; قانون الانتخابات «العجيب».. هل ينهي آمال الأردنيين بالإصلاح؟! | مجلة المجتمع

العنوان قانون الانتخابات «العجيب».. هل ينهي آمال الأردنيين بالإصلاح؟!

الكاتب براء عبدالرحمن

تاريخ النشر الجمعة 04-مايو-2012

مشاهدات 70

نشر في العدد 2000

نشر في الصفحة 18

الجمعة 04-مايو-2012

عمان: براء عبد الرحمن

جفت الأقلام، ورفعت الصحف، وقضي الأمر الذي كنتم فيه تستفتون؟!.. هذا ما حدثني به أحد السياسيين «المخضرمين» في الأردن، فور سماعه بتفاصيل القانون الانتخابي الجديد، الذي رفعته حكومة «الخصاونة» إلى مجلس النواب للمصادقة عليه وإقراره، لم أحاول أن أسأل هذا السياسي «المخضرم» عن مقصده من هذه الجملة، فالأمور اتضحت تماماً فالشارع الأردني الذي شهد – ولأول مرة - انقساماً حاداً بين متفائل بنوايا حكومة «الخصاونة» الإصلاحية، وقدرتها على قيادة مرحلة الإصلاح المنشودة وسط ظروف بالغة التعقيد، وأنها ستجنب الأردن «عناء» الدخول في المجهول، وبين متشائم يرى أن حكومة «الخصاونة» كسابق الحكومات الأردنية، لا تملك زمام الأمور، وأن الجهات «المتنفذة» ما زالت مسيطرة على البلد.

مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي والنقابي تتفق على رفض القانون.

نتائج انتخابات نقابة المعلمين زادت من ضغوط الأطراف المتخوفة من حصول الإسلاميين على نسبة عالية في الانتخابات البرلمانية القادمة على حكومة الخصاونة.

حزب الوسط (الموالي) أعلن في تصريح صحفي مقاطعته اللقاءات مع الحكومة احتجاجاً على قانون الانتخابات النيابية.

صدمة القانون الانتخابي: منذ أكثر من عشرين عاماً، والأردنيون ينتظرون بفارغ الصبر إقرار قانون انتخابي عادل وعصري،يعبّر عن إرادتهم الحقيقية، ويوصل مطالبهم ومظالمهم المختلفة، وأتى «الربيع العربي»

ليعطي الأردنيين الأمل بإقرار قانون يلبي الحدود الدنيا من طموحاتهم، ومن ثم بعدها أتت حكومة «الخصاونة» التي زادت من منسوب وجرعة هذا الأمل، خصوصاً في ظل التصريحات التي كان يطلقها «الخصاونة»

بين الفينة والأخرى عن عزمه صياغة قانون انتخابي شبيه بقانون ال(٨٩)، ومما زاد في دفعة التفاؤل لدى الأردنيين هي انتخابات نقابة المعلمين التي جرت وفق القانون المختلط (الذي يجري استخدامه للمرة الأولى في الأردن)، فكانت ٨٠% من مقاعد النقابة تنتخب وفق قانون ال (٨٩), و٢٠% من المقاعد تنتخب وفق القوائم النسبية المخصصة للكتل، لكن نتائج انتخابات نقابة المعلمين، التي أسفرت عن اكتساح قوائم الإسلاميين لها، كان لها أثر عكسي على القوى «المتنفذة» في الأردن، التي رأت في نتائج الانتخابات مجرد «بروفة» لما ستكون عليه نتائج الانتخابات النيابية، في حال جرت وفق القانون المختلط أو قانون ال(٨٩)، كما كان يصرح «الخصاونة» دائماً، خصوصاً وأن شريحة المعلمين هي الشريحة الأوسع في المجتمع، فهي تضم قرابة المائة ألف معلم، وهي بالضرورة تعبر عن نبض وضمير الشارع الأردني، لتأتي انتخابات النقابة قبل البدء مباشرة في جلسات الإعداد والتشاور التي تقوم بها الحكومة لصياغة قانون انتخابي جديد، مما زاد في حجم الضغوط الملقاة على كاهل الحكومة من قبل كل الأطراف المتخوفة من حصول الإسلاميين على نسبة عالية في الانتخابات القادمة، وعلى رأسهم بعض الجهات «المتنفذة»، التي رفعت تقريراً للملك حذرته فيه من قيام حكومة «الخصاونة» بتقديم قانون انتخابي تستفيد منه الحركة الاسلامية، ويصب في مصلحتها، لأن ذلك يعني «تسليم» الحكم في الأردن للإسلاميين، مستندة إلى نتائج انتخابات «نقابة المعلمين»، وطالبت الجهة «المتنفذة» صياغة قانون انتخابي يحد ويقلّص من قدرة الحركة الاسلامية على الحصول على الأغلبية النيابية، وهو الأمر الذي حصل فعلاً. فحكومة «الخصاونة» رضخت لرأي الجهات «المتنفذة»، ورفعت صيغة قانون يتوافق مع «إعادة تدوير الصوت الواحد».

والغريب في الأمر أن هذا القانون جاء بعد سلسلة من اللقاءات المكثفة التي جرت بين «الخصاونة» وعديد من القوى السياسية والاجتماعية، التي أكدت جميعها رفض العودة لقانون «الصوت الواحد»، أو إعادة تدويره بأي شكل.

تفاصيل القانون

وفي تفاصيل القانون الانتخابي المقدم إلى مجلس النواب، لم يستطع جميع الخبراء والمتابعين للشأن الأردني أن يجدوا قانوناً شبيهاً له في العالم!

حيث إن هذا القانون ينص على «منح كل مواطن الحق في الإدلاء بصوتين في دائرته مهما بلغ حجم المرشحين عن الدائرة، إضافة إلى منحه ورقة يكتب بها اسم القائمة الحزبية التي يريد التصويت لها ..»، وقد يقول قائل: إن هذا القانون أفضل من القانون السابق، فقد أصبح لكل مواطن الحق في الإدلاء بصوتين بدلا من الصوت الواحد، لكن الرد يأتي «عبقرياً من قبل حكومة «الخصاونة»، التي قامت بجمع كل دائرتين في دائرة واحدة في المدن الكبرى (عمّان، إربد، الزرقاء)، بمعنى أن عمّان كانت مقسمة إلى ست دوائر أما الآن، فستقسم إلى ثلاث دوائر، لتكون النتيجة نفس المحصلة السابقة، فالحزب الذي كان يرشح مرشحاً في كل دائرة من دوائر عمّان

الست، ليكون مجموع ممثليه في عمّان ٦ من أصل ٢٤، سيعود لترشيح ستة فقط، لكن الاختلاف أن الترشيح سيكون بمرشحين لكل دائرة من الدوائر الثلاث، بدلا من واحد للدوائر الست، وإذا كان كل مائة ألف مواطن

لهم الحق في انتخاب مرشح واحد من أصل ٤,  ففي هذه المرة فإن كل مائتي ألف مواطن لهم الحق في انتخاب مرشحَين من أصل ٨ مرشحين، أما عند الحديث عن وجود حق للمواطن في انتخاب قائمة حزبية (وهي أول مرة يطبق فيها هذا النظام في الانتخابات النيابية)، فإن الرد يأتي أيضاً «عبقرياً»، من قبل الحكومة، فهي تمنح كافة الأحزاب الأردنية ١٥ مقعداً على مستوى المملكة من أصل قرابة أكثر من ١٢٠ مقعداً، أي نسبة لا تتجاوز الـ ١٢% في أفضل الأحوال، وهذه ليست «المشكلة» الوحيدة فحسب، بل إن «المأساة» الحقيقية تكمن في عدم السماح لأي حزب في ترشيح أكثر من خمسة أفراد من أصل ١٥!

ثغرة فى القانون

أما «الثغرة» الكبرى في القانون «العجيب»، والتي أصبحت محل تندر الأردنيين واستهزائهم، هي عدم معرفة أحد بمن فيهم من وضع القانون، عدد أعضاء مجلس النواب! فعدد الأعضاء المحصى هو ١٠٨ نواب، لكن هناك نصاً في القانون يتحدث عن أحقية كل «لواء» في وجود نائب يمثله، مما سيرفع عدد مجلس النواب إلى عدد يفوق ال ١٢٠ على أقل تقدير، وهذا

سيثير لغطاً كبيراً، لأن الحكومة هي المعنية في تقسيم الألوية مما يتيح لها «التلاعب» في عدد مقاعد المجلس بحسب مصالحها!

لا شك أن ما خرجت به الحكومة من قانون انتخابات يمثل اعترافاً واضحاً وصريحاً منها بعجزها وخسارتها معركة استعادة «الولاية العامة»، التي كان يتغنى بها «الخصاونة» ووزير إعلامه راكان المجالي صباح مساء، فالقانون الجديد تم بترتيب واضح من عدة قوى وأطراف كان أضعفها الحكومة، فيما أثبتت الأجهزة الأمنية، مجدداً، أنها الطرف الأقوى في الساحة الداخلية، وهذا ما شكل انتكاسة لكل الوعود التي كانت تطلقها الحكومة على طريق تحقيق اصلاح جدي وشامل.

الغالبية ترفض

رغم حديث البعض عن أن مجمل العملية الإصلاحية ليست بإقرار قانون انتخابى عصري، وأنه من غير المعقول أن «تختزل»  مسيرة الإصلاح بمجرد إقرار قانون انتخابى يمثل الأغلبية الحقيقية، أو يرضي أطراف

المعارضة، ورغم اعتراف قطاع واسع من الشارع بمنجزات «الخصاونة» الإصلاحية، التي حققها في أقل من ظرف ستة شهور،

فإن المعارضة تقول: إن أهمية قانون الانتخابات تكمن في أنه حجر الرحى في العملية الإصلاحية، من خلال تحكمه بفعالية مجلس النواب، الذي يشكل العمود الفقري للحياة السياسية في كل الدول المتقدمة، ففي حال أفرزت الانتخابات مجلس نواب سيد نفسه، فانه سيفرز حكومة تمثل إرادة الشعب، تلتفت إلى همومه، وتكون معنية باسترضائه لا استرضاء القوى «المتنفذة»

أو الخارجية، لكن النظام أثبت أنه مستعد - وبحسب المعارض - إلى إجراء إصلاحات شكلية من اعتقال للفاسدين، وزيادة في منسوب الحريات، وتحقيق لبعض مطالب المواطنين، إلا تشريع وإقرار قانون انتخابي

عصري وعادل، لأن النظام يعتبر أن إقرار قانون كهذا هو بمثابة «الانتحار»، ففيه تغيير لبنيته وطبيعته، وتحجيم لصلاحياته في اتخاذ القرار، والتحكم في مختلف مفاصل الدولة، لذا يحرص على إفراز مجلس نواب يتم التحكم بغالبيته عبر الهاتف أو الريموت كنترول بعيداً عن أي تكتلات أو تحالفات نيابية فاعلة مع السماح لمجموع قوى المعارضة بالحصول على ما لا يزيد على نسبة ٣٠% كحد أقصى من مقاعد البرلمان لإضفاء نوعاً من الشرعية عليه!

الأحزاب تندد

أكبر وأبرز أحزاب المعارضة الأردنية، حزب «جبهة العمل الإسلامي» رد بقوة على التطمينات «الواهمة» للحكومة بأن الجماعة ستشارك في الانتخابات مهما كان القانون، إذ رفض المجلس مشروع القانون بالإجماع،

مطالباً الحكومة بسحبه من مجلس النواب, وأكد رئيس المجلس علي أبو السكر في تصريحات إعلامية أن المشروع الذي قدمته

الحكومة «يعد انتكاسة وتراجعاً عن كافة الوعود الرسمية بخصوص صياغة قانون انتخابي عادل». وقال: «نتيجة لاستحضار روح قانون الصوت الواحد في القانون الجديد، تم رفض مشروع القانون بالإجماع خلال الاجتماع الذي عقده المجلس»، وجدد المجلس مطالبته بتطبيق النص الدستوري (الشعب مصدر السلطات). أما ائتلاف الأحزاب القومية واليسارية «البعث الاشتراكي - البعث التقدمي – الحركة القومية للديمقراطية المباشرة – الشعب الديمقراطي (حشد) - الشيوعي الأردني- الوحدة الشعبية الديمقراطي (وحدة)»، فقد أعلن أنه تدارس مشروع قانون الانتخابات النيابية المقدم من الحكومة إلى البرلمان في ضوء التطورات السياسية الجارية والاستحقاقات الديمقراطية المطلوبة لتنفيذ مشروع الإصلاح الوطني والديمقراطي في البلاد، حيث خلص إلى ما يلي: «لقد جاء مشروع قانون الانتخاب الذي أقرته الحكومة ليعكس عدم الجدية للسير في عملية الإصلاح، بسب تجاهل الحكومة مطالب معظم القوى السياسية والاجتماعية في البلاد، متمثلة بقانون انتخابات ديمقراطي، يعتمد القائمة النسبية الوطنية في إطار النظام المختلط ..»، وأضاف: «إن ائتلاف الأحزاب القومية واليسارية يحذر من نتائج مشروع القانون المقدم من الحكومة على استقرار الأوضاع السياسية والوحدة الاجتماعية في البلاد، كونه يعيد إنتاج نظام الصوت الواحد بصورة أو بأخرى، لذلك فإن تعديل هذا المشروع يجب أن يستند إلى نظام انتخابي يؤمن أوسع تمثيل ممكن للقوى الحزبية والسياسية والاجتماعية في البلاد..».

غالبية أحزاب «الموالاة» رفضت مشروع القرار، بينما التزم الباقون الصمت!.. حزب الوسط (الموالي) كان قد أعلن في تصريح صحفي مقاطعته اللقاءات مع الحكومة  احتجاجاً على قانون الانتخابات النيابية، الذي «رأى فيه التخبط والحيرة، فعلى الرغم من قيام الحكومة بعقد لقاء في رئاسة الوزراء مع الأمناء العامين للأحزاب السياسية، وكان هنالك شبه إجماع من هذه الأحزاب على نمط معين للانتخابات فإن ما خرجت به الحكومة مناقض تماماً لتوجه الأحزاب ورؤيتها، كما أن تمسك دولة الرئيس برأيه المسبق دفع إلى خلاف داخل مجلس الوزراء أدى إلى أن يقدم وزير العدل استقالته احتجاجاً على ذلك».

النخبة تنتقد

كتب الإعلامي البارز فهد الخيطان، والمقرب من الأوساط السياسية في النظام، مقالة بعنوان «قائمة مغلقة في وجه الإصلاح»، قال فيها: «إن الحكومة اختارت نظاماً غير مسبوق للقوائم، أقرب ما يكون إلى نظام «الكوتة» المتبع في تمثيل النساء»، وأضاف «إن إشكالية الصيغة لا تقف عند هذا الحد؛ فقد خضعت لنفس الهواجس، التي وقفت وراء اعتماد الصوت الواحد قبل ١٩عاماً، وهي الخوف من سيطرة الإسلاميين على البرلمان، ولهذا أقرت نظاماً للقائمة لا يسمح للحزب بالترشح لأكثر من خمسة مقاعد من بين ١٥ مقعداً خصصت للقائمة المغلقة، نظام مشوه للقوائم، لم يرض الأحراب، ولا الطامحين إلى إصلاح الحياة البرلمانية». وعلى صعيد متصل فقد دعا التحالف المدني للإصلاح الانتخابي المكون من ٤٥ مؤسسة مجتمع مدني إلى رد مشروع قانون الانتخابات النيابية المعد من قبل الحكومة، وساق التحالف في مؤتمر صحفي عقده وعلى لسان رئيسة الاتحاد النسائي العين آمنة الزعبي الأسباب التي جعلت من مشروع القانون غير ملبٍّ للتطلعات الإصلاحية، ويفتقر للحد الأدنى من مقومات الرضا لدى القاعدة الشعبية في الأردن.

فرصة أخيرة!

كما أجمع الرأي العام الأردني على رفض مشروع قانون الانتخابات المقدم إلى مجلس النواب، أجمع الجميع على أن الحل هو بيد رئيس الحكومة، وأن المبادرة بيده «لإنقاذ» الأردن، وأن ردود الفعل الحالية الغاضبة تعطيه مبرراً قوياً لسحب مشروع قانون الانتخاب من مجلس النواب، وتقديم صيغة أخرى، بعد إجراء مفاوضات معمقة وبناءة مع ممثلين لقوى سياسية واجتماعية؛ الإخوان وجبهة الإصلاح وممثلين عن اليسار والحراك والنقابات المهنية، على اختيار إحدى الصيغ الثلاث المطروحة: لجنة الحوار الوطني؛ مركز الدراسات الإستراتيجية: ٨٩ + قائمة نسبية مغلقة على مستوى الوطن؛ مشروع حكومة البخيت (٨٩ - ٣ أصوات+ قائمة نسبية مغلقة على مستوى الوطن)، وأن يخرج من هذا الاجتماع باتفاقهم على صيغة توافقية، بإمكان الرئيس سحب القانون الذي ورطه في صدام مع القوى السياسية، إذا أراد الرئيس استعادة المبادرة والحفاظ على سمعته ومصداقيته، وإخراج الأردن من المأزق الذي من الممكن أن يعيشه.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل