; في معنى الثورة الثقافية والمعيار والأسلوب | مجلة المجتمع

العنوان في معنى الثورة الثقافية والمعيار والأسلوب

الكاتب المحرر الثقافي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مايو-1973

مشاهدات 20

نشر في العدد 149

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 08-مايو-1973


في البدء كانت الكلمة.. وفي الوسط.. أيضًا -كلمة للكلمة.. وفي نهاية كتاب الكون.. سوف تكون ثمة كلمة..

والذين يتحدثون عن «ثورة ثقافية» في هذه الأيام، لا بد أن يكون لديهم «أيديولوجية» محددة.. لكي.. تستخدم الثورة الثقافية في عمل محدد.. تحققه.

وفي العالم العربي الآن يستطيع أي مثقف أو نصف مثقف محايد أن يدرك أنه لا يوجد في أذهان الذين يملكون رفع الشعارات.. وإنهاكها.. لا توجد أيديولوجية محددة لديهم. بل إنهم يرفعون لأنفسهم.. مزيجًا من المفاهيم والأيديولوجيات المبعثرة المتناقضة، ولا يضير أن يزجوا ببعض المفاهيم الرفيعة، تمويهًا.. وخداعًا، اجتلابًا لبعض العناصر الساذجة..

الثورة الثقافية تعني -في البداية- أن تكون هناك ثورة، والثورة الحقيقية تعني -في البداية- أن تكون هناك «أيديولوجية».. هذه بديهية في الفكر، لا بد من التسليم بها قبل أن ترتفع الشعارات المدوية، وبدل استيراد المصطلحات ووضعها في غير موضعها، وقبل التسليم بهذه البديهية التي كررنا ذكرها في صدر مقالنا لأهميتها.. قبل التسليم بها، يبدو الحديث غير ذي مضمون أو جدوى.

بيد أن «الأيديولوجية» التي نلح على أهميتها هنا، ليست هي المصطلح السياسي المتداول والذي يستخدم بإسراف في المجالات الجدلية والدولية، وإنما الأيديولوجية التي نعنيها «عقيدة» تصلح لصياغة الحياة وإعطاء جزئياتها وكلياتها التفسير المعقول، وتستطيع أن تلعب الدور الملائم لقيادة الجماهير وإحداث حركة تغيير جذرية في المجتمع.. منطلقة في ذلك من أقرب الحلول الملائمة لطبيعة هذا المجتمع، وطبيعة مرحلة تطوره.

لقد حدثت انتكاسات كبرى في الثورات المفاجئة الانفعالية التي لم ترتكز على أيديولوجية، ولم تسر في خطواتها وفق معالم هذه الأيديولوجية، ولا ندري كيف عادت الثورة الفرنسية المفكرين الأيديولوجيين الذين كانوا الطليعة الممهدة لقيامها، بل كيف كان نابليون لا يخفي احتقاره الشديد لطبقة المفكرين، ويرى فيهم مجرد خياليين بعيدين عن الواقع.. هذا مع أن نابليون نفسه كان يوهم الناس -في البدء- بأنه من موقع أيديولوجي، وما يقال عن اضطهاد الثورة الفرنسية للمفكرين، يقال عن ثورة أكتوبر الشيوعية (1917م).

وعلى هذا الدرب سارت معظم الحركات الثورية والانقلابية، ففقدت سريعًا دورها الحضاري، ولم تترك لها بصمات حقيقية على جدار التاريخ..

فالأيديولوجية بالمفهوم الذي ذكرناه هي الشرط الأساسي لقيام ثورة ثقافية!

والثقافة في لغتنا العربية تعني التقويم والإصلاح والتهذيب، والثقافة عند أسلافنا آلة تثقف بها الرماح -أي تقوّم بها- وتقويم الشيء.. أو تهذيبه، يعني أن هنالك شيئًا.. أي إنه لا يعني الخلق من العدم.. ولا يعني الإيجاد الكلي، كما أنه لا يعني أيضًا وأد ذلك الشيء الموجود وتدميره باسم الثورة.. بل يعني إصلاح هذا الشيء واستخلاص العناصر الصالحة منه.. ليقف على قدميه على أفضل نحو ممكن.

فالثورة الثقافية.. في الفهم العربي والذهنية الإسلامية تعني إصلاح ما هو موجود لا تدميره، وعلى هذا الأساس حفل التاريخ الإسلامي بمصلحين حقيقيين ثاروا على أوضاع مفتعلة متكلفة.. من أجل العودة إلى أصول الحضارة الإسلامية، وتثقيف العقول الإسلامية من انحرافها عن الحضارات الوافدة الوثنية.. ولعل الخليفة الراشدي الخامس عمر بن عبدالعزيز.. كان أول خليفة إسلامي قاد هذا الإصلاح -في داخل النظام الأموي نفسه- وعلى مسرح الدولة الإسلامية نفسها، وبقيادة الجهاز القوي في الخلافة، وهو جهاز الحكم.. وكان منهج تغييره -رضي الله عنه- نابعًا من الإسلام نفسه، وهادفًا إلى العودة إلى الإسلام في منبعيه الصافيين: القرآن الكريم والسنة الشريفة.

وعبر سنتين فقط، وهما العمر السياسي للخليفة الراشدي عمر بن عبد العزيز «99-101 هـ» أمكن القضاء على المظالم، وتقليم أظافر العناصر المتسلقة، وتنحية الولاة الظالمين، ودخول الناس في دين الله أفواجًا بعد أن رفعت الضرائب الفاسدة التي فرضها «ولاة السوء» عليهم، وتحرروا من كل وسائل الضغط المادي والمعنوي.

لقد نجح عمر بن عبدالعزيز -القائد والخليفة- لأنه عرف الطريق الصحيح للتعبئة الثقافية -لأنه انطلق من القرآن والسنة، وأعاد الناس إلى روح المنهج الذي تشربوه وآمنوا به وأصبحت فطرتهم تستعذب الموت في سبيله..

وإن الانطلاق من الأيديولوجية التي تنسجم مع فطرة الناس ويستعذبون الموت في سبيلها، هو الطريق الصحيح، وهو أحد الشروط المهمة في عملية إحداث ثورة ثقافية حقيقية.

ورحم الله الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز!

ولئن كانت كلمة «ثورة» قد ارتبطت في التاريخ بالعنف والدموية والإرهاب.. فإن هذه الكلمة حين ترتبط «بالثقافة» تحتاج إلى بعض التعقل والأناة. فمجال الانطلاقة الثقافية الأول هو «العقل».. هو «الإرادة الواعية» التي تستلهم التاريخ أبصر الطرق بالتغيير.. وما دام في غير مقدور الطاقة البشرية فرض الفكر على العقل، بل فرض أي شيء آخر فكرًا كان أو غير ذلك، وما دام في غير مقدورها كذلك أن تفرض «الإرادة» على الكائن البشري.. ما دام هذان الفرضان مستحيلين، وما دام العقل والإرادة لا يمكن تحريكهما إلا بانبعاث ذاتي، كي يسيرا في اتجاه التاريخ، وكي يتحركا عبر نموهما الطبيعي إلى مجال التغيير والإعطاء الحضاري.. ما دام هذا.. فلا بد من بناء الفرد.. ولا بد من تغيير نفسيته وعقليته من الداخل، ولن يتحقق بناء الفرد ولا تغيير عقليته ونفسيته من الداخل بطريق الدموية والعنف.. فطريقة التعامل مع النفوس والإنسان من داخله.. تختلف تمامًا عن هذه الطرق العفوية الدموية، وبالتالي فعلى المتصدرين للثورة الثقافية المنطلقين من أيديولوجية محددة واضحة.. أن يكون لديهم القدرة على إقناع الجماهير.. لا سوق الجماهير.. وعلى إطلاق الثورة الثقافية من داخل الجماهير.. لا فرض هذه الثورة على الجماهير.. وإحداث الدموية من أجل تقبلهم الجبري لها.

وهذا -كذلك- شرط أساسي في عملية التغيير الفكري -أو ما يسمى بالثورة الثقافية!

والثورة في المصطلح الرعوي: هدم وبناء، لكنها في المصطلح الحضاري: إصلاح وبناء.. والهدم يترك للسنن الثابتة.. «فأما الزبد فيذهب جفاء».. أما الهدم.. كجناح مشتعل للثورة.. فهو قتل لنصف الثورة.. وعنده كثيرًا ما تقف الثورات.. إنها تمتص طاقتها قبل أن تنتقل إلى مرحلة البناء، ولقد هدمت معظم الثورات.. ثم لم تبنِ شيئًا.. وإلى أن وصلت إلى مرحلة البناء كانت قد أجهضت، وأسقطتها الجماهير من وعيها التاريخي، ولفظتها فطرتها البشرية العاقلة الهادئة الإصلاحية..

وعندما قامت الدعوة الإسلامية، لم تشغل نفسها كثيرًا بهدم الوضعيات الجاهلية المتناثرة، بقدر ما شغلت نفسها بالدعوة إلى إقامة البناء الجديد، ولما صعب عليها إقامته كما تريد في مكة هاجرت الدعوة إلى الحبشة وإلى المدينة.. كي تقيم البناء بعيدًا عن الابتزاز في مرحلة الهدم.. فلما التقى الإسلام والكفر في بدر.. كانت هناك نفوس شابة فتية قوية البناء.. تنطلق الحضارة من داخلها.. وتسير الأيديولوجية في سلوكها.. ويشع من سيفها نور بعث جديد.. لم يلبث بسيره التلقائي غير الارتجالي وغير العفوي وغير الفجائي.. أن صنع حضارة لن تفنى إلا مع فناء الكون -بإذن الله -مهما تتقلب عليها القوى المضادة المزيفة.

إن طريق «الثورة الثقافية» هو هذا الطريق.. إنه ليس طريق التخريب والإحراق والتمزيق.. فمن شأن هذا الفعل العنيف أن يحدث رد فعل أعنف، لن يكون من مصلحة زعمائه وقادته.. بل إن هذا الفعل الهمجي سوف يكون رصيدًا جديدًا يضاف إلى الفكر المزيف الذي نجحت وسائل أعدائه في أن تصنع منه -باضطهادها له- فكرًا جماهيريًا، وأن تعطيه وجودًا ما كان في الإمكان أن يتوفر له مع السير الهادئ والبناء الجاد ومع ترك الأبنية المتداعية تسقط بفعل الرقي الثقافي الحقيقي البناء المنطلق من عقيدة الجماهير والمتجاوب مع فطرتها.

﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: 199).

﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125).

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (الفرقان: 63).

﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (الشعراء: 214-216).

هذا هو التغيير الحقيقي.. إنها ليست ثورة حقد ولا انتقام.. لأنها أكبر من أن تقف عند هذه الأمراض!

هي ليست ثورة تمزيق وتدمير؛ لأنها أعلى وأرفع من أن تبدد طاقتها في هذا الجنون البدائي!

وهي ليست كلمات كثيرة منهكة.. لأنها كلمة السماء التي لا تبلى ولا تنهك، والتي يظل وجودها ممتدًا مع التاريخ؛ لأنها قائدة التاريخ، ومع الفطرة؛ لأنها أصل الفطرة.

إنها الثورة.. البناء، والثورة الحقيقية، والثورة الحضارة والتاريخ.

لأنها ثورة الكلمة!

الرابط المختصر :