; قبس من رياض المؤمنين.. (المفرّدون) | مجلة المجتمع

العنوان قبس من رياض المؤمنين.. (المفرّدون)

الكاتب جمال الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1977

مشاهدات 87

نشر في العدد 371

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 18-أكتوبر-1977

قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من اتفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا العدو فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله».

هذا الحديث الشريف يرسم لنا قاعدة إيمانية، لو فقهناها لأدركنا السر وراء تفضيل ذكر الله عز وجل واستحبابه بل وأي الذكر الذي ينفعنا ويجعلنا في عداد «المفردون» الذين يسبقون غيرهم بذكرهم الله عز وجل كما ورد في الحديث- «سبق المفردون قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات» 

هذه القاعدة مؤداها أنه من الأفضل للمسلم أن يكثر من ذكر الله عز وجل سواء بصلاة فريضة أو نافلة أو تسبيح وتهليل وتكبير أو ذكر لدعاء مأثور عن المصطفى- صلى الله عليه وسلم- وهذا الأمر، أي أفضلية ذكر الله واضح من نص الحديث وضوح الشمس هنا لك نكتة إيمانية لطيفة اختبأت بين سطور الحديث، هذه النكتة الإيمانية اللطيفة تظهر لنا بوضوح إذا عرفنا أن غاية إيمان العبد بربه وتعلق قلبه وحبه الشديد له ولرسوله ولدعوته أن تهون الدنيا كلها عنده فيسهل عليه الإنفاق في سبيل الله حيث تنقطع هذه الوشائج المادية حال اتصال قلبه بالله، بل ويسهل عليه أن يبذل نفسه وروحه التي بين جنبيه رخيصة في سبيل الله عز وجل، فالإيمان لا يملك أن يبلغ بالعبد المؤمن أعلى من هذه الدرجة: درجة الإنفاق والمجاهدة بالبدن وقتال الأعداء في سبيل الله، وهنا وعند هذه النقطة تبرز لنا النكتة الإيمانية اللطيفة وهي أن الذكر الذي يقصده هذا الحديث هو ذلك الذكر الذي يورث في قلب العبد خضوعها لربه واستكانة لله وتفكرًا في عظمته وجبروته وسلطانه ورحمته وعفوه ومقدرته فتمتلك هذه المشاعر الإيمانية عليه قلبه وحبه وعقله فيجد في نفسه حبًّا لله ولرسوله ولدعوته والعمل والمجاهدة في سبيله يزداد يومًا بعد يوم كلما أعاد ذكره لله. عز وجل حتى تبلغ همته الإيمانية الناتجة من حبه لله ولرسوله ولدعوته مبلغًا عظيمًا قد يفوق به من دفعته همته الإيمانية للإنفاق في سبيل الله أو مقاتلة الكفار والمرتدين في ساحات القتال العسكرية وهذه النكتة الإيمانية قد تبرز لنا بصورة أوضح إذا استمعنا إلى الحبيب محمد- صلى الله عليه وسلم- وهو يحدثنا في «الصحيحين» فيقول:

«من تعار من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله،، ثم قال: رب اغفر لي،، أو قال ثم دعا استجيب له، فإن عزم فتوضأ: ثم صلى قبلت صلاته» والتعار من الليل معناه الاستيقاظ في الليل الناتج من خشية العبد أن تفوته صلاة الفجر أو صلاة الليل إن كان قد أخرها، فمثل هذا العبد الذي امتلأ قلبه بحب الله عز وجل وحب الاتصال به والتلذذ إليه ومناجاته في الليل والناس نيام واغتنام صلاة الفجر التي تفيض روحانية واستشعارًا للذة المناجاة، هذا العبد الذي امتلكت قلبه هذه المشاعر الإيمانية حتى أقضت مضجعه وأطارت النوم من عينيه فما عاد يستلذ الرقاد، هذا العبد استحق أن يغفر الله له وأن يستجيب دعاءه بكلمات بسيطة خفيفة على اللسان- لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله فهذه الكلمات جعلها الله سببًا لمغفرة ذنوب هذا العبد الذي حقق الهدف من ذكر وهو تعلق قلبة كلية بحب الله وحب رسوله والعمل الصالح وحب الاتصال بالله ومناجاته فلعمري؛ إن من يقرأ هذا الحديث دون أن يهديه الله لهذه النكتة الإيمانية اللطيفة ليستعجب؛ كيف أن هذه الكلمات البسيطة الخفيفة على اللسان تكون سببًا في الجزاء والمثوبة من الله التي ما بعدها جزاء ولا مثوبة.

والآن أخي الفاضل فإن هذا التوجيه النبوي من حبيبنا محمد- صلى الله عليه وسلم- يدعو إلى أن نكثر من ذكر الله- عز وجل- لنتمكن من مفارقة صفوف الغافلين لتنضم إلى صفوف المفردين، كما يدعونا إلى أن نحقق في أنفسنا أثر الذكر ونتأكد أن هذا الذكر من صلاة وتسبيح ودعاء مأثور كان له فضل في اتصال قلوبنا بالله- عز وجل- وفضل في إحياء حبنا لله والسيئات وإقبالنا على الطاعاعات والحسنات وإلا فلا فائدة من الذكر. فليس المراد من الذكر ذكر اللسان وحده بل المراد ذكر اللسان والقلب جميعًا، وذكر القلب أفضل لأنه يردع عن التقصير في الطاعات، وعن المعاصي والسيئات كما قال الحليمي- عليه رحمة الله..

 واعلم- وفقك الله- أنه مما يعينك على تحقيق أثر الذكر أن تترك همهمة العجائز في المساجد، تلك الهمهمة الخالية من الروح، والتي لا يستفيد منها صاحبها إلا ازدياد قدرته على العد والحساب ولكن اعمد على استجلاء المعاني الإيمانية العظيمة في كل فعل أو قول من ذكر الله، فإذا أقبلت على الصلاة فأقبل عليها مستحضرًا لعبوديتك وضعفك أمام مولاك وسيدك وأنك ستقف أمامه يومًا ليس بينك وبينه حجاب فيحاسبك على كل صغيرة وكبيرة، واستحضر بذهنك أن من عظم عنده لقاء ربه في الدنيا هان عليه لقاءه في الآخرة ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (البقرة:45-46) فإذا انتهيت من الصلاة، فاحرص على أن لا يفوتك الاستغفار  لما بدر منك من تقصير في صلاتك. واحرص على أن تستحضر عظمة ربك في كل تسبيحة وتكبيرة وتحميدة، فإذا قلت: سبحانه الله، فاستجمع في فكرك تسيير الله لهذا الكون الفسيح وإحاطته جل وعلا بكل صغيرة وكبيرة وقدرته على كل شيء.. والتي بها استحق سبحانه أن ينزه وأن يسبح وإذا قلت: الحمد لله، فاستحضر نعم الله عليك وعلي الناس أجمعين وإن لم يكن من نعمته عليك إلا أن جعلك من الذاكرين فما أجملها من نعمة تستحق الحمد والثناء كما ورد في الأثر أن رجلًا وجد شخصًا كسيحًا قد تكالبت عليه الأمراض بحمد الله فقال له: علام تحمد الله وأنت بهذه الحال؟ فقال: أحمد الله على أن وفقني لذكره وحمده وأنا بهذه الحال وآخر دعوانا أن الحمد لله رب ال العالمين.

 

التوراة والإنجيل والقرآن «في ضوء» العلم الحديث

لكل دين من الأديان الثلاثة التي تدعو إلى التوحيد كتابه المقدس، هذه الكتب المقدسة هي مصادر العقيدة لكل مؤمن من اليهود أو النصارى أو المسلمين. وتعتبر هذه الكتب التعبير المادي للوحي الإلهي الذي نزل بطريق مباشر كالذي كان على إبراهيم وموسى حيث تلقياه عن الله مباشرة، أو بطريق غير مباشر كالذي كان على عيسى ومحمد حيث يتحدث الأول باسم الأب على حين يبلغ محمد الوحي عن طريق الملك جبريل.

وإذا أخذنا في الاعتبار المنهج الموضوعي لتاريخ الأديان فيجب علينا أن نضع كلا من التوراة والإنجيل والقرآن في درجة واحدة، كمصاحف للوحي المكتوب، لكن هذا الأمر المسلم به من حيث المبدأ عند المسلمين ليس مماثلًا لما يعتنقه المؤمنون في البلاد الغربية، فقد تأثروا بالتعاليم المسيحية السائدة ويرفضون أن يسلموا أن القرآن كتاب منزل. 

وضح هذا من المواقف التي يتخذها كل فريق تجاه الفريقين الآخرين فيما يتعلق بالوحي، فاليهودية لها كتابها المقدس الذي يختلف عن العهد القديم، فإن هذا العهد القديم يشتمل على إضافات مأخوذة من مصادر ليست عبرية، وهي وإن كانت لا تغير كثيرًا في الموضوع فإن اليهودية لا تعترف بأي وحی يأتي بعد كتابها المقدس.

والمسيحية وإن وضعت في اعتبارها كتاب اليهود ملحقة به بعض الإضافات فإنها لا تعترف ببعض الآيات التي تتعلق برسالة المسيح، حيث إن بعض الفقرات بالغة الأهمية قد حذفتها الكنيسة في كثير من الكتب التي تبسط حياة المسيح والتعاليم التي بشر بها، ولم تحتفظ المسيحية في «العهد الجديد» إلا بعدد محدود من الأناجيل التي عمدتها الأناجيل الأربعة، فالمسيحية لا تعترف بوحي نزل بعد المسيح ورسله، فهي بهذا تلغي القرآن إذن. 

ولقد نزل الوحي القرآني بعد ستة قرون من رسالة المسيح فتناول مسائل عدة مما في الكتاب العبري والأناجيل. وكثيرًا ما يذكر التوراة والإنجيل، فالقرآن يفرض على كل مسلم أن يؤمن بالكتب السابقة: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (النساء:163)  وهو يركز في تاريخ الوحي على المكانة المرموقة التي يحتلها رسل الله كنوح وإبراهيم وموسى والنبيين ثم عيسى الذي تميز من بينهم بوضع خاص، حيث يعرض القرآن، والأناجيل ميلاده كواقعة غير عادية، فضلًا عن أن القرآن يبوئ مريم مكانة خاصة، ألا ترى أن سورة كاملة من القرآن تحمل اسمها؟ 

ومن الواجب علينا أن نثبت أن مبادئ الإسلام وتعاليمه تجهلها بلادنا الغربية بشكل عام. أفلا تغمرنا الدهشة إذا ما تصورنا المنهج الذي تعلم عليه كثير من الأجيال السابقة مسائل الدين ومدى الجهل الذي كانوا عليه بالنسبة لما يتعلق بالإسلام؟

فاستعمال هذه العبارات «الدين المحمدي» و «المحمديون» قد شاع استغلاله حتى أيامنا هذه ليلقي في الأذهان وهمًا باطلًا: إن الإسلام تعاليم قد انتشرت بجهد بشر ولا يمكن أن يكون لله (بالمعنى الذي يفهمه المسيحيون) نصيب فيها، وكثير من المثقفين المعاصرين يهتمون بالجوانب الفلسفية والاجتماعية والسياسية في الإسلام دون أن يتساءلوا إطلاقًا عن حقيقة الوحي الإسلامي كما هو الواجب في مثل هذا الأمر. والأساس الذي يبررون به صنيعهم أن محمدًا قد اعتمد على الأديان السابقة، فليس له بادئ ذي بدء صلة بالوحي نفسه 

إن المسلمين يحسون بكثير من الازدراء في بعض الأوساط المسيحية، وقد تمكنت من بحث هذا الموضوع بدراسة مقارنة بين قصص الكتاب المقدس وقصص القرآن التي تتناول موضوعًا واحدًا وتأكدت من وجود إنكار منظم لكل ما يتناوله القرآن حوله، بحجة التثبت، فإن الرجوع إلى القرآن يعتبر في نظرهم كاستفتاء الشيطان، لكن تغيرًا جذريًّا قد بدأ في عصرنا وكان على مستوى القمة في العالم المسيحي، فالوثائق المطبوعة بأمر مجلس الفاتيكان الثاني لغير المسيحيين تؤكد عمق التغيير في الأوساط الرسمية، فبعد الدعوة إلى نبذ الفكرة القديمة الموروثة من الماضي أو المشوهة بسبب أحكام جائرة أو اتهامات مزورة والتي ورثها المسيحيون بالنسبة للإسلام، تعترف وثائق الفاتيكان صراحة «بمظالم الماضي التي ارتكبها الغرب المسيحي تجاه المسلمين، إنه ينتقد التصورات المسيحية الباطلة عن تواكل المسلم، عن قدرية الإسلام وتعصبه... إلخ ويركز على وحدانية الله، ويذكر بمدى الدهشة التي أثارها الكاردينال كيونج بإعلانه ذلك أثناء انعقاد المؤتمر الرسمي في جامعة الأزهر سنة ١٩٦٩ ويذكر كذلك أن سكرتارية الفاتيكان دعت المسيحيين في سنة ١٩٦٧ إلى أن يبعثوا بتهانيهم إلى المسلمين بمناسبة انتهاء شهر رمضان. 

هذا وذاك يدعونا إلى أن نتساءل من جديد: ما مدى صحة النصوص التي بين أيدينا الآن؟ كما أنه يدعونا إلى دراسة الظروف التي أحاطت بتحرير النصوص ونقلها إلينا. 

إن دراسة الكتب المقدسة بنقد نصوصها وجدت بيننا منذ عهد قريب وفيما يتعلق بالكتاب المقدس «العهد القديم والعهد الجديد» فقد مرت أحقاب متطاولة اقتصر الناس فيها على قبولهما كما هما، مع أن مجرد الاطلاع عليهما يكشف عن قضايا غير مسلمة، فإن من الإثم إبداء أي نقد تجاههما، حيث إن رجال الكنيسة وقد كانوا متميزين هم الذين يستطيعون بسهولة معرفة هذا الأمر جملة، على حين أن معظم رجال الدولة لا يتلقون منهما إلا قطعًا مختارة عن طريق المواعظ أو أثناء الحفلات الدينية. 

وفي أحوال خاصة كان نقد النصوص جديرًا بأن يكشف ما يعرض من مشكلات خطيرة ويحلها، ولكن كثيرًا من هذه الانتقادات المدعاة خيبت الآمال عند الاطلاع عليها، ولم تقدم أمام اختلافات المفسرين الحقيقية إلا بسطًا غير مقنع هدفه إخفاء حيرة صاحبه. 

وكي يحتفظ المرء بكامل قدرته الفكرية واتجاهه الموضوعي السليم يجب ألا تلح عليه الأوهام والتناقضات ولنا أن: نأسف للإصرار على إثباتها مع مجافاتها للمنطق وإبقاء هذه الفقرات الموسومة بالأخطاء بين نصوص الكتاب المقدس، وربما أثر ذلك على عقيدة بعض المثقفين، ومع ذلك فالواقع يشهد أنه إذا كانت قلة قد استطاعت أن تكشف اللثام عن هذه الأخطاء، فإن الأغلبية الساحقة من المسيحيين لم يلقوا لها بالًا وظلوا على جهلهم بعدم توافقها مع المعارف الحديثة التي تعتبر معظمها من أبسط البديهيات.

السنة في الإسلام في مرتبة الإنجيل فإن الحديث عبارة عن روايات لأقوال الرسول وأفعاله، والإنجيل كدلك بالنسبة إلى عيسى، وتدوين الحديث بدأ بعد موت محمد بعشرات السنين والإنجيل كذلك بعد موت عيسي. وتقوم كلتا الحالتين شاهدًا إنسانيًّا وقع في الماضي من أحداث ، ونرى أن كاتبي الأناجيل الرسمية الأربعة ليسوا هم شهود الوقائع التي حرروها، والحال كذلك بالنسبة لمؤلفات السنة. 

ولكن المقارنة يجب أن تتوقف عند هذا الحد، فإننا إذا ناقشنا هذا الحديث فإننا في المقابل قد حكمنا بشكل حاسم منذ العصور الأولى للكنيسة على عديد من الأناجيل معلنين أن أربعة منها فحسب هي المعتمدة على الرغم مما فيها من كثرة المتناقضات في كثير من النصوص، وأن ما عداها يجب إخفاؤه، وهذا ما أثار حولها الشكوك.

وفرق جوهري بين المسيحية والإسلام فيما يتعلق بكتب الوحي، وهو فقدان النصوص الموحى بها والثابتة جملة بالنسبة للمسيحية، على حين أن الإسلام ثري بهذا ألا وهو القرآن. 

إن القرآن هو التعبير الإلهي المنزل على محمد عن طريق جبريل، والذي سجله الصحابة توًّا في السطور وحفظوه في الصدور وتلوه في الصلوات وفي شهر رمضان على الخصوص، وهذا القرآن رتب بمحمد نفسه سورة سورة ثم جمع بعد وفاته ليصير مصحفًا في عهد الخليفة عثمان، وهو الذي بين أيدينا اليوم، وعلى العكس من هذا فإن الوحي المسيحي يعتمد على الروايات البشرية المتعددة غير المباشرة، إذ إننا لا نعتمد على أية رواية مصدرها شاهد عيان لحياة المسيح. 

إننا نؤكد بادئ ذي بدء أن مطابقة العلم لكتب الوحي عنصر ضروري لإثبات صحة النصوص المقدسة، وقد قرر هذا المبدأ صراحة المقدس عسطين في كتابه رقم ٨٢ وسنذكره فيما بعد. ثم إننا نرى أنه كلما تطور العلم بعدت الفجوة بينه وبين الكتاب المقدس، حتى أن المرء ليعتقد أنه لم يعد مجال للتقارب، ومن هنا نشأ وضع خطير يجب الاعتراف بخطورته، ألا وهو يعد يقبل في الواقع إلا وحي يتعلق بوقائع غير صحيحة بالمرة، ولم يعد حينئذ إلا إمكانية التطابق منطقيًّا، وهو قبول النص المقدس الذي يتضمن أمرًا علميًّا غير مقبول على أنه غير صحيح، ولم يكن هذا الحل هو المختار، بل إننا على العكس من ذلك تعصبنا بعنف لإبقاء النص صحيحًا، وهذا قد جر المفسرين على أن يتخذوا مواقف تمجها الروح العلمية. 

القرآن كما سنبين فيما بعد يذكر وقائع للعلم مجال فيها، وهي فيه أكثر بالنظر إلى الكتاب المقدس، بل لا مجال للمقارنة بين النطاق المحدود للمسائل المتعلقة بالعلم في الكتاب المقدس وبين الموضوعات العديدة المتعلقة بالعلم في القرآن.

إنني بموضوعية كاملة ودون فكرة سابقة قد اتجهت إلى القرآن لأدرس درجة التطابق بين النصوص القرآنية ونتائج العلم الحديث، وإني لأعرف بوساطة الترجمات أن القرآن قد تحدث عن كل نوع من أنواع الظواهر الطبيعية، ولكني لا أحصل منها إلا على معلومات مختصرة، وما إن درست النص العربي بدقة حتى استوعبته، لدرجة أني أذهب بكل تأكيد إلى أن القرآن لا يتضمن أية معارضة يمكن أن تكون محلًا للنقد من وجهة النظر العلمية في عصرنا الحديث. 

کم  يدهش المرء عندما يعلم أن الإسلام يجعل الدين والعلم كأخوين توأمين، فقد قرر من أول الأمر أن التبحر في العلم فريضة دينية، وبتطبيق هذه التعاليم قطع المسلمون أشواطًا بعيدة في مجال العلم في عصورهم الزاهرة التي كان لها الفضل على الغرب نفسه، فقد تغذى منها قبل نهضته..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 16

1053

الثلاثاء 30-يونيو-1970

لقلبك وعقلك - العدد 16

نشر في العدد 197

91

الثلاثاء 23-أبريل-1974

الغذاء الروحي

نشر في العدد 391

177

الثلاثاء 21-مارس-1978

الحياة الطيبة