; قالوا في رمضان | مجلة المجتمع

العنوان قالوا في رمضان

الكاتب جمال المطير

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أغسطس-1977

مشاهدات 65

نشر في العدد 363

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 16-أغسطس-1977

طلعة الهلال..

 ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة: 185)، مرحبًا بطلعة الوليد وبشير الخير العميم هلال رمضان، ومشرق أنوار القرآن وشذا نفحات الجنان، وراح الأرواح بالصلاة والصيام والقيام، فاللهم أهله علينا بالأمن واليمن والطمأنينة والسلام، هلال خير ورشد وصدق رسول الله: «إذا أقبل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين، ونادى منادٍ من قبل الحق -تبارك وتعالى-: يا باغي الشر أقصر، ويا باغي الخير هلم».

 لقد بني الإسلام على شرائع وعبادات وفرائض وواجبات، كان من جميل صنع الله لعباده فيها، أن أقامها على دعائم من الخير وقواعد من البر تفيدهم في الدنيا، وتنفعهم في العقبى، وتسعدهم في الآخرة والأولى، فالقاعدة الأساسية في العبادة المتقبلة الكاملة، النية الصالحة الفاضلة والإخلاص فيها لرب العالمين، فما لم يكن الدافع الأول إلى العبادة قلبيًا، تشترك فيه خلجات الوجدان مع حركات الأبدان، وتحضر فيه القلوب وتطهر به الأرواح والنفوس، فلا وزن لها ولا مثوبة عليها، وكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش.

 فيا أيها الأمة المسلمة! قد أظلك شهر الصيام وفيه ركن من أركان الإسلام، وإن عليك فيه لواجبات وله منك حقوق.

 أولها: أن تهيأ النفوس لاستقباله بالتوبة الصادقة النصوح، والتطهر الشامل الكامل. 

 ثانيها: الحرص على صومه حسيًا ومعنويًا وكف الجوارح والآثام والمنكرات، وصدق التوجه ودوام التأمل، وكثرة التذكر والتفكر في ملكوت الأرض والسموات.

 ثالثها: الإكثار من الطاعات فيه وبخاصة البر والإحسان وتلاوة القرآن، فإن الله يضاعف فيه مثوبة المتصدقين، ويرفع فيه درجات التالين المتدربين، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود ما يكون في رمضان حين يعارضه جبريل -عليه السلام- بالقرآن، فلرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود بالخير من الريح المرسلة.

 ورابعها: المحافظة على التراويح والقيام ومناجاة الملك العلام، فمن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه، وكم لهذه الصلاة في قلوب الخاشعين فيها والمعنيين بها من مشارق لامعة وأنوار ساطعة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (المؤمنون: 1- 2).

والله أكبر ولله الحمد.

الصوم تسليم لله وكمال للعبودية لوجهه

 وفي الصوم قبل ذلك وبعده تمام التسليم لله، وكمال العبودية لرب الناس ملك الناس إله الناس، وهذه الحكمة هي القدر المشترك في كل عبادة، والهدف الأسمى من كل فريضة، ولن تكون العبادة عبادة ولا العبد عبدًا إلا بها، يقول رب العباد: أمرت ونهيت، ويقول العباد: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير.

وما أظهر هذا التسليم والعبودية في الصوم خاصة، فالصائم يجوع ويعطش وأسباب الغذاء والري أمامه ميسرة، لولا حب الله والرغبة وإيثار ما عنده، ولهذا نسب الله الصيام إلى حضرته، وتولى جزاء الصائمين بنفسه فقال: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه من أجلي ويدع شرابه من أجلي، ويدع لذته من أجلي، ويدع زوجته من أجلي»، ذلكم هو الصوم في الإسلام لم يشرعه الله تعذيبًا للبشر ولا انتقامًا، وإنما شرعه إيقاظًا للروح وتصحيحًا وتعريفًا بالنعمة، وتربية لمشاعر الرحمة وتدريبًا على كمال التسليم لله.

