; في مجلس مع الشباب | مجلة المجتمع

العنوان في مجلس مع الشباب

الكاتب محمد محمود الصواف

تاريخ النشر الجمعة 16-أبريل-1982

مشاهدات 71

نشر في العدد 565

نشر في الصفحة 26

الجمعة 16-أبريل-1982

ضمن مجلس مع نخبة صالحة من الشباب المؤمن وكانوا يقولون:

حديث الناس اليوم وقبل اليوم ما يجري على الصعيد العربي والإسلامي أحيانًا من مشاقات عنيفة، وخصومات سافرة، ومشاحنات ماكرة، تعدت حدود اللياقة والأدب والدين، وتجردت حتى من الإنسانية وأدت إلى سفك الدماء.

وفي غمرة الأحاديث المختلفة سألني أحد الجالسين ما تقول يا فلان عن هذا الوضع المزري الذي نحن فيه والذي جعلنا أضحوكة أمام العالمين، وأشمت بنا أعداءنا وخيب فينا آمال ورجاء إخواننا وأصدقائنا في كل مكان؟ أما لهذا الليل من آخر، أما لهذه المهازل من نهاية؟ قل لنا بربك رأيك فيها بصراحة تامة. 

فقلت له خذها مني صريحة واضحة لا لبس فيها ولا غموض. وسأقولها لك وأعلنها للناس لعل الله ينفعنا بما نقول وبما نبدي من آراء خالصة لوجه الله عز وجل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

أيها الأخ: إن الشقاق بين العرب سيبقى دائمًا ومستمرًا ومستعصيًا ومتفاقمًا ما لم يعودوا إلى الإسلام ويحتكموا إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويتأدبوا بآدابهما ويتخلقوا بأخلاقهما حكامًا وشعوبًا. وسيزداد بينهم التخاصم ويشتد بينهم التناحر وربما عاد عليهم بما لا تحمد عقباه، وسيجر عليهم الويل والثبور، ويصل بهم إلى الهاوية والدبور، ما داموا ينفذون المخططات الاستعمارية في مكافحة الإسلام من حيث يشعرون أو لا يشعرون، فقال السائل: وكيف تحكم عليهم بهذا الحكم القاطع والعرب هم العرب في ماضيهم المشرق وأيامهم الخالدة وتاريخهم المجيد، وصفحاتهم الناصعة البيضاء؟

فقلت له: إن قولي هذا لم يكن مجرد رأي أبديه، ولا هوى أتبعه وأعوذ بالله من شر الهوى، بل هو رأي يستند إلى الكتاب والسنة والتاريخ وحوادث الدهر وشواهد الزمان وواقع الحال؛ فقال السائل: وضح رأيك وهات أدلتك التفصيلية لتكون على بيئة من الأمر ونستيقن بما تقول إن كان هو الحق وثبت لنا بالدليل والبرهان القاطعين.

فقلت له: خذ الجواب مني مفصلًا بعض الشيء والله الهادي إلى سواء السبيل. يا أخي لقد كنا قبل الإسلام عربًا، فكنا شعوبًا وقبائل وعمائر وبطونا وأفخاذًا وفصائل، وكنا نتخاصم ونتقاتل ونتشاجن ويغزو بعضنا البعض الآخر ويستبيح بعضنا دم أخيه وعرضه وماله وتنشب بيننا الحرب الدامية الضروس. وقد تدوم مائة عام أو تزيد، والنار مشتعلة والقلوب ملتهبة والنفوس محترقة ولا رحمة ولا تواصل بل تدابر وتقاطع وتحاسد وتباغض، حتى أكل بعضهم بعضًا وتفانوا بعد أن ألهاهم التكاثر حتى زاروا المقابر. وعدوا الأموات الدوابر ليكثر عدد القبيلة ويعلنوا الفخر الكاذب والتعالي المصطنع على أعدائهم وخصومهم من إخوانهم وأبناء عمومتهم وخؤولتهم. ووأدوا البنات خشية الفقر أو خوف العار. وسودوا صفحات تاريخهم بأحلك الصفحات وأكبر السيئات. لم تجمعهم جامعة ولم تؤلف بينهم رابطة، تفصل بينهم الصحراوات وتباعد بينهم الخصومات والعداوات، حتى طمع فيهم عدوهم واستعمر أرضهم وديارهم؛ فالروم من جهة والفرس من جهة أخرى، والمناذرة في صقع والغساسنة في صقع، والروم تسير هؤلاء فيأتمرون بأمرهم وينفذون حكمهم. والفرس تحرك أولئك وتسيرهم بعصاها السحرية وتجعلهم ألبًا على إخوانهم وبني عمومتهم وتفرق بين الأخ وأخيه والوالد وبنيه وبقي الحال على هذا المنوال من التمزق والتفرق، حتى جاءنا الله بهذا الإسلام وأكرمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم فجاء الخير كله إلى العرب وفتح الله عليهم أبواب الرحمة ومنافذ المجد ومعارج الكمال ومدارج العز حتى أصبحوا خير أمة أخرجت للناس تحمل الرسالة إلى أمم الأرض وتبلغ الأمانة وتجاهد في الله حق جهاده وتدعو إلى الله على بصيرة وتخلص العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد القهار وملأوا الأرض عدلًا وإحسانًا ونورًا، وضياءً وخيرًا بعد أن كانت قد مُلئت جورًا وظلمًا وشرًا وظلامًا.

لقد كنا يا أخي قبل الإسلام عربًا - كما قلت لك وكنا شعوبا وقبائل وعمائر وبطونا وأفخاذًا وفصائل فلما جاءنا الإسلام أصبحنا بفضله أمة كاملة تحمل معها مقومات البقاء وعناصر الخير والحياة وكنا خير أمة وأصدق أمة وأرحم أمة وأشجع أمة، وأكمل أمة، وأوصل أمة وأسعد أمة وأمثل أمة وأهيب أمة وأعز أمة، وأخلد أمة وأبر أمة، وأقوم أمة وأعلم أمة وأنبه أمة في العالم. تؤمن بالله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتجاهد في الله حق الجهاد قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 110).

وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92) هكذا أصبحنا بشهادة الله عز وجل لنا وبفضل هذا الإسلام العظيم وهو رسالتنا الخالدة، ودعوة الله الماجدة التي تعلي شأن من تمسك بها وتتكفل بنصره وإسعاده في الدنيا والآخرة. كما أنها تهدد من تركها وتنذره بالويل والثبور والخزي والدبور في كل الأمور جزاءً وفاقًا وما ربك بظلام للعبيد، بل ينذر الحق تبارك وتعالى الأمة إذا تولت عن رسالتها وأدبرت عنها واستعاضت عنها بدعوة أخرى كائنة ما كانت تلك الدعوة ينذرها بأن يسلب منها الأمانة ويحملها قومًا آخرين من الأمم ويدع الأمة الجاحدة خالية خاوية على عروشها كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. قال تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ (محمد: 38).

ولله تبارك وتعالى أقوام آخرون غيرنا في السماوات والأرض فيحمل الأمانة من شاء منهم ولكننا نحن إن تولينا عن الله فأين نذهب؟ وأين نولي وجوهنا؟ وإلى من نلتجيء؟ وبمن نعتصم؟ وليس لنا إلا رب واحد لا إله إلا هو ولا معبود سواه هو الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد أين نذهب إن تولينا عن الله العظيم الكريم؟ أنذهب إلى الشيطان نجعله لنا إمامًا وقدوة ليضلنا عن سواء السبيل؟ أم تذهب إلى الكفرة المارقين الذين يجعلون لله أندادًا وشركاء؟ وهل سنصل بعدها إلا إلى جهنم وساءت مصيرًا. ونستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير فننقلب خاسرين خاسئين متدابرين ومدبرين ونعوذ بالله من شر الشيطان وشركه وشر جهنم وشر الدبول والنكول. لقد تولينا يا أخي عن رسالتنا فتولى الله عنا ووكلنا إلى أنفسنا ونسيناه فنسينا وأنسانا أنفسنا حتى تهنا في بيداء الضلالة وتولى أمورنا وحكمنا في أكثر ديار الإسلام رؤساء جهال أعداء لأمتهم وخصوم لدينهم دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها.

  • العرب في شقاق دائم

لقد عدنا يا أخي عربًا كما كنا قبل الإسلام فعدنا كما كنا شعوبًا وقبائل وفصائل وحمائل وبطونًا وأفخاذًا.

نتقاتل ونتخاصم ويعدو بعضنا على الآخر عدو الأسد ويحاول أحدنا أن يفترس الآخر إفتراس الذئب ولا يرعى أحدنا الآخر إلًّا ولا ذمة، وتقاطعنا وتدابرنا وتباغضنا وتحاسدنا تخاصم الألداء. لقد عدنا يا أخي عربًا كما كنا قبل الإسلام فعادت إلينا الجاهلية الجهلاء والعصبية العمياء..

وجاهلية اليوم أشد فتكًا وأنكى من جاهلية الأمس وجاهلية اليوم ماكرة خبيثة جعلت للكفر والإلحاد فلسفة تحميها دول وتنشرها جيوش من المفسدين في الأرض.

لقد عدنا يا أخي عربًا كما كنا قبل الإسلام فرفعنا شعارات الجاهلية ونعراتها وتنكرنا لدعوة الإسلام بل نحرنا دعوة الإسلام من الوريد إلى الوريد ونفرنا الشعوب منها وحذرنا الناس وأبعدناهم عنها وسمينا دعاة الإسلام رجعيين وعملاء ومتعصبين ومتزمتين ومسلمين متطرفين ومسلمين متشددين؛ فنحن اليوم دعاة عروبة وأنصار عصبية وأئمة قبلية وقادة جاهلية فكيف لا نتخاصم ولا نتقاتل؟ وكيف لا يدوم الشقاق بيننا ما دمنا في هذه الجاهلية الجهلاء التي تنكرت للإسلام وسمته رجعية، وأبعدته عن كل الميادين وحجرته في المساجد. وفي المساجد راقبته بجواسيسها وخدامها المشاركين للظالمين في الإجرام». 

لقد خُدعت الشعوب المسكينة بهذه الدعوة البراقة دعوة القومية وربيبتها الاشتراكية وظنوها وطنية وحماسة صافية لمصالحهم ومصالح بلادهم وما عرفوا أنها الخدعة الكبرى في هذا العصر، وقد استطاع دعاتها وحملة فكرتها وأكثرهم من دعاة الصليبية وحملة السموم التبشيرية استطاعوا أن يبعدوا الإسلام ويجعلوا أهله يتنكرون له ويرونه خطرًا ومعوقًا لتقدمهم المزعوم.. وهم إن تقدموا فإنما يتقدمون إلى الهاوية وإن ساروا فإنما يسيرون إلى الوراء وإلى الحيرة والضلال.

لقد عدنا يا أخي عربا فكثرت بيننا الدعوات وانتشرت تبعًا لها المشاكل والخصومات عم الشقاق وزاد النفاق، وداهمنا البلاء حتى شمل جميع الأرجاء، واسمع لقول الحق تبارك وتعالى إذ يقول: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ (البقرة: 137-138).

قال صاحب الكشاف: «إن الآية تعريض بأهل الكتاب وتبكيت لهم».

وقال صاحب المنار رحمه الله في تفسيره:  «إن أهل الكتاب يؤمنون بالله وبما أنزل على الأنبياء ولكن طرأت على إيمانهم بالله نزعات الوثنية وأضاعوا لباب ما أنزل على الأنبياء وهو الإخلاص والتوحيد وتزكية النفس والتأليف بين الناس وتمسكوا بالقشور وهي رسوم العبادات الظاهرة ونقصوا منها وزادوا عليها ما يبعد كلًا منهم عن الآخر ويزيد في عداوته وبغضائه. ففسقوا عن مقصد الدين من حيث يدعون العمل بالدين، فلما بيّن الله حقيقة دين الأنبياء وأنه واحد لا خلاف فيه ولا تفريق، وأن هؤلاء الذين يدعون اتّباع الأنبياء قد ضلوا عنه فوقعوا في الخلاف والشقاق. وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى أن ندعوهم إلى الإيمان الصحيح بالله وبما أُنزل على النبيين والمرسلين بأن يؤمنوا بمثل ما نؤمن نحن به ونترك التفرق والشقاق. 

وقوله تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا﴾ (التوبة: 129) أي أعرضوا عما تدعوهم إليه من دين الأنبياء ولبابه بإيمان كإيمانكم ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ (البقرة: 137) ها هنا موطن العبرة ومحل الشاهد والتمثيل في موضعنا الذي نحن بصدد شرحه وبيانه للناس. أي أن أمرهم سينحصر في العداوة والمشقة ما داموا بعيدين عن الإيمان الصحيح والإسلام الصحيح.

ثم قال تعالى في آخر هذه الآية: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ (البقرة: 138) أي فطرة الله التي فطرنا عليها وفطر عليها الأنبياء والمرسلين ولا أحسن من صبغة الله تعالى؛ فهي جماع الخير الذي يؤلف بين الشعوب والقبائل ويجعلها أمة واحدة متحابة في الله متآخية في الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (الحجرات: 10) وبها يزكي الله النفوس ويطهر القلوب والعقول».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل