; فهمي هويدي لـ المجتمع : قانون التعليم الأزهري خطوة لتجفيف منابع التدين الأصيل | مجلة المجتمع

العنوان فهمي هويدي لـ المجتمع : قانون التعليم الأزهري خطوة لتجفيف منابع التدين الأصيل

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يونيو-1998

مشاهدات 83

نشر في العدد 1305

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 23-يونيو-1998

* ثقافة السلام خدعة كبرى وهدفها نزع الحس الجهادي من نفوس شبابنا

* مفهوم العولمة... سحق للهوية الوطنية والاستقلال الحضاري

* أمر عجيب... أن يتم تأميم المساجد والدعوة إلى الله في الوقت الذي تتم فيه خصخصة الاقتصاد والتجارة

على جانب آخر أكد الكاتب الإسلامي فهمي هويدي أن القانون الجديد يصب في إجهاض دور الأزهر، ويمثل واحدة من خطوات تجفيف منابع التدين الأصيل، وقال: إن هناك خطوات متتابعة تسير في هذا الاتجاه، جاء ذلك في حوار مع المسيح تناول فيه عددًا من القضايا الأخرى... وإلى تفاصيل الحوار:

  • لماذا اشتد الجدل حول قانون التعليم الأزهري الجديد في مصر... وما تقييمك له وبخاصة بعد أن أعلن شيخ الأزهر أنه تطوير للأزهر؟

القضية في رأيي ليست في مبدأ التطوير، فلا أحد يستطيع أن يعترض على تطوير الأزهر، ولكن السؤال المطروح الآن... هل القانون تطوير للأزهر أم لا؟ والإجابة واضحة، فالقانون إجهاض وتقليص لدور الأزهر وتفريغ لمحتواه، وأظن أنه متأثر بالأجواء التي تعتبر أن التدين هو التربة التي ينمو فيها التطرف، وهذه مقولة ترددها بعض الأجهزة الأمنية وخصوم التيار الإسلامي، وهي بلا شك كاذبة، لأن التدين الخطأ هو الذي يؤدي إلى التطرف وليس التدين على إطلاقه، وتقليص دور الأزهر أو تقليل جرعة الدراسات الشرعية فيه هو هدية عظيمة للتطرف لأنه بهذه الطريقة لن تشبع الدراسات الأزهرية رغبات الشباب، وبالتالي سيبحثون عن إشباعها في مجالات أخرى وفي بيئة أخرى، وربما تكون هذه المجالات هي بؤر التطرف نفسها، والتي باسمها وباسم مكافحتها يتم إجهاض دور الأزهر التاريخي. 

  • ما تقييمك لدور المعارضة داخل الأزهر؟

في الحقيقة هناك معارضة قوية للقانون داخل وخارج الأزهر، كما أن جهود المعارضة الأزهرية لا تقتصر على التوقيعات فقط، وعلينا أن نضع في الاعتبار ونحن ننظر لهذه القضية عن البعد الإنساني وضعفه عند بعض العلماء أو خشيتهم من التوقيع على البيان خوفًا من الإيذاء وبخاصة أن هناك علماء لا تحتمل طاقاتهم الإحالة للتحقيق أو النقل إلى معاهد بعيدة، وكل ما أطالب به ويطالب به غيري من العلماء والمفكرين أن يسمع صوت المعترضين ويكون لهم رؤية ورأي فيما يدرسون ويدرسون. 

وللأسف الشديد فإن هذا القانون اتخذه فرد وفرضه على الآخرين رغم المعارضة القوية له الآن، والعجيب في الأمر أن لجنة الشؤون الدينية بمجلس الشعب حينما عرض عليها مشروع القانون عارضه ۹۰ % من أعضائها لكن عند التوقيع وافقوا بل سجلوا موافقتهم، حيث إن التعليمات الحزبية العليا التي صدرت لهم أنداك كانت بضرورة الموافقة، وهم بالطبع يخافون إذا عارضوا يتم استبعادهم من الحزب الوطني في الانتخابات المقبلة.

  • هل هناك صلة بين القانون وقانون تأميم المساجد والخطابة وإجراءات تجفيف المنابع الدينية في مصر؟

 في اعتقادي أنها خطى متتابعة تتم على حلقات، والقانون ليس منفصلًا عن قانون تأميم المساجد الذي صدر العام الماضي، وهناك خطى أخرى في مناهج التعليم وبرامج التليفزيون، وأنا لا أريد أن أقول إن ما يحدث هو مؤامرة، ولكن ما أطالب به أن نسمع حقيقة الحكاية بالضبط ولماذا؟ وللأسف لا يمكننا افتراض البراءة وحسن النية في هذه الأمور، ففي العمل العام افتراض البراءة ليس هو الصحيح، ولا نستطيع أن نكل كل ما يحدث إلى الصدفة، وإنني أعجب، ففي الوقت الذي يتم فيه خصخصة الاقتصاد والتجارة يتم تأميم المساجد والدعوة إلى الله، وهذا اتجاه مخالف ومعاكس تمامًا.

  • ما تقييمك للعلاقة الراهنة بين التيار الإسلامي والنظم الحاكمة بصفة عامة ... وبخاصة أن بعض الحكومات تؤكد مراراً أن هذا التيار عقبة كئود في سبيل تطبيق ديمقراطية حقيقية في بلادها؟

من الحكمة أن يعيد التيار الإسلامي النظر في هذه العلاقة، والمشكلة القائمة هي بين الأنظمة والديمقراطية، وليس مع التيار الإسلامي، وأزعم أن التيار القومي أو الناصري أو الوفدي لو كانت له شعبية كالتي يتمتع بها التيار الإسلامي لكان سيواجه نفس المشكلة، وما حدث في تونس والجزائر دليل على ما أقول، فقد أعلنت الأنظمة الحاكمة هناك أنها ستتخلص من عقبة التيار الإسلامي لتقيم ديمقراطية سليمة، واليوم مر أكثر من عشر سنوات ولم توف ما وعدت به ولن توفي. 

والإسلاميون تحالفوا مع العلمانيين في تركيا والاشتراكيين في اليمن، وقبلوا بالديمقراطية المحدودة فيه، وشاركوا بقوة في الكويت وكذلك في بعض الحقائب الوزارية في الأردن، حتى في مصر عندما كانت الأجواء صحية شاركوا في النقابات وهيئات التدريس والبرلمان، لأن القاعدة العامة أنهم يشاركون من أي ثقب أو قناة صغيرة فيها هامش ديمقراطية، ولكن الحاصل هو أن الحكومات تسد الأبواب في وجوههم، وأنا عندما أتكلم عن الإسلاميين أتكلم عن المجرى الرئيس للحركات الإسلامية، وعن أناس عقلاء يسعون للتغيير من خلال العمل السياسي السلمي لا عن شراذم تنتهج العنف. فالمشكلة مرة أخرى أن الحكومات ترفضهم بسبب شعبيتهم ومصداقيتهم عند القاعدة العريضة من الشعب. 

وهنا يجب أن أسجل نقطة إيجابية لصالح هذا التيار تتمثل في أن فقه المشاركة والتغيير السلمي تطور بشكل مهم في الحركات والثقافة الإسلامية خلال العشرين سنة الأخيرة، سواء أكان تطورًا طبيعيًا أو رد فعل لعملية العنف بشكل عام، وهناك اليوم اجتهادات رائعة لرؤية فكرية متطورة وحركات تحاول كلما أتيحت لها فرصة المشاركة أن تشارك علي أعلي مستوي أو أدناه ... لكن المشكلة في الحكومات الرافضة لهم.... إنهم ليسوا أندادًا متشابكين، بل أحدهما يرفع عصاه ويضرب الآخر بقسوة وهذا الآخر يتحمل الضرب فقط!!

  • بعد أن هدأ الجدال حول الاحتفال بمرور قرنين على الحملة الفرنسية على مصر... ما تقييمك لدلالاتها؟

في الحقيقة لم يكن جدالًا حول الحملة الفرنسية بقدر ما كان جدالًا عن الانتماء الوطني والهوية المستقلة والالتحاق بالغرب، لقد أفرز الجدل كل التيارات وكشف ما تبطنه، فدعاة الاعتزاز بالهوية المستقلة كانوا ضد الحملة ودعاة الانهزام والالتحاق بالغرب كانوا مع الحملة، والحملة كانت رمزًا لكشف كل هؤلاء.... على أي حال ما حدث هو امتداد طبيعي للصراع الجاري في مصر بين تيار وطني إسلامي وآخر غربي غير وطني. 

  • باعتقادك أن التيار العلماني في بلادنا العربية يتجه للأفول والانحسار؟

للأسف في بلادنا العربية لا توجد لدينا أدوات منضبطة للقياس كما هو معمول به في الغرب، فعملية تحديد من يتقدم ومن يتأخر حتى على مستوى الحركات الإسلامية.... عملية غير دقيقة، فعندما يخسر الإسلاميون مقعدًا أو مقعدين في إحدى الجامعات تندهش عندما تكتب الصحف «هزيمة قاسية للتيار الإسلامي»، على الرغم من أنه لم يهزم، وبالتالي لا استطيع أن أحدد قوة التيار العلماني، لكن ما أستطيع قوله إنه قد حدثت حالة استقطاب واضحة في المجتمع المصري والعربي بشكل عام، وتميز وفرز كبير بين كل التيارات واتجاهاتها... واسمح لي أن أقول أنا ضد تسمية هذا علماني وهذا إسلامي، فهذه تسمية خطرة تقود إلى حرب أهلية ثقافية، وأدعو إلى فكرة وطني وغير وطني، وأنا «الكلام لهويدي»، في معاركي مع العلمانيين قلت إن الإسلاميين يمتازون بالاعتراف بأن لديهم متطرفين، لكن العلمانيون يرفضون أن يقولوا أو يعترفوا أن من بينهم يوجد غلاة ومتطرفون، وعلى أي حال فهناك علمانيون وطنيون يؤمنون بالله وبالإسلام وبالوطن وهؤلاء ينبغي التقرب إليهم فهم قوة لنا على أي حال.

  • مفهوم ثقافة السلام والتي يتجه كثير من دول العالم العربي والإسلامي لتعميمه في منهجها التعليمي بكافة مراحله التأسيسية والعليا... كيف تنظرون لهذا المفهوم وآثاره؟

 ثقافة السلام تلك هي جزء من التعبير عن الهزيمة التي تقدم فيها كل أوراقك لدرجة أنك تنزع من الناس الحس الجهادي وتحاول أن تطمس الذاكرة الوطنية، ولا ينبغي أن نتحدث عن ثقافة السلام مع دولة عنصرية ترفض السلام العادل، وما يحدث حاليًا هو تنازل وتراجع وتفريط وأنا من الذين سجلوا معارضتهم لمفهوم ثقافة السلام وأقول إنها خدعة كبيرة، فالصهاينة والأمريكان يكتمون أنفاسنا ثم يقولون بثقافة السلام... كيف هذا؟! قبل أن نطالب بتدريس وتعميم مفهوم السلام وثقافته نطالب بالعدل أولًا ولن ينجح سلام في ظل استمرار الظلم والطغيان. 

  • مع تطور وسائل الاتصال الحديثة، وظهور فكر العولمة، وفرض الدول الكبرى ثقافاتها علينا. كيف نحمي هويتنا الوطنية والإسلامية؟

 يهمني جدًا أن أتساءل... هل العولمة وصف أم وصفة؟ بمعنى إذا كانت تصف وسائل الاتصال وتؤكد تطورها فهذا تقرير حالة موجودة، ولكن إذا كان المقصود منها هيمنة ثقافة القوي على حساب الضعيف فإنني أرفضها، وعندما تقول لي إن العولمة تقتضي أن ألبس الجينز وأكل الهامبورجر، وأشرب الكوكاكولا فهي مرفوضة كذلك، ولذلك فهي كلمة خادعة العولمة تعني التغريب وسحق الهوية الوطنية والاستقلال، ومواجهة العولمة تتطلب أولاً مشروع رؤية وطنية وحضارية مستقلة، وإذا كانت نخبتك الثقافية لا ترى ذلك فهي مشكلة كبرى... ونحن للأسف الشديد لدينا قابلية للاختراق والسحق، ولدينا غياب للإجماع الوطني على القضايا الكلية مثل موقفنا من العولمة أو الاستقلال الحضاري أو العلاقة مع إسرائيل، وتلك المسألة تدخل في مشاكلك الداخلية وأزمة النخبة التي أصبحت أسيرة لمواقفها الفكرية بشكل يطغى على المصالح الوطنية العليا، إنها مع الغرب بأي شكل من الأشكال وبأي ثمن أو مع السلام مهما ضيعت فلسطين، بل مهما ضيعت نفسها .

والسؤال كيف نطرح أزمة النخبة العربية في استعلائها فوق حساسياتها وقراراتها في غياب إجماعها الوطني حول قضايا الهوية الوطنية، وأنا هنا لا أتكلم عن الإسلام، بل الهوية الوطنية للأمة الإسلامية في الإسلام من ثوابت أمتنا... لكن القضية أكبر وأخطر لأنها لا تهدد المسلمين فحسب، بل تهدد كل نصراني في بلادنا أيضاً..

الرابط المختصر :