكاتب حسن محمد جلهوم
تاريخ النشر السبت 14-ديسمبر-2002
مشاهدات 110
نشر في العدد 1531
نشر في الصفحة 36
السبت 14-ديسمبر-2002
كثرت في الآونة الأخيرة ظاهرة العملاء والجواسيس الذين يقدمون خدمات جليلة لأعداء الأمة الألداء وظاهرة العمالة والخيانة معروفة منذ القدم، ولكنها تطورت في عصرنا وصار لها أجهزة كبيرة وتقنيات حديثة ونظم معقدة، تجيد صنع الجواسيس والعملاء وتتقن فن دسهم في أماكن حساسة يتصيدون منها كل نافع لأسيادهم وضار بالبلاد التي يتجسسون عليها. ولم يقتصر التجسس على استخدام البشر فحسب، وإنما امتد ليشمل التجسس من خلال أجهزة إلكترونية واسعة الانتشار كالكمبيوتر وأجهزة الهواتف وغيرها، طالع المجتمع العدد ١٥١٥.
وقد طلع الإعلام علينا يوم ٢٧/٨/٢٠٠٢ م بوجه كريه في حوار مسجل لأحد العملاء الخونة الذين تسببوا في قتل أكثر من ثمانية عشر فلسطينيًا معظمهم من النساء والأطفال، إلى جانب الدمار الكبير الذي لحق بالمباني الفلسطينية المتهالكة أصلًا. وكان مما يلفت النظر في كلام العميل واعترافاته أنه استدرج العمالة عن طريق شخصية مزيفة تدعي الأستاذية في إحدى جامعات الغرب، وأنه جاء إلى فلسطين لعمل بعض الأبحاث، ثم عرض على هذا الشاب عرضًا مغريًا بإكمال تعليمه في الغرب...
إلخ ولم يكن هذا البروفيسور غير واحد من أفراد المخابرات الصهيونية التي تقوم بتجنيد العملاء من الشباب الفلسطيني بصفة خاصة، والشباب العربي بصفة عامة بطرق خبيثة متعددة منها الوعود باستكمال التعليم، أو ببذل الأموال الطائلة التي تتناسب مع حجم الخدمات التي يقدمها العميل.
ومن أخس هذه الطرق وأرذلها الإغراءات الجنسية حيث تستدرج العاهرات الضحية رويدًا رويدًا حتى يقع في الفاحشة، فيصور في أسوأ وضع ثم يهدد بالفضيحة إن لم يمتثل للأمر وهكذا.
• تربة خصبة:
وهؤلاء الأبالسة يلقون الطعم للضحية مستغلين الفقر والجهل وضعف الوازع الديني وهذه الثلاثة هي التربة الخصبة للإيقاع بالضحية ولتجنيد الجواسيس، ثم تكون الخيانة لله ورسوله والمؤمنين، ثم يكون بيع الأوطان بأبخس الأثمان والكلام الأخطر الذي جاء على لسان هذا الجاسوس قوله إن إسرائيل قد استطاعت أن تدس بعض جواسيسها بين أفراد حماس، وأن واحدًا من هؤلاء هو الذي دله على مكان القائد صلاح شحادة - رحمه الله - وبغض النظر عن مدى صحة كلام هذا العميل أو خطئه، فإن هذا الكلام خطير جدًا، وإن واحدًا من هؤلاء العملاء وصل إلى درجة أنه كان يدخل إلى مكان القائد الشهيد عماد عقل المطلوب رقم واحد لقوات العدو آنذاك، وهو الذي دل على مكانه يوم استشهاده، وكان هذا العميل قد تقرب من الأفراد المحيطين بعماد واستطاع أن يوهمهم أنه واحد من أفراد حماس، ثم اكتشفت عمالته بعد أن وقعت الواقعة، وقد تم ذلك مع كثير من قادة المجاهدين في عصرنا سواء كانوا في جماعة منتظمة أو كانوا أفرادا لا يحبذون العمل الجماعي المنظم. وهذا الأمر ينذر بعواقب وخيمة، إذا لم تتدارك الحركة الإسلامية والحركات الجهادية الأمر سريعًا، وتستفيد من الدروس السابقة وتسجل الأخطاء، وتتعرف على موضع الخلل.
