; قانون التوالي هل يحل المشكلة السودانية؟ | مجلة المجتمع

العنوان قانون التوالي هل يحل المشكلة السودانية؟

الكاتب محمد حسن طنون

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أكتوبر-1998

مشاهدات 66

نشر في العدد 1323

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 27-أكتوبر-1998

المؤتمر الوطني الذي يتزعمه الترابي والإخوان المسلمين.. وحدهما أعلنا الالتزام بقانون الأحزاب الجديد.

لا يخفى على أحد من المراقبين أن الذي يدور في شرق الاستوائية ما هو إلا حلقة من مخطط كبير تقوده أمريكا بهدف تنفيذ استراتيجية لها تجعل من إفريقيا الولاية الثالثة والخمسين وتجند له رجالها في المنطقة لاسيما موسفيني رئيس أوغندا وأفورقي رئيس إريتريا.

كانت المعارك الأخيرة شرسة، حيث تمكنت القوات المعتدية والمسلحة بأحدث الأسلحة الأمريكية من احتلال مدينة ليريا الاستراتيجية هادفة قطع طريق توريت - جوبا تمهيدًا لاحتلال توريت ثم جوبا لإعلان دولة انفصالية في الجنوب. 

ولكن المجاهدين كعادتهم قدموا الاستشهاديين الذين يسمونهم «الدبابين» إشارة إلى تصديهم وتفجيرهم للدبابات بأجسادهم، مما حير الأعداء حقيقة، فالدبابون هم طلاب جامعات استوعبوا القضية وأمنوا بها وتدربوا على مواجهة الدبابات وتحطيمها مهما كان الثمن ولو كان أرواحهم. إنها ظاهرة سودانية فريدة متميزة حفظت بقاء الجنوب والشرق في إطار السودان الموحد. 

واضح أن السودان يتعرض لمؤامرة كبيرة تستخدم فيها دول الجوار التي تحكمها الأقليات النصرانية القبلية أوغندا وإريتريا والهدف تفتيت السودان إلى دويلات أو صمولتها.

خطورة المؤامرة على السودان أنها تستهدف الأمن القومي المصري ومن وراء مصر الأمن العربي، لذلك فإن العقلاء في مصر يساندون السودان في صراعه مع القوى المحركة للمتمردين ويطالبون بتدخل مصر عسكريًا إلى جانب الحكومة السودانية، تمامًا كما تساعد أوغندا وإريتريا المتمردين بالقادة والجنود المتمرسين.

المعركة حُسمت

حسمت معارك شرق الاستوائية بتحرير مدينة ليريا وتطهير شرق الاستوائية من القوات الأوغندية المعتدية والمتمردين وقد تأكد تراجعهم من الميل (۳۸) إلى الميل (٥٣) مخلفين وراءهم مئات القتلى والجرحى والأسلحة.. وفقدت أوغندا خمسة من القادة الميدانيين و۲۱ ضابطًا برتب مختلفة كذلك فقدت حركة التمرد أحد أشهر قادتها الميدانيين وتم تطهير ٦ حاميات مهمة ولكن السؤال المطروح: هل ستكون هذه المعركة آخر المعارك؟

المؤكد أن الجواب بالنفي لأن المعتدين، وهم موسفيني وأفورقي وجارانج لا يحاربون أصالة عن أنفسهم من أجل قضية تهم شعوبهم وإنما وكالة لتحقيق أهداف النظام العالمي الجديد، والوكيل لا يستطيع اتخاذ قرار مستقل بمعزل عن الأصل الذي مازالت لديه أجنده في السودان وفي وسط إفريقيا وفي العالم العربي. 

إن الانتصار في معركة شرق الاستوائية وتدمير المعدات واغتنامها وقتل الآلاف أو حتى كل الأفارقة، لا يعني شيئًا لليهود والغرب، فالسلاح مكدس في المخازن في أمريكا وإسرائيل، والأفارقة ليسوا في عداد الآدميين عند الغرب الصليبي، لذلك فالمتوقع تكرار العدوان بأساليب متنوعة وعلى جبهات مختلفة.

