; في مجرى الأحداث- طبائع الاستعمار | مجلة المجتمع

العنوان في مجرى الأحداث- طبائع الاستعمار

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مارس-1999

مشاهدات 74

نشر في العدد 1342

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 16-مارس-1999

من طبائع الاستعمار - الحديث والقديم- أنه لا يخطو خطوته الأخيرة نحو استعمار الدولة التي يقع عليها الاختيار إلا بعد بلوغها حال الاستسلام أو الاستغاثة. 

هذا المشهد تكرر قديمًا وما زال يتكرر حديثًا وإن اختلف المسرح وتبدل السيناريو.. وليس ما حدث لدولة الخلافة العثمانية في الثلث الأول من هذا القرن ببعيد، فقد ظل الاستعمار بقطبيه في ذلك الوقت «بريطانيا- فرنسا» يعبث من بعيد بمخططاته على أرض الدولة المترامية الأطراف حتى سقطت في حالة إعياء من الحروب الداخلية، ثم كانت الخطوة الأخيرة اتفاقية سايكس- بيكو التي أنهت وجود الدولة وسلمت أراضيها لفرنسا وبريطانيا. 

وفي البوسنة سبق التدخل الأمريكي حرب امتدت لثلاث سنوات أنهكت الطرفين.. ولم يزحف النفوذ الأمريكي إلى منطقة البحيرات العظمى في أفريقيا إلا بعد أن خارت المنطقة تحت وطأة حرب قبلية مهلكة بين الهوتو والتوتسي.. وهكذا تكون الخطوة الأخيرة والحاسمة من قبل الاستعمار مسبوقة بإجراءات أخرى محددة المواصفات، تمهد المسرح وتعبد الطريق لدخول المستعمر دون حاجة لضجيج السلاح أو حتى غبار الحرب. 

ولا نبالغ إذا قلنا: إن نهاية الحرب الإريترية الإثيوبية الدائرة منذ ثلاثة أشهر ستتوج بسيطرة أمريكية أكثر إحكامًا على البلدين، وبالتالي على منطقة القرن الإفريقي الاستراتيجية. 

نعم النفوذ الأمريكي والنفوذ الغربي عمومًا صاحب تاريخ في المنطقة والدولتان «إريتريا وإثيوبيا» تتسابقان في الفوز بمهمة العمالة والقيام بتنفيذ المطلوب نيابة عن الولايات المتحدة، لكن الذي يبدو هو طموح الولايات المتحدة لتمرير مشروعها في إعادة تقسيم المنطقة وفق مصالحها بنفسها ودون وكيل.. وقد حاولت المجيء إلى المنطقة من قبل عبر الصومال ولكن المحاولة فشلت، فلا مناص من تكرار المحاولة وهي هذه المرة ستكون سهلة عبر إريتريا وإثيوبيا، والمسميات الإنسانية الإغاثية والسياسية التي يمكن المرور من تحتها كثيرة وجاهزة. 

وللأسف فإن إثيوبيا وإريتريا لم يعد أي منهما في حال يمكنه من المقاومة السياسية فضلًا عن العسكرية لأي تدخل أمريكي، فقد صارت الحياة في الدولتين شبه متجمدة: الاقتصاد مشلول.. الإنتاج متوقف.. والجوع يفترس الناس.. لم يعد هناك إلا الأرض وهياكل سياسية حاكمة رخوة وشعب يقضي يومه هائمًا في البحث عن كسرة خبز.. ولكي تتضح الصورة أكثر نترك الإحصاءات تجسد الوضع في البلدين، فلغة الأرقام دائمًا أبلغ من أي تعبير: 

في إريتريا: خمس السكان مازالوا لاجئين، 75% من الشعب يعيشون على المعونات، وما زالت الدولة في حاجة إلى 3.2 مليار دولار لإعادة بناء مؤسساتها.. هذا قبل تفجر الحرب الأخيرة. 

أما إثيوبيا فحالتها قبل الحرب أيضًا تجسدها دراسة لليونيسيف صدرت في يوليو 1998م تقول: إن 60% من السكان تحت خط الفقر، 13.5% من الأطفال ينامون في الشوارع، و7.5% يعيشون في ملاجئ مؤقتة، و4.5% بين البيت والشارع. 

وأخيرًا ظهرت إعلانات على الإنترنت تحدد أسعار أطفال إثيوبيين للبيع من قبل وكالات غربية إغاثية! 

تلك هي صورة البلدين قبل الحرب.. فكيف تكون بعدها، خاصة أن فاتورة الحرب اليومية تمسح ما تبقى من فتات لتبقى الدولتان على «البلاطة»، وهناك يكون المسرح قد تهيأ تمامًا للخطوة الأخيرة.. أو الفصل الأخير. 

شعبان عبد الرحمن 

الرابط المختصر :