• اليقظة والحذر:
وإذا كنا نقدر للحركة الإسلامية في فلسطين ظروفها التي تمر بها من شدة وبأس وملاحقة مستمرة ومضايقات من الداخل والخارج والقريب والبعيد، مما جعلها في كثير من الأحيان تعيش بين مطرقة العدو اليهودي، وسندان السلطة التي تحاول إرضاء العدو باعتقال المجاهدين وكشف خلاياهم. وإذا كان من السهل مراقبة أفراد الحركة الإسلامية، حيث يرتبط أفرادها - بحكم انتمائهم للإسلام - بالمسجد والمسجد مفتوح للجميع. ومن السهل على من يدس فيه أن يراقب عن كثب، وأن يخترق إن استطاع، إذا كنا نقدر ذلك كله فإننا في الوقت نفسه نطالب الحركة الإسلامية في فلسطين وغيرها بالحذر أكثر واليقظة المستمرة وخاصة فيمن يحاول أن يقترب من الحركة أو يندمج بها. فلا بد هنا من التمحيص ولا بد أن تكون هناك أكثر من مصفاة قبل الوصول إلى أي مكان في الحركة.
إن اختيار الأفراد والاطمئنان إلى سلامة مقصدهم، وعمق إيمانهم، وخلوصهم من كل شائبة - من شأنها أن تقدح في ولائهم لهذا الدين وأهله ومن ثم لحركتهم - مهمة الدعاة والمربين من أبناء الحركة الإسلامية، وإن كان الأمر في كثير من الأحيان لا يحتاج إلى تغلغل أو اختراق صفوف الحركة، بل يكفي قرب مكان العميل أو صداقته لأحد أقارب المجاهدين المطلوبين... إلى غير ذلك من الأسباب.
والمربي القائد في الحركة الراشدة يضع نصب عينيه قول أمير المؤمنين الفاروق : لست بالخب ولا الحب يخدعني.. وكذلك الفرد في الحركة الإسلامية يجب أن يتمتع بحس أمنى مرهف يستطيع من خلاله أن يستشرف الخطر قبل حدوثه، وأن يتصرف في المواقف الصعبة بما يتناسب مع المقام، فيحفظ نفسه ويحفظ إخوانه. وفي السيرة النبوية خير أمثلة على ذلك، لما بعث الرسول حذيفة بن اليمان ليأتيه بخبر القوم في غزوة الأحزاب استطاع أن يخترق أمن الأعداء ويجلس وسط اجتماعهم في ليلة ظلماء وهم مجتمعون مع قائدهم أبي سفيان، وطلب أبو سفيان من كل واحد من الجالسين معه أن يتعرف على من بجواره يمينًا ويسارًا قائلًا لهم: «فإن محمد يبث عيونه، وطبعًا كان الموقف صعبًا، ولولا فطنة حذيفة وحسن تصرفه لافتضح أمره، فكانت لحظات سريعة من التفكير ألهمته هذا التصرف الذكي حيث بادر هو بسؤال من بجواره قائلًا: من أنت؟ من أنت؟، ومر الموقف بسلام ونجحت خطته في اختراق صفوف العدو وتأمين نفسه والحصول على المعلومات الكافية من العدو. وتأمل هذا الحس المرهف عند أمير المؤمنين عمر عندما رأى رجلًا داخلًا إلى مسجد الرسول وهو جالس مع أصحابه، إذ راه عمر تحركت فراسة المؤمن فيه وقال لتن صدق حدسي ليكونن هذا الرجل ينوي شرًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان الأمر كذلك.
والشاهد في هذا أنه لا يصح للحركة الإسلامية أن تتهاون في تمحيص أفرادها ومعرفة ظروفهم المحيطة بهم وسلامة مقصدهم وفوق ذلك حبهم لله ورسوله وهما العنصران المهمان في تمحيص الفرد المسلم المنتمي للتنظيم وذلك حتى لا يأتي اليوم الذي تتساءل فيه بعد أن تكتشف أوراقنا، وتكشف خططنا، ويغتال فيه قادتنا، ويعرف العدو مقتلنا فنقول عندئذ بيننا عميل ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ (النساء:71).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل