العنوان في مجرى الأحداث: الإعدام السياسي:
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1998
مشاهدات 68
نشر في العدد 1320
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 06-أكتوبر-1998
ما يجري لأنور إبراهيم، لا يختلف كثيرًا عما يجري للطيب أردوغان ومن قبله نجم الدين أربكان.
وما يحدث في ماليزيا وتركيا، هو الوجه الآخر لما يحدث في بلاد أخرى تمارس الدكتاتورية.. وهو الوجه نفسه الذي يتعامل به النظام الدولي مع المشروع الإسلامي.. آلية التعامل قد تختلف، من حالة إلى حالة، ولكن النتيجة واحدة، وهي القتل السياسي، والهدف واحد، وهو قطع الطريق من بعيد على اقتراب المشروع الإسلامي من الحكم!!
فأنور إبراهيم، ظل الابن المقرب لمهاتير محمد طوال خمسة عشر عامًا، وهو الذي اختاره ليكون نائبه وخليفته، وخلع عليه من صفات العبقرية والوطنية ما خلع، ولكن عندما حاول «أنور» الاقتراب من كرسي الحكم، كان الرد عليه بمحاولات الإعدام السياسي، وانقلب الحال فجأة، فصار «أنور» ویلسان مهاتير، فاسدًا وخائنًا لوطنه، بل وشاذًا جنسيًا، وهي جرائم تكفي كل واحدة منها للقضاء على أنور إبراهيم.
وليست هناك حاجة للقتل بالمشنقة، أو المسدس، فتلك أدوات الدكتاتورية الفجة، ولا حاجة إليها، طالما أن القانون جاهز لأداء المهمة فقانون الأمن الداخلي الموجود في ماليزيا، منذ عهد الاستعمار، يقضي باعتقال الشخص «المرغوب» فيه لأجل غير مسمى، ودون محاكمة، وهكذا اعتقل «أنور إبراهيم» الذي سيجد نفسه بعد أيام أمام «المحكمة العليا»، وإذا حكمت عليه بالسجن عامًا واحدًا فقط، أو قضت بغرامته ألفي رينجت، «عملة ماليزيا»، فإن مصيره الحرمان من العمل السياسي، أي قتله سياسيًا بالقضاء والقانون، دون مشنقة أو مسدس، وهو المطلوب!.
السيناريو البغيض نفسه، حدث مع الطيب أردوغان -رئيس بلدية إسطنبول- المشهود له بالإنجازات الفريدة في إدارة البلدية، وصاحب الجماهيرية الجارفة، ولكن ذلك لم يشفع له عند مؤسسة العداء للإسلام في تركيا، والتي ساقته إلى محكمة الاستئناف العليا، بتهمة إلقاء قصيدة شعرية في ديسمبر الماضي، تنبعث منها رائحة الاعتزاز بالإسلام، وكان حكم المحكمة بسجنه عشرة أشهر. يعني الحرمان من ممارسة السياسة أي «قتله سياسيًا»، وإنزاله من كرسي إدارة بلدية إسطنبول إلى الزنزانة، ومنعه من المشاركة في قيادة حزب الفضيلة في الانتخابات القادمة، وكله بالقانون أيضًا، دون حاجة لمشنقة أو مسدس.
وقد سبقه البروفيسور نجم الدين أربكان إلى المصير نفسه، وإن كان بطريقة مخففة، وسيلحق به ثمانية من قيادات حزب الفضيلة ذوي الاتجاه الإسلامي.
والغريب أن الكاتب والممثل المسرحي محمد واهي بازار، عوقب بالسجن ٢٤ عامًا، لتأليفه مسرحية «عدو الله» والتي فيها بعض المساس بالمؤسسة العسكرية، وربما لم يسمع أحد بهذا الحكم على صاحب فكر، ولم نسمع صوتًا لمؤسسات ومنظمات حماية الحرية الفكرية وحرية الرأي، بينما تضع أوروبا الغربية حماية فكر سلمان رشدي على رأس اهتماماتها، رغم أن فكره «النجس» كله تحقير من عقائدنا، وسباب لنبينا ﷺ.
وتعامل النظام الدولي مع ما يجري في تركيا وماليزيا، يقدم نموذجًا جديدًا من التعامل مع القضايا الإسلامية، ويُضاف هذا النموذج إلى نماذج أخرى من التعامل في السودان وكوسوفا، والشيشان وفلسطين، وهي نماذج تؤكد الإصرار الدولي على قطع الطريق أمام اقتراب المشروع الإسلامي من الحكم!