العنوان المجتمع التربوي (1167)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1995
مشاهدات 57
نشر في العدد 1167
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 19-سبتمبر-1995
قبسات تربوية
يصبر على الحق من عرف فضله ورجا عاقبته
بقلم: محمد الجاهوش
كان مجلس الحسن البصري - رضي الله عنه - من المجالس المميزة التي تعالج أدواء القلوب وتشخص أمراض النفوس، ولا تهمل أمراض الأمة السياسية
والاجتماعية والاقتصادية.
وكان التركيز على إعداد الفرد وتعليمه فقه الواقع، من الأهداف البارزة في مجالسه.
روى إبن الجوزي بسنده إلى أبي عبيدة الناجي: أنه سمع الحسن البصري -في مجلس له- يقول حادثوا هذه القلوب، فإنها سريعة الدثور «الغفلة». وأقرعوا هذه النفوس فإنها «طُلَعة»، وإنها تنزع إلى شرّ غاية، وإنكم إن لم تقاربوها لم يبق لكم من أعمالكم شيء، فتصبروا، وتشددوا فإنما هي ليال تعد، وإنما أنتم ركب وقوف، يوشك أن يدعى أحدكم فيجيب ولا يلتفت، فانقلبوا بصالح ما بحضرتكم، إن هذا الحق أجهد الناس، وحال بينهم وبين شهواتهم، وإنما صبر على هذا الحق، من عرف فضله ورجا عاقبته .. ا -هـ.
الشخصية الإيمانية
بنیان الشخصية الإيمانية قوامه القلب السليم، والنفس المطمئنة، فإن هما خلصا للمؤمن تكامل بناء شخصيته، وأبصر معالم دربه، وعرف الهدى والغاية من وجوده.
ذلك لأن القلب منبع الهداية والإيمان ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ ﴾
(التغابن :۱۱)، ومعدن الحكمة والرشاد، والبصر النافذ ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة :٢٦٩). ومحل السكينة والثبات في حياة المؤمن ﴿ هو الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ (الفتح :٤)، وفي القلب الهداية، ومنه الغواية والضلال ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: ٤٦).
وهو موطن التقوى ومنبعها ذلك ﴿ ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ (الحج: ۲۲) والقلب مصدر العقل والتدبر، والتفكير ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ﴾ (الحج ٤٦)، ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: ٢٤)
وهو كذلك مبعث الخوف والوجل من عظمة الله - عز وجل - وذلك حاجز عن محرمات الله سبحانه ودافع إلى سلوك القصد والسبيل القويم ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾(الانفال :۲) ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (المؤمنون :٦٠).
والقلب المؤمن مفعم بالرحمة والرأفة التي تفيض على الخلق جميعًا ﴿و ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ (الحديد: ۲۷).
ولقد أوتي سيدنا رسول الله من رحمة القلب حظًا عظيمًا، ما جعله يلين الجانب لأتباعه وأعدائه ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ﴾ ( آل عمران :١٥٩) واستمر هذا الخُلق في الصحابة الكرام، فكانوا «أشداء على الكفار رحماء بينهم .....» ومهدوا بذلك سبيل الدعوة، وشادوا بنيان الحضارة وصرح العدل والمساواة. فلا غرابة - بعد هذا - أن يولي الإسلام إصلاح القلب عناية فائقة، ويعتبر صلاحه صلاحًا لسائر الأعضاء «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».
أحوال القلب
وللقلوب أحوال وتقلبات، ترفع أناسًا إلى عليين، وتخفض آخرين إلى سواء الجحيم. ولهذا كان النبي ﷺ يسأل الله تعالى ثبات القلب على الطاعة، وتوجيهه إلى البر والمعروف ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚۖ﴾ ( آل عمران :۸).
ألا وإن تعهد القلب ورعاية أحواله وعرضها على منهج الإسلام بين حين وآخر من أسباب تكامل الشخصية الإيمانية، وتثبيت دعائم بنيانها، لأن القلوب تمل كما تمل الأبدان، ويعتريها الكسل والفتور فيضعف نشاطها، ويقل عطاؤها، وكثيرًا ما تنحرف بها الأهواء إلى مزالق ذات خطر عظيم.
فإذا ما أهمل المؤمن تعاهد قلبه، فإنه بذلك يفتح طريقًا للشيطان يلجه متى يشاء، فيبيض فيه ويفرخ، ويتولى توجيهه على وفق نزغه ووسوسته ، وما أدراك ما عاقبة ذلك على الأخلاق والمعاملات؟
ولا شيء يحفظ القلب ويصونه مثل مداومة العبادة وملازمة الطاعة، وإحسان الصلة بالله عز وجل، فإن القلب المتصل بالله ساكن وقور.
هذا طرف يسير من فائدة محادثة القلب وتبصيره، وتذكيره، وهو من الضرورة بمكان عظيم لحفظه وسلامته.
قرع النفوس
أما النفوس فلابد أن تؤخذ بالشدة والعزيمة وأن تقرع باللوم، ودقة المحاسبة، لأنها “طُلَعة” تنزع إلى شر غاية، وإنها لأمارة بالسوء نزاعة إلى الهوى
دائمة الرغبات كثيرة الشهوات، يجهدها الحق وينعشها الباطل، مسارب الشيطان إليها كثيرة، ومداخله نحوها وفيرة، لجوج رغوب، تزين السوء وتغري بالقبيح، إن تركت رتعت، وإن سيمت استوخمت
كم حسنت لذة للمرء قاتلة *** من حيث لم يدر أن السمَّ في الدسم
ولسوف يبقى المؤمن على خطر عظيم، ما لم يكبح جماح نفسه، ويكفكف غلواها، ويحملها على المحمل الصعب والمركب الخشن، ويأطرها على الحق إطراء، سالكًا بها سبيل التزكية والتربية، قبل أن تقوده إلى الفشل والخيبة ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس :9-10)
إنهما طريقان لا ثالث لهما .
فإما صيانة وديانة وتقى، وهذه سبيل التزكية ووسيلتها، وإما تَفّلُت من ضوابط الشرع وأسباب الهداية، وذلك طريق من دسّاها.
فمن رام عز الدنيا وحسن الثناء، وسعادة الآخرة، والفوز بنعيمها، فليسلك سبيل المجاهدة، وليكن من خطرات النفس على حذر، ومن شرودها أو نفورها على وجل، ولا يهولنُهُ ذلك، فإنما الأمر صبر ساعة، والعقبى خير كثير وفوز عظيم.
تفنى اللذاذة ممن نال شهوتها *** من الحرام ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء من مغبتها *** لا خير في لذة من بعدها النار
سدد الله الخطى ووفق الجميع، والحمد لله رب العالمين.
آلام وآمال ... التحذير من طول الأمل
بقلم: د.جاسم المهلهل الياسين
إن من أضر الأشياء على الإنسان طول الأمل، ومعنى ذلك استشعار طول البقاء في الدنيا، حتى يغلب على القلب فيأخذ في العمل بمقتضاه، وينسى أنه مهدد بالموت في كل لحظة ولابد من ذلك، فكل ما هو آت قريب، فتأهب الساعة ودعك من الدنيا وخروجك منها.. قال بعض السلف: من طال أملُهُ ساء عمله، وذلك أن طول الأمل يحمل الإنسان على الحرص على الدنيا والتشمير لها لعمارتها وطلبها، حتى يقطع وقته ليله ونهاره في التفكير في جمعها، وإصلاحها والسعي لها مرة بقلبه ومرة بالعمل، فيصير قلبه وجسمه مستغرقين في طلبها.
وحينئذ ينسى نفسه والسعى لها بما يعود إلى صلاحها، وكان ينبغي له المبادرة والاجتهاد والتشمير في طلبه الآخرة التي هي دار الإقامة والبقاء، وأما الدنيا فهي دار الزوال والانتقال وعن قريب يرتحل منها إلى الآخرة ويخلف الدنيا وراءَهُ.
أتبني بناء الخالدين وإنما *** مقامك فيها لو عرفت قليل.
ولكن لما طال عليه الأمل حمله على الحرص على الدنيا ونسي حقارتها .
وقد ذكر العلماء أن طول الأمل له سببان: أحدهما الجهل والآخر حب الدنيا..أما حُبُّ الدنيا فهو إنه إذا أنس بها وبشهواتها ثقل على قلبه مفارقتها، فامتنع قلبه من الفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها، وكل من كره شيئًا دفعه عن نفسه، والإنسان مشغول بالأماني الباطلة التي توافق مُرادهُ.
وعلاج ذلك في إخراجه من القلب، وهو أمر شديد في غاية الصعوبة والمشقة، وهذا هو الداء العضال الذي أعجز الأولين والآخرين، ولا علاج لحبِّ الدنيا إلا الإيمان بالله واليوم الآخر وبما فيه من عظيم العقاب، وجزيل الثواب، ومعرفة أن الدنيا ليست بأهل أن يلتفت إليها، أو ترمق بعين المحبة خلافًا للسواد الأعظم المنهمكين فيها، ولا ينبغي لعاقل أن يعتبر نفسه مثل هؤلاء الذين قال عنهم، رسول الله ﷺ : «لا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا» قال رسول الله ﷺ : «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع..». (رواه مسلم).
أما السبب الثاني: الجهل، حيث يستبعد الموت مع الصحة والشباب...
وقيل: نسيُر إلى الآجالٍ في كَلِّ لحظةِ *** وأَيامنا تُطوى وهُنِّ مَراحلُ
ثم إنِّ قصر الأمل دَيدَنُ العلماء العاملّين المتقين الورعين البعيدين عن التكالب على الدنيا، الزاهدين في حطامها الفاني، وكذلك أرباب القلوب الواعية، وإن لم يكونوا علماء يقصرون أملهم ويحتقرون الدنيا، ويعلمون أنها زائلة عكس ما عليه ا أكثر أهل هذا الزمان عبيد الدنيا للبطون والفروج.
يحب الفتى طول البقاء كأنه *** على ثقةِ أن البقاءَ بقاءُ
إذا ما طوى يومًا طوى اليوم بعضّه *** ويطويه إن جنُ المساءُ مساءُ
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: «كُن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» رواه البخاري، أي: لا تركن إلى الدنيا، ولا تتخذها وطنًا، ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها، ولا تشتغل فيها إلا بما يشغل به الغريب فقط الذي يريد الذهاب إلى أهله.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول ﷺ : «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله» (رواه الترمذي)، وليس العجب من انهماك الكفرة في حب الدنيا والمال فإن الدنيا جنتهم، وإنما العجب أن يصل حب المال والدنيا في قلوب المسلمين إلى حد أن تذهل عقولهم، وأن تكون الدنيا هي شغلهم الشاغل ليلًا ونهارًا، وهم يعرفون قدر الدنيا من كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ أليس كتاب الله هو الذي فيه ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾.
وليس المعنى أن نترك الدنيا ونبقى جياعًا عارين محتاجين، بل معناه ألا نجعلها مقصدًا كما جعلها الكفار، بل نجعل الدنيا وما فيها وسيلة إلى تلك الحياة الأبدية، فنكون من الفريق الذي يحب المال لأجل الآخرة.
ولذلك قال النبي ﷺ: «إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض». رواه البخاري، وقال ﷺ : «فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم» (متفق عليه).
عصمنا الله وإياكم من الزلل ووفقنا لصالح العمل وهدانا بفضله سبيل الرشاد وطريق السداد إنه على كل شيء قدير.
أين نحن من هؤلاء ؟ القائد الشهيد .. عكرمة بن أبي جهل «رضي الله عنه»
بقلم: محمد عبدالله الخطيب
جاء في كتاب الإصابة، وكتاب أسد الغابة، قالت أم المؤمنين أم سلمة زوج النبي ﷺ - رضي الله عنها - قال رسول الله ﷺ : «رأيت لأبي جهل عنقًا في الجنة، فلما أسلم عكرمة قال: هذا هو؟» العنق: النخلة، فكان كل عمل لعكرمة بعد إسلامه مصداقًا لقول النبي الكريم ﷺ.
رغم العوائق والسدود، ورغم الكيد المتواصل الذي لا يهدأ لحظة، ورغم مكر الليل والنهار، والصد عن سبيل الله، فإن المد الإسلامي الأصيل يبشر بكل خير، إنه قدر الله الذي لا يغلب والذي لا راد له، ونحن نريد لهذا المد أن يتقدم بخطى ثابتة، لأن الإسلام أساس وجودنا ومصدر عزنا، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.. (الأنبياء: ۱۰)، قال المفسرون في معنى قوله تعالى ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾. أي فيه شرفكم ومجدكم ومكانتكم وسر وجودكم، وبغيره تفقدون هذه المقومات وقد كان!.
هذا المدّ المبارك لابد أن تمتد جذوره، وأن يقوى عوده، ويسقى دائمًا وأبدًا من منابع الإسلام، ومطلوب لهذا المد أن يلتصق بالماضي ويتلقى منه، ويتعمق في الفهم الصحيح، ويسترشد دائمًا المنهج الرباني ويلتزم به نصًا وروحًا، وسلوكًا، وفقهًا وعملًا، حتى يستطيع بحق أن يقيم مجتمعًا نظيفًا مجاهدًا متحضرًا، مجتمعًا مؤمنًا متكافلًا متعاونًا، متسامحًا، وهذا المجتمع يستطيع أن يظلل البشرية في هذا الهجير، ويحميها من تجار المبادئ، كما حماها من قبل.
لقد أنجب هذا المجتمع الأبطال الذين لا يعرفون الهزيمة، مهما أحاطت بهم قوى الشر والبغي، وهو قادر على إنجابهم اليوم وغدًا بإذن الله.
هؤلاء الأبرار مطلوب منا دائمًا رجالًا ونساًء وأولادًا أن نقترب منهم، وأن نصاحبهم بوجداننا من خلال سيرتهم، وأن نفتح النوافذ بيننا وبينهم، وهذا واحد منهم نصر دين الله، وجاهد في سبيل الله، فتقبل الله جهاده، رغم ما كان منه قبل إسلامه، لقد استحق الشهادة، وأصبح مثلًا في البطولة والصدق والفداء، يقول الشاعر المسلم فيه وفي أمثاله:
ماذا أغني والسماء بقدسها غنت له والأرض لملمت العبير وضمخته بعاطر من ذكرهم والله قربهم ومدّ العرش أظلالًا لرفرف خلدهم وكتائب الأحرار شدت في النضال ضياءها من دربهم وخطى الشعوب تضل إن لم تستمد حياتها من خطوهم.
نسبه : هو عكرمة بن أبي جهل بن هشام ابن المغيرة بن عبد الملك بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، وأمه أم مجاهد إحدى نساء بني هلال بن عامر.
أحواله قبل الإسلام
كان كأبيه من أعتى الناس وأشدهم عداوة لرسول الله ﷺ ، قاد تجمعًا من قريش، وتقابل مع سرية لأبي عبيدة بن الحارث في ثنية المرة في الطريق ما بين المدينة ومكة، ولم يحدث قتال بين الطرفين، وشهد غزوة بدر مع المشركين، ورأى مصرع والده أبي جهل، بعد أن دافع عنه بكل ما يملك، وشهد غزوة أُحد وكان على ميسرة خيل المشركين، كما شهد مع المشركين غزوة الخندق وحاول اقتحامه، لكن أبطال الإسلام تصدوا لكل محاولة، وحاول في فتح مكة أن يمنع المسلمين من دخولها، ولكن خالد بن الوليد قضى على مقاومته بسرعة، إن حقيقة قوة الإسلام صدمت غروره فبددته.
ثم بدأ التحول في حياته كما تقول كتب السيرة، بعد أن رأى الشرك والمشركين يتطايرون من حوله، ورأى استسلام سادتها وأتباعهم، ورأى كلمة الله تعلو في جنبات مكة، ورأى الأصنام التي كانت تُقدس وتُعبد من دون الله، قد تحولت إلى تراب وأنقاض.
لقد رأى عكرمة نفسه بعد الفتح هاربًا إلى اليمن هائمًا على وجهه، فلقد كان من بين الذين أباح رسول الله ﷺ دمهم، وقال اقتلوهم ولو وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة «كتاب الإصابة».
جاء في «أسد الغابة»: «أسلمت امرأة عكرمة أم حكيم بنت عمه الحارث بن هشام فاستأمنت له من الرسول ﷺ فأمنه، فخرجت في طلبه إلى اليمن، حتى أتت به رسول الله ﷺ في المدينة، فلما رأه قال: مرحبًا بالراكب المهاجر»، فأسلم سنة ثمانية للهجرة، وذلك بعد فتح مكة، وحسن إسلامه وأصبح من رجال الإسلام، فقال النبي لأصحابه: «إن عكرمة يأتيكم، فإذا رأيتموه فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي». الاستيعاب جـ 3.
ولما أسلم عكرمة كان المسلمون يقولون هذا ابن عدو الله أبي جهل، فنهاهم رسول الله ﷺ أن يقولوا: عكرمة بن أبي جهل وقال: «لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات» «أسد لغابة».
وكان عكرمة قد ركب البحر في طريقه من الحجاز إلى اليمن، فأصابتهم عاصفة، فقال أصحاب السفينة لأهل السفينة خلصوا، فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا بهنا، فقال عكرمة: إن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص ما ينجيني في البر غيره، اللهم لك علي عهد إن أنت عافيتني مما أنا فيه، أن آتي محمدًا حتى أضع يدي في يده، فلأجدنه عفوًا كريمًا» «الإصابة».
ولما أسلم عكرمة قال: يا رسول الله علمني خير شيء تعلمه حتى أقوله، فقال: «شهادة أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأن محمدًا عبده ورسوله»، فقال عكرمة: أنا شهد بهذا، وأشهد بذلك من حضرني، وأسألك يا رسول الله أن تستغفر لي سأستغفر له رسول الله ﷺ ، فقال عكرمة :«والله لا أدع نفقة كنت أنفقها في صد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله. ولا قتالًا إلا قاتلت ضعفه، وأشهدك يا رسول الله».
جهاده لردع المرتدين
وبعد إسلامه - رضي الله عنه – انطلق مجاهدًا في سبيل الله، ففي عهد الخليفة أبي بکر قاتل مسيلمة الكذاب، وقاتل أهل عمان ثم انطلق إلى اليمن، وحضرموت وقضى على المرتدين في هذه المناطق، وكان معه من القيادات الإسلامية «شرحبيل ابن حسنة، والمهاجر بن أمية القرشي»، وكان الناس في هذه الأماكن يجتمعون عليه ليبايعونه على الإسلام.
لقد بذل في هذه الأماكن جهودًا ضخمة كان من آثارها توطيد أركان الإسلام، وإعادة وحدة الأمة في شبه الجزيرة، ورد الشاردين إلى الله، ولما فرغ من قتال أهل الردة وانطلق مجاهدًا إلى أرض الشام، وفي معركة اليرموك كان معه ستة آلاف رجل، وكان قائدًا لأحد الكراديس فأمر خالد بن الوليد عكرمة، والقعقاع بن عمرو التميمي وأنشبا القتال وألتحم الناس، وحملت الروم حملة شديدة أزالت المسلمين عن مواقعهم.
وهنا يظهر عكرمة بين الجيش المسلم، وينصت الجميع إليه، وهو يقول: «قاتلت رسول الله ﷺ في كل موطن وأفر منكم اليوم؟»، «ثم نادى: من يبايعني على الموت؟ فبايعه عمه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا أمام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعًا جراحًا، فمنهم من برأ ومنهم من قتل، وكان عكرمة أعظم الناس بلاًء»، ولما قيل له ارفق بنفسك، واتق الله، قال ردًا عليهم: «كنت أجاهد عن اللات والعزى فأبذلها لها، أفاستبقيها الآن عن رسول الله؟ لا .. والله أبدا»، فلم يزد إلا إقدامًا .
وكان خالد بن الوليد قد طلب من عكرمة ألا يغامر بالدخول في صفوف الروم خوفا عليه.. وتقول الروايات الصحيحة: «إن خالد بن الوليد قال له: «يا عكرمة إن المسلمين في حاجة إليك»، فرد عليه عكرمة: «خلّ عني يا خالد، قد كان لك مع رسول الله صحبة وجهاد، وكانت لي ولأبي مع رسول الله مواقف لا يكفرها إلا الشهادة في سبيل الله ، ومضى حتى استشهد وجيء بعكرمة جريحًا، فوضع خالد رأسه على فخذه، ووضع رأس ابنه عمرو بن عكرمة على ساقه ومسح وجوههما، وقطر في حلوقهما الماء». وفي رواية: «إن شهداء اليرموك جيء لهم بالماء في اللحظات الأخيرة، فتدافعوه كلما دفع إلى رجل منهم، قال: اسق فلانًا فإنه أحوج مني حتى ماتوا ولم يشربوه، وهذا من عجائب إيثار المسلم لأخيه، وقد وجد بعكرمة بضع وسبعون ما بين طعنة وضربة ورمية» «الاستيعاب».
لقد كانت حياة هذا الصحابي العظيم آية للناس، فكان من سادات قريش وقادتها في الجاهلية، ثم أصبح بعد إسلامه من سادات المسلمين وقادتهم، وكان شديد العداوة لرسول الله في الجاهلية، فلما أسلم وحسن إسلامه كان من أشد الناس وأقواهم في العمل لنصرة الإسلام.
لقد انكشفت له الحقائق العليا بعد فتح مكة فآمن بالله، وأراد أن يكفر عن كل ما مضى من سيئات، فصلى وصام، وأنفق وجاهد، ثم ضحى بدمه ودم ابنه عمرو وعمه الحارث، مذهبًا بهذه القطرات الزكية آثار الماضي، ونام هناك في أرض الشام نومة الذي أدى الواجب مع النبيين والصديقين والشهداء رضي الله عنه وأرضاه، رضي الله عنه الراكب المهاجر، والمجاهد الصادق، والقائد الشهيد .
النافذة التربوية
«ولكن...»
زيد : كيف حالك يا عمرو؟
عمرو : بخير طالما أنا بقربك.
زيد : شكرًا على هذه المجاملة اللطيفة.
عمرو : هذه ليست مجاملة ولكنها الحقيقة يا زيد، أنت نعم الأخ الصادق مع أخيه، ففيك أرى نفسي وأنت المرآة التي أبصر بها شخصي.
زيد : أشكرك لمشاعرك تجاهي، ولكن أخبرني كيف حال المسجد معك؟
عمرو : آه.. لا تقلب المواجع يا زيد ولا تنكئ الجراح !!
زيد : ما الذي حصل؟ ألا يحق لي أن أعرف؟
عمرو : بلى يا زيد «يتنهد ويقول بحسرة وأسف» لقد بذلت جهدي ووقتي ومالي دونما فائدة من أولئك الشباب، فلا أحد يستجيب!! لقد نفد صبري يا زيد، وما عدت أحتمل.
زيد : رويدك.. رويدك يا عمرو فأنت عليك العمل والبلاغ، وبذل السبب والنتائج بعد ذلك على الله أولًا وآخرًا، والله يقول لنبيه: «إنك لا تهدي من أحببت».
عمرو : أعلم.. أعلم.. ولكن....
زيد : ولكن ماذا؟ هذا سيدنا نوح عليه السلام دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا ولم يؤمن منهم على أكثر الروايات تفاؤلًا إلا ثمانين شخصًا فقط.
عمرو : هذا نبي الله يازيد، ونحن بشر عاديون.
زيد : لقد بذلوا الأسباب وعلينا بذلها كما بذلوا، قل لي يا عمرو: هل استعنت بمن هم أقدم منك في الدعوة هل ابتكرت وسائل جديدة لجذب الشباب للعمل والحركة؟ هل نوعت أساليبك معهم؟ فإن الناس يا زيد تملّ وتكلّ من كثرة الترداد والإعادة.
عمرو : صدقت یا زید.
زيد : أوصيك يا أخي الحبيب بالصبر والمصابرة والمثابرة على الثغر الذي أنت فيه ولك من الله أجر المرابطين إن شاء يقول الحق تبارك وتعالى: «يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون»
عمرو: شكراً لك يازيد.. وسأبشرك بالنتائج قريبًا بإذن الله .
عبد اللطيف محمد الصريخ.