التوالي الهم الأكبر

في الوقت الذي كانت المعارك الشرسة تدور بين المجاهدين والدبابين من جهة، والقوات المعتدية من جهة أخرى في شرق الاستوائية كان أهل السياسة -وكل السودانيين للأسف سياسيون من الوزير إلى الخفير- مشغولين بقانون التوالي، وقد أثارت كلمة التوالي لغطًا كبيرًا بين الناس، ماذا تعني وما مدلولها في اللغة العربية؟ هل تعني التعددية؟ أم تمهد لنظام حزب واحد شبيه بنظام الاتحاد الاشتراكي في عهد نميري؟

وقد أجاز مجلس الوزراء القانون في جلسة ترأسها الرئيس السوداني عمر البشير بالإجماع بعد نقاش طويل ومستفيض وأرسل القانون إلى المجلس الوطني «البرلمان» الذي يرأسه د. حسن الترابي الأمين العام للمؤتمر الوطني ورئيس المجلس أيضًا والذي ظن الناس أنه هو المبتدع لكلمة التوالي لمناقشته وإجازته ليصبح ساري المفعول.

يقول السيد علي محمد يسن -وزير العدل والنائب العام- إن فلسفة التوالي السياسي تقوم على الترابط والتناصح والتناصر والحسنى وأنه لا قيد على التنظيمات السياسية لممارسة نشاطها غير الشورى والديمقراطية ونبذ العنف.

أما د. حسن الترابي فقد أوضح أن القانون لم يحرم رموز الأحزاب الذين اختاروا طريق العنف المسلح من قيادة أحزابهم، لأن المادة اشترطت الإدانة، وهذا لم يحدث في حق واحد منهم، وأضاف: إن الإدانة نفسها لا تمنع الشخص من قيادة حزيه إن صدر عفو عنه، وأشار إلى أن مشروع قانون التوالي يجُوّز إمكانية قيام تنظيمات سياسية دون ترخيص وممارسة نشاطها وعقد ندواتها والتعبير عن نفسها دون أن تتاح لها فرصة المشاركة في الانتخابات أو التقدم للمناصب الدستورية، وبين د. الترابي أن القانون يسمح حتى لمعارضي الشريعة والثوابت الأخرى كالفدرالية واستفتاء الجنوب والنظام الرئاسي بتنظيم أحزابهم شريطة الالتزام بالقانون. 

ولما سئل د. الترابي لماذا جاءت الإنقاذ بالقوة؟ أجاب أن الظروف الدولية والإقليمية ما كانت لتسمح للإسلاميين بإنفاذ رغبات الأمة، مشيرًا إلى أن الديمقراطيات في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا جاءت بالقوة والانقلابات، أما عبد العزيز شدو -نائب رئيس المجلس الوطني- فقد أكد أنهم سيبعثون إلى الميرغني والمهدي وجارانج ونقد زعيم الحزب الشيوعي دعوات لتبيان رأيهم في المشروع وانتقد قادة المعارضة دعوة شدو وقالوا إنه يتحدث خارج الزمن.

موقف المعارضة من التوالي

لم يتجاوب أي حزب محلول «الأمة - الاتحادي - البعث - الشيوعي» مع القانون المطروح وسماه بعضهم مصادرة ثانية للديمقراطية وأنه لم يقدم شيئًا مشجعًا للعودة للتعددية مادام الحظر على الأحزاب قائمًا والأوضاع لازالت تراوح مكانها، وما القانون الجديد إلا ذَر للرماد في العيون، وما هو إلا محاولة من النظام للقفز على الواقع، ومنهم من يشبه القانون بما هو مطبّق في مصر من نظام حزبي صوري، الجهة الوحيدة التي تجاوبت مع القانون الجديد للتوالي هي جماعة الإخوان المسلمين التي يقودها الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد فقد قالوا إنهم سيسجلون حزبهم بمجرد التوقيع النهائي على القانون وتعيين المسجل العام للتنظيمات السياسية، وكذلك أعلن قادة المؤتمر الوطني رغبتهم في التسجيل. 

خلاصة القول إن مشروع قانون التوالي السياسي لن يحل ما يسمونه المشكلة السودانية، فنظام ثورة الإنقاذ تقدم بهذا القانون بعد أن ثبّت أقدامه تمامًا واستولى على السُلطة التنفيذية كلها والخدمة المدنية والقوات النظامية، أما المعارضة فلها أجندتها وهي المقررة في مؤتمر أسمرا وأهم أهدافها إقامة حكومة علمانية لا دينية تفصل السياسة عن الدين والوصول لهدفها تحمل السلاح وتنضوي تحت التجمع الديمقراطي الذي يقود جناحه السياسي الميرغني والمهدي وجناحه العسكري جون جارانج، أما الحكومة فهي لها أجندتها وهي الثوابت المضمنة في الدستور المجاز،

وتتلخص في الشريعة الإسلامية، والنظام الرئاسي والفدرالية ولن تتنازل عن منهجها ومشروعها مهما كانت التضحيات. 

 

الرابط المختصر :