; قاموس التطبيع.. قاموس العار | مجلة المجتمع

العنوان قاموس التطبيع.. قاموس العار

الكاتب فاروق عبدالسلام

تاريخ النشر الثلاثاء 14-مايو-1985

مشاهدات 73

نشر في العدد 717

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 14-مايو-1985

يلجأ الناس للقواميس عادة للكشف عن بعض المصطلحات الغامضة ومعرفة معاني بعض الكلمات المبهمة التي يجهلونها أو اختلفوا عليها أو التبس عليهم فهمها.

 واليوم تشهد المنطقة بعض المصطلحات الشاذة والكلمات الغريبة التي تستعصي على الفهم ولا يوجد لها مكان في قواميس الناس العادية.

 ومن هذه الكلمات على سبيل المثال كلمة «التطبيع» ومن هذه المصطلحات على سبيل المثال قولهم - الأرض مقابل السلام-؟! ولا يوجد اليوم في المنطقة من المحيط إلى الخليج مسلم واحد يستطيع أن يشرح لابنه المراد من وراء قولهم -الأرض مقابل السلام - ولا تعلو صفحة وجهه حمرة الخجل!!

 ولا يوجد اليوم في المنطقة كلها من المحيط إلى الخليج معلم واحد يخشى الله في دينه وفي مهنته يجد في نفسه الشجاعة أو القدرة على شرح كلمة -التطبيع- لتلاميذه ولا يموت كمدًا أو يفقد أعصابه غمًا أو يتصبب جبينه عرقًا.. وذلك أضعف الإيمان!!

ومن حسن حظ الآباء والمعلمين في هذه الأيام أن الأبناء والتلاميذ لا يسألون أو يبحثون في مثل هذه الأمور فهم ثمرة الكبت السياسي والديكتاتورية العسكرية والجهل الشمولي على مدى ثلاثة عقود من الزمان!! ومادة التربية القومية لا وجود لها الآن، وإن وجدت فهي كمادة الدين لا تقدم ولا تؤخر في النجاح والسقوط وشغلهم الشاغل اليوم أحدث ما يعرضه «الفيديو» وآخر أنباء دوري كرة القدم!!

ولكن التاريخ لا يرحم ومسئولية الآباء والمعلمين مسئولية دينية قبل أن تكون مسئولية وطنية أو قومية فقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته».

التطبيع وغزو المشاعر

و«التطبيع» في القاموس الجديد معناه أن تكون طبيعيًا وأن تكون علاقاتك ومشاعرك عادية وطبيعية تجاه الغزاة الجدد... فلا تعتبرهم بعد اليوم من الأعداء وإنما تعاملهم معاملة الأصدقاء!! وتعطيهم من الود وحسن المعاشرة والجوار ما تعطي أبناء العم!! وأن تشطب من ذاكرتك كل ما علق بها من قواميس الجغرافيا والتاريخ التقليدية عن الخريطة العربية والتاريخ الإسلامي بخصوص حيفا ويافا وعكا والجليل، والناصرة، واللد، والرملة؟!

وأن تنسى تمامًا ما وقع في بداية المصيبة في «دير ياسين» و«كفر قاسم». وتنسى أيضًا ما وقع مؤخرًا في «عين الحلوة» و«صبرا وشاتيلا»!!

.. وأن تسلم وتقتنع بأن ما أخذه العدو قبل ٦٧ من حقه؟!

 .. وأن الخلاف يبدأ فقط من ٦٧ والمشكلة والقضية تدور فقط حول ما أخذه الأعداء منا بعد ٦٧؟!

ومن التطبيع أن تترفق بالأعداء وأنت تعبر لهم عن احتجاجك على إعلانهم القدس عاصمة أبدية لإسرائيل. وأن تؤمن بالتدويل كحل وسط وبديل لقضية القدس!!

من اختصاص «التحليل النفسي»

وأن تؤمن بأن المشكلة ككل ومن أساسها من اختصاص مدرسة «التحليل النفسي» وخصومنا لهم باع طويل في هذا المجال.. ويكفي أنهم أنجبوا للبشرية «فرويد» وأقل ما نكافئهم به على ذلك أن نسلم معهم بأنه لا توجد هناك بيننا وبينهم مشكلة.. وإنما مجرد «حاجز نفسي»!! لا يحتمل المزيد من الحواجز الشائكة التي يقيمها العقيد زيدان!! وإنما تحتاج فقط لمزيد من اللقاءات في المعارض والمؤتمرات كما يرى الأساتذة شعلان ورمضان!!

ومن التطبيع غض الطرف حاليًا عما ورد من نصوص في كتاب الله وسنة رسوله عن يهود وقتلهم الأنبياء وتحريفهم لكلام الله وعن حتمية قتالنا لهم ودخولنا المسجد قبل قيام الساعة!! فمن أهم شعارات زمان التطبيع شعار -لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين- وتحريم قيام الأحزاب على أساس الدين على أن يكون ذلك من طرف واحد!! أي من جانبنا فقط؟!!

الأرض مقابل السلام

أما -الأرض مقابل السلام - فمعناها أن يضع عدوك يده على «جزء» من أرضك ثم يمنحك السلام ويكف عن ضربك إذا اعترفت له بملكيته للأرض التي وضع يده عليها.. أو أن يضع يده على كل أرضك ولا يتنازل لك عن جزء منها تقيم عليه دولتك إلا إذا منحته السلام من جانبك واعترفت له بما وضع يده عليه؟!

والأرض هنا من جانب الأعداء مطلقة بغير تحديد والحد الأدنى المعلن من جانبهم حتى الآن من النيل إلى الفرات.. وإذا نجحوا اليوم في مقولة الأرض مقابل السلام بالنسبة لما أخذوه في ٦٧.. فما عليهم بعد ذلك لتحقيق أهدافهم إلا تكرار الاعتداء على الواسع، وتكرار رفع -شعار الأرض مقابل السلام!! أي عليهم بعد ذلك في المرة القادمة العبور شرق القنال وتهديد أرض الدلتا والقاهرة لا قدر الله لكي يحصلوا على سيناء بالكامل بموجب شعار -الأرض مقابل السلام-؟!!

وهو شعار شاذ واصطلاح جديد للقرصنة في ثوب جديد تطرح فيه «الأرض» لأول مرة للمزاد وتباع وتشترى بثمن عجيب... وهو أن يسالمك أعداؤك ويكفوا عن ضربك إذا تنازلت لهم عن أرضك!!

لا دين في السياسة

وهكذا في غفلة من الزمان وفي عصر من عصور الهزيمة والهوان وبفعل يهود وبتخطيط خبيث تختفي من قواميس اللغة اصطلاحات: الدخيل والغاصب والاحتلال والاستعمار والمقاومة الشعبية والكفاح المسلح وحرب العصابات والاستقلال التام أو الموت الزؤام ولا مفاوضة إلا بعد الجلاء. وذلك لتحل محلها اصطلاحات: التطبيع والأرض مقابل السلام والحاجز النفسي وآخر الحروب ولا دين في السياسة ولا سياسة في الدين.. وكلها اصطلاحات مكانها الطبيعي في قاموس يطلق عليه اسم «قاموس العار»!! يتأملها الحر بإمعان فيقسم بالله غير حانث في يمينه بأن باطن الأرض خير للحر اليوم من ظاهرها!! ورحم الله الشاعر العربي يوم قال:

یا موت زر إن الحياة مريرة *** يا نفس جدي إن دهرك هازل

  • الدكتور فاروق عبد السلام كاتب إسلامي من مصر له عدة مؤلفات منها: «وا شريعتاه – فقه الحركة في الميزان بين سيد قطب والمودودي -الإسلام والأحزاب السياسية». يعتبر من الكتاب الإسلاميين المتابعين للقضايا السياسية. له مقال أسبوعي في صحيفة الأحرار المصرية يناقش فيه الكاتب القضايا السياسية من منظورها الإسلامي.
الرابط المختصر :