العنوان قبرص هل تعود إلى عبودية اليونانيين من جديد؟
الكاتب ظفر الاسلام خان
تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1997
مشاهدات 70
نشر في العدد 1269
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 30-سبتمبر-1997
المسلمون فتحوها بناء على استغاثات القبارصة اليونانيين الذين كانوا مستعبدين من أهل البندقية وفرنسا.
يحاول القبارصة اليونانيون هذه الأيام -باستغلال علاقات اليونان ووضعها في السوق الأوروبية المشتركة والقيام بأعمال مسرحية- أن يعيدوا عقارب الساعة إلى الوراء، وأن يستعبدوا المسلمين الأتراك القبارصة من جديد... ولكنه مطلب صعب المنال ولا يمكن أن يسمح به أي نظام في تركيا سواء كان علمانيًّا أو إسلاميًّا، والحقيقة التاريخية هي أن قبرص لم تكن جزءًا من اليونان في يوم من الأيام وإن كانت جزءًا من الإمبراطورية اليونانية التي كانت معظم جزر البحر الأبيض تخضع لها في وقت من الأوقات، بما فيها إقريطش «كريت»، وكانت الإمبراطورية اليونانية وحدة لغوية وثقافية بدلاً من أن تكون وحدة سياسية، وهذا يفسر وجود جزيرة تتحدث باليونانية على بعد ٥٠٠ ميل من اليونان وعلى مقربة ٤٠ ميلاً من تركيا.
وقبرص جزء من تركيا جغرافيًّا وتاريخيًّا، بل الأصح أن يقال إنها جزء من «دار الإسلام»، وحين أمر الأمير معاوية بفتح قبرص وصفها بأنها «حربة في قلب الشام»، ولعل هذا الهاجس الجغراسي (الجغرافي- السياسي)كان يحكم سورية حين بعثت برسالة الاحتجاج إلى الخارجية البريطانية في أكتوبر ١٩٥٦م ضد استقبال بريطانيا من خلال قواعدها القبرصية قوات فرنسية على مقربة أميال من الأرض السورية (وكان ذلك استعدادًا للعدوان الثلاثي على مصر)، وكانت قبرص قد انتقلت من سيادة اليونان إلى السيطرة المسيحية وأصبحت جزءًا من دولة البندقية.
وفتحت الإمبراطورية العثمانية قبرص في القرن السادس عشر لحماية خطوط مواصلاتها التي كان قراصنة البحر يهددونها انطلاقًا من قبرص، كما كانوا يغيرون على الموانئ العثمانية بتواطؤ مع البندقية، وهكذا فتحت قوات السلطان سليم الثاني هذه الجزيرة سنة ١٥٧١م، وضربت في ذلك أعظم أمثلة البطولة والفداء، وكان أول مسلم تسلق جدران قلعة نيقوسيا هو حامل العلم التركي -البيرقدار- نفسه الذي سقط شهيدًا، ودفن هذا البيرقدار في مسجد نيقوسيا، ذلك المسجد الذي نسفه اليونان ليلاً سنة ١٩٦٣م.
ومثل هذه الأعمال تخفي حقيقة تاريخية وهي أن اليونانيين القبارصة هم الذين كانوا قد دعوا العثمانيين لاحتلال الجزيرة أول الأمر وذلك لإنقاذهم من ظلم البندقيين! وكان حكام اليونان يرسلون السفراء إلى السلطان العثماني يطلبون منه أن يتدخل!
وحين فتح العثمانيون الجزيرة وجدوا أن اليونانيين بها عبيد لا يملكون حتى الأرض التي يفلحونها، فكل الأراضي كانت مملوكة لملاك بندقيين وفرنسيين وكان هؤلاء يعاملون الأهالي بمنتهى الازدراء والاحتقار.
وجاء المسلمون ليحرروا هؤلاء ويعيدوا إليهم أملاكهم وأراضيهم، وكان البندقيون -وهم كاثوليك- يحقدون على اليونانيين ويحتقرونهم لولائهم للكنيسة الأرثوذكسية، وسمح الأتراك بعودة الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية إلى ممارسة النشاط الرسمي العلني بالجزيرة وأسبغوا على الأسقف رتبة «الإنثنارخوس» (أي الحاكم على شعبه) وعينوه رئيسًا للجالية اليونانية التي اعترفوا بها كـ «ملة» ضمن «ملل» الإمبراطورية العثمانية التي كانت تتمتع بالاستقلال الذاتي، وهذا هو الوضع الذي استغله الأسقف مكاريوس حين جعل نفسه متحدثًا باسم الغالبية اليونانية.
ولكن ليس صحيحًا، على وجه الدقة، وصف «اليونان» بالغالبية في قبرص، فلم يكن الأتراك واليونان «غالبية» و«أقلية» في ظلم الحكم البريطاني -الذي كان امتدادًا للحكم التركي- بل كانوا «طائفتين» أو «جماعتين» لكل منهما حقوق وامتيازات متساوية، وكان عدد السكان اليونانيين قد ازداد زيادة كبيرة خلال الحكم التركي بفضل الأمان والهدوء والإدارة الجيدة التي جلبت الازدهار لهذه الجزيرة.
قبرص وقناة السويس
وكانت بريطانيا تبيت لاحتلال قبرص لأجل حماية قناة السويس التي كانت شريان حياة الإمبراطورية البريطانية، وكانت تركيا تحتاج إلى المساعدة البريطانية ضد الروس الذين كانوا قد أعلنوا الحرب على تركيا سنة ۱۸۷۷م، وفي السنة التالية نقل الأتراك إدارة قبرص إلى أيدي بريطانيا مع الاحتفاظ لأنفسهم بحق السيادة.
وقد نصت الاتفاقية التي عقدت بين تركيا وبريطانيا على أن الجزيرة ستؤول إلى تركيا، وضمت بريطانيا قبرص سنة ١٩١٤م، تمامًا كما ضمت أرضًا عثمانية أخرى -هي مصر- بنفس الأسلوب، حين تحالفت تركيا مع ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، واعترفت تركيا بمقتضى اتفاقية لوزان المجحفة بانتقال ملكية الجزيرة إلى بريطانيا، ولكن كان مفهومًا لدى الأتراك أن الجزيرة ستؤول إليهم لو تخلت عنها بريطانيا في يوم من الأيام، وظل هذا هو الوضع القانوني حتى سنة ١٩٥٩م.
ولكن التدرج عملية من الصعب إيقافها وخصوصًا إذا كانت تتعلق ببلد ضعيف... ومن أمثلة هذا أن كريت «إقريطش» كانت بلدًا إسلاميًّا منذ سنة ١٦٦٩م، ويشهد على ذلك الكثير من المدارس والجوامع والمقابر الإسلامية المنتشرة في كل أنحاء هذه الجزيرة إلى يومنا هذا... فقد أسبغ عليها «الحكم الذاتي» أولاً سنة ١٨٩٨ م ثم ضمت إلى اليونان في ديسمبر سنة ١٩١٣م.
والشيء نفسه ينطبق على جزيرة «رودس» التي كانت إسلامية لفترة طويلة (١٥٢٢م- ١٩١٢م)، وحين أجبرت إيطاليا على التنازل عن كل الجزر الدوديكانية (التي كانت تستعمرها في جنوب بحر إيجه) بمقتضى معاهدة باريس سنة ١٩٤٧م، سلمت هذه الجزر إلى اليونان ولم تجرؤ حكومة عصمت إينونو حتى على أن تحتج على هذا رغم الضغط الشعبي المنادي بالعمل لمنع انتقال هذه الجزر إلى اليونان والعمل على عودتها إلى تركيا كما كانت في سالف الزمان قبل الاحتلال الإيطالي سنة ١٩١٢م، واليوم لا يوجد أثر للمسلمين في كريت أو رودس فقد أجبروا على النزوح منها عملاً بمبادئ الحرية والمساواة والعلمانية الأوروبية؟
وكان يمكن أن تلقى قبرص هي الأخرى نفس هذا المصير؛ فالجبن باق وقائم وهو يشرح التنازل التركي المزري في زيوريخ سنة ١٩٥٩م، ذلك التنازل الذي أدى فيما بعد إلى أزمة سنة ١٩٧٤م، وكان يمكن لتركيا أن تطالب باستعادة أرضها بدلاً من الموافقة على الحكم الذاتي لقبرص، وإلى اليوم لا تشير تركيا إلى هذا المطلب، بل تفضل الحديث عن التقسيم وعن «دولتي قبرص الفدراليتين».
وكان تراجع تركيا عن موقفها الأصلي القائل بعودة الجزيرة إلى ملكيتها، يعود إلى خوفها من أن نوعًا من الصفقة قد تم طبخه بين بريطانيا ومكاريوس، وكان هذا بالرغم من عضوية تركيا بالحلف الأطلنطي والحلف المركزي وارتباطها بعدد من المعاهدات الاقتصادية والسياسية مع الولايات المتحدة وأوروبا الغربية.
وكان القبارصة اليونانيون يطالبون منذ أوائل هذا القرن بالوحدة مع اليونان، تلك المطالبة التي سموها به «إينوسيس»، وبدؤوا لذلك حملة إرهابية مسلحة في 1 من أبريل ١٩٥٥م استمرت أربع سنوات استهدفوا خلالها السلطات البريطانية والأقلية المسلمة، وكانت منظمة «إيوكا» تدير هذه الحملة الإرهابية بدعم يوناني قوي، وكانت اليونان تقف مع القبارصة اليونانيين بينما وقفت تركيا مع القبارصة الأتراك المسلمين، وقام حاكم الجزيرة البريطاني بنفي الأسقف مكاريوس إلى سيشيل في مارس ١٩٥٦م لأنه كان يؤيد حملة «الإيوكا» الإرهابية، وفي أبريل من السنة التالية سمحت له السلطات البريطانية بالذهاب إلى أثينا.
وطالبت تركيا في مؤتمر زيوريخ سنة ١٩٥٩م بتقسيم قبرص وبالتالي تنازلت عن مبدأ عودة الجزيرة بكاملها إلى تركيا، وجن جنون مكاريوس باقتراح التقسيم فوافق على دولة مستقلة تحت إشراف الأمم المتحدة، وهكذا وافقت بريطانيا واليونان وتركيا على الإعتراف بـ «جمهورية قبرص»، ولم تفقد بريطانيا شيئًا من جراء هذا لأنها احتفظت بحق السيادة على قاعدتيها العسكريتين وهما إيكروتيري وديكيليا، ونصت الاتفاقية بصورة واضحة على عدم جواز انضمام قبرص إلى أي دولة كبرى أو تقسيم الجزيرة، ولم يكن هذا ملزمًا على الأطراف الثلاثة صاحبة السيادة فقط، بل كان ملزمًا كذلك على الجمهورية الجديدة التي التزمت بأنها لن تسعى إلى الانضمام أو الوحدة مع دولة أخرى، ثم التزمت تركيا واليونان فيما بينهما على مقاومة أي عدوان على الدولة الجديدة.
في إطار الكمنولث
وهكذا أصبحت قبرص دولة مستقلة في إطار الكومنولث البريطاني في ١٦ من أغسطس ١٩٦٠م وانتخب الأسقف مكاريوس أول رئيس لها، كما انتخب فاضل كوتشوك أول نائب الرئيس الجمهورية ممثلاً القبارصة الأتراك.
وكانت الاضطرابات الدموية في عام ١٩٦٤م، حين هددت تركيا بأنها ستنزل القوات بالجزيرة للمحافظة على أرواح الأتراك، تعود إلى الأنظمة الدستورية لسنة ١٩٥٩م والتي كانت صعبة التطبيق... إلا أن سببها المباشر كان النقاط الثلاث عشرة التي أعلنها مكاريوس في نوفمبر ١٩٦٣م، وكانت هذه النقاط تعديلات دستورية تتطلب موافقة البرلمان القبرصي إلى جانب القوى الثلاثة التي ضمنت اتفاقيات سنة ١٩٥٩م، ولو ووفق على تلك التعديلات لكان قد قضي على حق الطائفة التركية في الدفاع عن نفسها أمام العدوان اليوناني، وكان من هذه التعديلات: إلغاء صلاحية كل من نائب رئيس الجمهورية «التركي» ورئيس الجمهورية «اليوناني» في ممارسة حق النقض... ويبدو هذا شيئاً عادلاً في بادئ الأمر، إلا أنه كان يعني من الناحية العملية أن الغالبية اليونانية في البرلمان القبرصي ستحتكر كل السلطة، ولم تكن التعديلات الأخرى أقل خطورة في محتواها، فمنها قيام قيادة عسكرية موحدة وجيش موحد ومحاكم موحدة وبلديات موحدة، وأن يكون تجنيد العاملين في الخدمة المدنية على أساس 70% لليونانيين و30% للأتراك.
ولم يكن مكاريوس مخادعًا فقط، بل كان مغرورًا ومتغطرسًا في الوقت نفسه، وبلغ من شدة اعتماده على نفسه أنه أعلن في 1 من يناير ١٩٦٤م إلغاء معاهدات زيوريخ من جانب واحد وكذلك أعلن إلغاء الدستور القبرصي المبني على تلك المعاهدات.
وقد يبدو أنها خطوة متسرعة لا تناسب سياسيًّا محنكًا مثل مكاريوس... إلا أن الحقيقة هي أن مكاريوس كان ضالعًا في خطة سرية اتفق عليها مسبقًا وهي خطة أكريتاس الهادفة إلى تصفية القبارصة الأتراك والقضاء على وجودهم بالجزيرة، وبدأ تنفيذ هذه المؤامرة بالمذابح التي اندلعت في ۲۱ من ديسمبر ١٩٦٣م.. ولذلك موضوع آخر نتحدث عنه بالتفصيل العدد القادم إن شاء الله.
(*) مدير معهد الدراسات الإسلامية والعربية في نيودلهي- الهند.