د. يوسف القرضاوي، العبادة في الإسلام

الصوم رديف الجهاد ونتاج التقوى

 ولقد كان من الطبيعي أن يفرض الصوم على الأمة التي يفرض عليها الجهاد في سبيل الله، لتقرير منهجه في الأرض، وللقوامة به على البشرية والشهادة على الناس، فالصوم هو مجال تقرير الإرادة العازمة الجازمة، ومجال اتصال الإنسان بربه اتصال طاعة وانقياد، كما أنه مجال الاستعلاء على ضرورات الجسد كلها، واحتمال ضغطها وثقلها إيثارًا لما عند الله من الرضا والمتاع، وهذه كلها عناصر لازمة في إعداد النفوس لاحتمال مشقات الطريق المفروش بالعقبات والأشواك، والذي تتناثر على جوانبه الرغاب والشهوات، والذي تهتف بسالكيه آلاف المغريات.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)... وهكذا تبرز الغاية الكبرى من الصوم.. إنها التقوى، فالتقوى هي التي تستيقظ في القلوب وهي تؤدي هذه الفريضة، طاعةً لله، وإيثارًا لرضاه، والتقوى هي التي تحرس هذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية، ولو تلك التي تهجس في البال، والمخاطبون بهذا القرآن يعلمون مقام التقوى عند الله ووزنها في ميزانه، فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم، وهذا الصوم أداة من أدواتها وطريق موصل إليها.. ومن ثم يرفعها السياق أمام عيونهم هدفًا وضيئًا يتجهون إليه عن طريق الصيام ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).

الصوم.. رجولة مستعلنة وإرادة مستعلية

 الصوم وسيلة لتربية إرادة الأمة تربية حازمة، فما الصائم إلا رجل يمارس في نفسه التغلب على اللذة المباحة، حتى يستطيع التغلب على اللذة الآثمة ويتعهد نفسه بالامتناع عن المأكل والمشرب مختارًا، حتى يستطيع الصبر على الجوع والعطش حين يضطر إلى ذلك اضطرارًا.

 ورمضان شهر الرجولة المستعلنة التي تكبح جماح غرائزها، وشهر الإرادة المستعلية التي تأخذ باختيار وتدع باختيار، فما أجمل أن يشمل رمضان الشعب بأسره حتى لا يبقى فيه شاب انهزمت رجولته، وحتى لا يبقى وإن ضعفت إرادته عن تحقيق فكرته، ما أجمل أن يشمل رمضان الناس جميعًا، إذا كان الصوم فيه رجولة مستعلنة وإرادة مستعلية.

 إذا كان رمضان سموًا ورجولة وتربية للإرادة، وهو في الواقع نفحة من نفحات الصحراء العربية ولونًا من ألوان المعيشة فيها، ألا يكون الذين يفطرون في رمضان من أبناء المسلمين قد أعلنوا إخلادهم للشهوة، وانعتاقهم من الرجولة وانهزامهم في ميادين الإرادة؟ ألا يحق لنا أن ندعو هؤلاء الكبار المفطرين بالأطفال الكبار؟ وندعو الصغار الصائمين بالكبار الأطفال؟

 يا أبنائي الصغار ويا إخواني الشباب الذين تحملتم ضراوة الجوع وحر الصيف وشدة العطش، فصمتم مع آبائكم وأمهاتكم إعلانًا لرجولتكم وتثبيتًا لإرادتكم، هنيئًا لكم يا أطفالنا الصائمين بالرجولة المبكرة والإرادة المنتصرة، ولأنتم والله رجال الغد ينتصر الوطن على أيديكم، حين يخسر قضيته على أيدي أولئك الذين انهزموا في أنفسهم، قبل أن ينهزموا في ميادين الكفاح والنضال.

د. مصطفى السباعي، أحكام الصيام وفلسفته

الرابط المختصر :