; عندما يتنازل «الرئيس» عن السلطة! | مجلة المجتمع

العنوان عندما يتنازل «الرئيس» عن السلطة!

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 23-يوليو-2005

مشاهدات 64

نشر في العدد 1661

نشر في الصفحة 15

السبت 23-يوليو-2005

لا ندري إلى أي اتجاه تسير الأوضاع في اليمن.. هل نحن أمام حقيقة أم أمام سيناريو للتلاعب بأعصاب الناس، في واحدة من الدرامات السياسية التي تحفل بها الساحة العربية؟

 فمنذ أعلن الرئيس علي عبد الله صالح «الأحد ٢٠٠٥/٧/١٧م» اعتزامه عدم ترشيح نفسه للفترة الرئاسية القادمة «سبتمبر ٢٠٠٦م». وقعت الساحة اليمنية، ومعها الساحة العربية في حالة من الالتباس والضبابية مصحوبة بمفاجأة، ومرد ذلك أن الشعب العربي لم يسمع من قبل برئيس يعلن أنه سيترك القصر والكرسي طواعية، إلا حالتان: 

  • حالة المشير عبد الرحمن سوار الذهب الذي التزم بالفترة الانتقالية التي قطعها على نفسه «عامان» رئيسًا انتقاليًا للسودان بعد الانقلاب على حكم الرئيس جعفر نميري. وقد صدق الرجل -سوار الذهب-مع نفسه. وتخلى.. وقال لي في لقاء معه عن تلك اللحظة، إنه كان مرتاح الضمير في الحالتين عندما قام بالانقلاب الأبيض، وعندما ترك الحكم لخيار الشعب...

  • والحالة الثانية هي حالة الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر الذي أعلن عقب هزيمة 5 يونيو ١٩٦٧م الشهيرة التنحي وفق قوله «لأخيه زكريا محيي الدين»، وثبت فيما بعد أنها كانت حركة مسرحية من حركات الثوار الذين أجادوا اللعب على عواطف الجماهير، ولم يغادر عبد الناصر القصر ولا كرسي الرئاسة حتى حانت اللحظة وغادر إلى القبر بعد انتهاء الأجل.

هذان مشهدان تسترجعهما الذاكرة، وتقف أمامهما مليا، ونحن نسمع لقرار الرئيس علي عبد الله صالح، ونسمع في الوقت ذاته إصرار قيادات حزب المؤتمر الشعبي الحاكم في اليمن وجماهيره على بقائه رئيسًا للبلاد.

ويبرز السؤال المشروع والمنطقي: هل ينضم الرئيس علي عبد الله صالح إلى مشهد سوار الذهب أم ينحاز إلى مشهد جمال عبد الناصر؟

حالة من الالتباس والضبابية لدى المرء مردها أننا وقعنا خلال الأيام الماضية بين: 

رئيس يعلن بحماس شديد: « الناس ملت الزعامات الباقية لفترات طويلة على كرسي الحكم.. علينا أن نعلم الناس كيف يصنعون نماذج ديمقراطية وكيف يكون التداول السلمي للسلطة...».

وحزب الرئيس الذي يؤكد تمسكه بصالح رئيسًا للبلاد، وقال نائب الرئيس عبدربه منصور هادي: «إن حزب المؤتمر الشعبي «الحزب الحاكم» متمسك بالرئيس صالح قائدًا للبلاد في الفترة المقبلة»!

وبدوري أتمن -كغيري من ملايين الشعب العربي- أن يثبت الرئيس علي عبد الله صالح على موقفه بعدم الترشح ليمثل بذلك حالة فريدة لرئيس يتخلى عن الرئاسة وهو في كامل قوته، وبلاده في كامل استقرارها، وبذلك يكون قد أبدع حالة جديدة وضرورية في عالمنا العربي.

من جهة أخرى فإن هذا الحدث يستدعي إلى النقاش أمرين من الأهمية بمكان: 

الأول: ربما يكون رأس الإصلاح والتغيير في الدولة -أي دولة- هو رأسها أي رئيسها، وبالتالي فإن تغييره يمثل خطوة مهمة نحو التغيير والإصلاح، لكن يبقى أن التغيير المأمول والحقيقي يظل كامنًا في تغيير قوانين البلاد الجامدة وتغيير هياكلها البالية وإزاحة الطبقات «لا أقول المافيا» المتحكمة في مفاتيحها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل وتغيير الجو العام ونمط الحياة الآسن. 

والسؤال هنا: لماذا لا يبدأ الرئيس علي عبد الله صالح -طالما بدأ بتغيير نفسه- في الشروع في خطة طموحة -هي أهم من كل الخطط- لإحداث تغيير وإصلاح شامل في البلاد، ويقود هذه الخطة بنفسه -بمشاركة كل القوى- خلال الفترة المتبقية له في السلطة، ثم يواصل المشاركة فيها بفاعلية بعد اختيار رئيس جديد؟

تغيير رأس الدولة مهم.. لكن تغييره -مع بقاء الأوضاع في الدولة على ما هي عليه- يفرغ التغيير من محتواه.

ومن هنا فإن الذين يحملون هم إحداث نهضة في البلاد يكون فكرهم الإصلاحي شامًلا لأركان الدولة وخططها ونمط حياتها. أما الذين يحصرون عملية التغيير في مسرحيات إعلامية فإنما يصبون على كأس الإحباط واليأس الذي أترعت منه الأمة مزيدًا من الإحباط.

الأمر الثاني: أننا نلحظ -مع كل نوبة إصلاح صغيرة أو كبيرة يخرج بها حاكم- أن طبقة الحكم وبطانته والمحيطين بها في دوائرها القريبة والبعيدة، وكأنما لدغتها حية، وتبدأ في حالة هستيرية من إعلانات التأكيد على التمسك بالرئيس حيًا وميتًا «إن لزم الأمر»! بالطبع يعلقون ذلك على شماعة «مصلحة الوطن العليا» و«الظرف التاريخي الدقيق الذي تمر به البلاد» و «المنعطف الصعب».... إلخ. وبالطبع فلم يعد هناك مجال للقول إننا أمام عدو إسرائيلي يتربص بنا.. فذلك شعار قديم ذاب مع التطبيع!

والحقيقة أنه لا مصلحة الوطن ولا حب الرئيس له مجال لديهم، وإنما حب مصلحتهم واستمرار تحكمهم في رقاب الناس لأطول فترة.

هذه الطبقة بها مافيا سياسية تتحكم في مناطق النفوذ ومافيا اقتصادية تنزح خزائن البلاد ومافيا إعلامية تتربع على عروش مؤسسات الرأي والفكر، ولو وافقت الرئيس «أي رئيس» على التنازل عن السلطة أو على التغيير فإنها ستكون أكبر الخاسرين.. أكثر من الرئيس نفسه، ولذلك تتحالف كل المافيا من الطبقة الحاكمة بدوائرها لتحول دون التغيير رافعة شعار التمسك بالرئيس مدى الحياة، ليس حبا فيه وإنما ضمانًا لحياتها.

الرابط المختصر :