; قال رسول الله : لا تحل الصدقة لفتى ولا لذي مرة سوي | مجلة المجتمع

العنوان قال رسول الله : لا تحل الصدقة لفتى ولا لذي مرة سوي

الكاتب حسين شحاته

تاريخ النشر السبت 05-سبتمبر-2009

مشاهدات 79

نشر في العدد 1868

نشر في الصفحة 44

السبت 05-سبتمبر-2009

(*) أستاذ الاقتصاد الإسلامي

هل يجوز إعطاء الزكاة والصدقة إلى متسوّل محترف؟

تبرز ظاهرة «التسول» في المناسبات الدينية بصفة عامة، وفي شهر رمضان بصفة خاصة.. وقد أصبح التسول مهنة يتفنن ويبدع المتسولون لها من السبل والأساليب والأدوات ما يمكنهم من ابتزاز أموال الناس تحت شعارات الإنسانية، والرحمة، فنجدهم في الطرقات والشوارع وأمام المساجد والجنائز، وفي كل مكان يرون أن فيه احتمالًا لاستجابة الناس لتسولهم يقفون فيه، ويمدون أيديهم للناس؛ أعطوهم أو منعوهم.

حكم فقهي:

ما يجمعه المتسوّل المحترف يعد سحتًا لأنه يأخذ أموال الناس وهو قادر على العمل.

الفقير المستحق للزكاة والصدقات هو من يملك أقل من حد الكفاية.. ومعيار أقل قد يبدأ من لا شيء.

من لا يستطيع التمييز بين الفقير والمتسوّل المحترف يمكنه مراجعة الجمعيات الخيرية وصناديق الزكاة بالمساجد.

وتُثار في هذا المقام مجموعة من التساؤلات تحتاج إلى البيان والإعلام لحماية كرامة الإنسان وعزته التي حباه الله بها في كتابه العزيز حيث قال: ﴿وَلَقَد كَرَّمنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلنَٰهُم فِي ٱلبَرِّ وَٱلبَحرِ وَرَزَقنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلنَٰهُم عَلَىٰ كَثِير مِّمَّن خَلَقنَا تَفضِيلا 

(الإسراء: 70), من هذه التساؤلات ما يلي:

هل تدخل مهنة التسوّل في نطاق قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنۡهَرۡ (الضحى: 10).

  • ما نظرة الإسلام إلى التسوّل كمهنة؟ 
  • ما حكم من يعطون المتسولين الممتهنين زكاة أموالهم أو صدقاتهم؟ 
  • أتجوز الزكاة والصدقة التي تُعطى لمتسوّل محترف أم يُعاد إخراجها؟
  • ما الشروط الواجبة في الفقير والمسكين الذي يُعطى الزكاة والصدقات؟ 
  • ما مسؤولية ولي الأمر تجاه المتسولين المحترفين؟

وسوف نعرض في السطور التالية الخطوط الرئيسة للإجابة على هذه التساؤلات:

المتسوّل لا يُعد من السائلين

يرى الفقهاء أن ما يجمعه المتسوّل المحترف من مال يُعَدَّ سُحتًا؛ حيث إنه يفضل التسوّل على العمل، كما يفضل أن يعيش عالة على الناس ولا يفضل الكد والتعب، فهو يؤثر الراحة ودنو الهمة عن الضرب في الأرض ابتغاء الرزق الحلال الطيب، ويفضل إراقة ماء وجهه أمام الناس أعطوه أو منعوه على أن تكون يده هي العليا، ويفضل أن يدعي الفقر والمرض والعمى على أن يشكر الله على العافية.. ولذلك عندما يمتنع المسلم عن إعطاء هذا المتسوّل المحترف الزكاة أو الصدقة فهو ليس بناهر للسائل. 

الإسلام ينهى عن التسول 

ويرى الفقهاء أنه ليس من الدين أن يركن قوم إلى الكسل مؤثرين الراحة على العمل، وينتظرون الرزق من الله، فيمدون أيديهم بالسؤال وإراقة ماء الوجه أمام فلان وفلان، ويدعون العلة ولا علة بهم، ويفرون من العمل حتى إن فتحت أمامهم السبل، ولقد حرّم الإسلام هذه الوسيلة الدنيئة التي تتنافى وما ينبغي أن يتحلى به المسلم من عزة وكرامة وشرف وعلو همة ناعيا على هؤلاء المحترفين سوء عملهم، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجهه مزعة لحم (رواه البخاري ومسلم)، ويقول: «لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه», (البخاري). 

لا يجوز إعطاء الزكاة لمتسول محترف: أجمع فقهاء وعلماء الأمة على أنه لا يجوز إعطاء الزكاة للقوي القادر على العمل، ودليل ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحل الصدقة لفتي ولا لذي مرّة سوي» (رواه أحمد وأبو داود، ويجب على المزكي والمتصدق أن يبذل وسعه ويضع الزكاة والصدقة في يد مستحقيها، ويحذر من هؤلاء المتسولين المحترفين، ويبحث عن الذين لا يسألون الناس إلحافًا، والذين ورد فيهم قول الله تبارك وتعالى: ﴿لِلفُقَرَاءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَستَطِيعُونَ ضَربا فِي ٱلأَرضِ يَحسَبُهُمُ ٱلجَاهِلُ أَغنِيَاءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعرِفُهُم بِسِيمَٰهُم لَا يَسـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلحَافا وَمَا تُنفِقُواْ مِن خَير فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ ﴾ (البقرة: 273) .

وقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب منه الصدقة، فوجده قويًا قادرًا على العمل، فرفض إعطاءه، وقال له: «ما عندك؟ قال الرجل: جلس ،وقعب فباعهما الرسول صلى الله عليه وسلم بدرهمين، وقال للرجل: اشتر بهذا الدرهم طعامًا لأهلك، واشتر بالآخر قدومًا، واذهب فاحتطب ولا تريني وجهك خمسة عشر يوما، فذهب الرجل واحتطب وجاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقد ادخر عشرة دراهم، فقال له الرسول : هذا خير من أن تأتي المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة (رواه البخاري). 

من هو الفقير المستحق للزكاة والصدقات ؟

لقد خلص جمهور الفقهاء إلى أن الفقير المستحق للزكاة والصدقات هو الذي يملك أقل من حد الكفاية، وقد يُطلق عليه فقير أو مسكين, ومعيار أقل هنا يمكن أن يبدأ من لا شيء إلى ما هو أقل من حدود الكفاية بقليل من «صفر إلى حدود الكفاية».

ويُقصد بالكفاية مقدار الأموال اللازمة لتوفير الحاجات الأصلية الضرورية لحياة الإنسان مثل المأكل والمشرب والملبس والمأوى والعلاج والتعليم، وكذلك الأدوات والأشياء اللازمة لمباشرة عمل شريف وذلك للكسب والإنفاق منه على الأشياء اللازمة الضرورية، ولقد رأى معظم الفقهاء أن من يملك دون النصاب يدخل في نطاق الفقراء والمساكين.

ولا يدخل في نطاق الفقراء والمساكين

  • القوي الذي يستطيع أن يكسب، ولكنه خامل مهمل حتى ولو كان متعبدًا.
  • الغني الذي يملك الحاجات الأصلية الضرورية لحياته وحياة من يعول، بالإضافة إلى أموال أخرى تزيد على النصاب المتفق عليه.

والأولى أن نعطي الزكاة والصدقات للفقراء والمساكين من ذوي القربى ومن الجيران ومن اليتامى والأرامل ومن أسر المجاهدين في سبيل الله، وأسر المهجرين بسبب الحروب والمصائب، وقد أشار الله سبحانه وتعالى إليهم في قوله:  ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ  (التوبة: 60) وقوله:﴿ لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ  (البقرة: 177). 

حكم من أعطى الزكاة خطأ لمتسول محترف

الزكاة فريضة ويجب على المسلم أن يأخذ بالأسباب ويضعها في مصارفها الشرعية وأن يستعين بأهل الصلاح والبر ممن يعرفون بيقين مستحقي الزكاة إذا كان لا يعرف وإذا حدث أن أعطى المسلم بعضًا من الزكاة إلى فقير ثم تبين أنه متسول محترف أو غني أو قادر على العمل، فهل يُخرجها مرة أخرى؟

هناك رأيان:

أولهما: أن يُخرجها مرة ثانية إلى مستحقيها؛ لأنه إن لم يفعل يكون قد أضاع حقا عليهم وهو أيسر حالا من الفقراء. 

وثانيهما : ألا يخرجها مرة ثانية؛ لأنه قد أخذ بالأسباب وأخطأ.

ونحن نميل إلى الرأي الأول، لأن حال الفقراء المستحقين للزكاة أكثر حاجة وعوزا من المزكي، الذي يبقى له من ماله ما نسبته سبعة وتسعون ونصف في المائة.

وفي هذا السياق، نوصي أهل الصلاح والبر من المزكين والمتصدّقين الذين لا يستطيعون التمييز بين المتسول المحترف والفقير الذي يسأل الناس أن يستعين بالجمعيات الخيرية والاجتماعية وبصناديق الزكاة بالمساجد؛ حيث لديهم سجلات بمستحقي الزكاة أعدت في ضوء الدراسات الاجتماعية.

دور الحكومة

يجب على السلطات المختصة عمل حملات في الشوارع والطرقات وأمام المساجد لجمع هؤلاء المتسولين المحترفين ودراسة حالاتهم الاجتماعية بعد التحري ثم إيجاد فرص عمل للقادرين منهم، ووضع غير القادرين في الأماكن المناسبة لهم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل