; في مجال الشعارات دوِيٌّ وبريق - وفي مجال العمل فشل ومِحاق | مجلة المجتمع

العنوان في مجال الشعارات دوِيٌّ وبريق - وفي مجال العمل فشل ومِحاق

الكاتب نصر الدين العديلي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-1972

مشاهدات 133

نشر في العدد 106

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 27-يونيو-1972

صفحات حرّة

في مجال الشعارات دوِيٌّ وبريق

وفي مجال العمل فشل ومِحاق

                                                       بقلم: الأستاذ نصر الدين العديلي

·     كلمات جميلة الوقع على الأذن، وذات معانٍ عظيمة وآثار ضخمة في واقع الحياة -إذا ما قُدِّر لمعانيها السيادة- نكثر من ترديدها في كل مناسبة، وأحيانًا في غير مناسبة، إنها على لسان المعذبين أنشودة تنسيهم شقـاء الكد والكفاح، وأمل مشرق يستحثهم لبلوغ الأرقى والأكرم من أساليب العيش في هذه الحياة الدنيا، هذه الأساليب التي تؤدي بالصابرين عليها إلى حياة أسمى وأرقى في الآخرة، جنة عرضها السماوات والأرض، وإنها على لسان الدجالين لحن جنائزي يكثرون من عزفه؛ لكي يلدوا وسط صخبه كل كريم من المبادئ ونبيل.

هذه الكلمات التي نكثر من ترديدها على اختلاف أهدافنا وبواعثنا، هي:

-      الحق، العدل، الحرية، الرحمة، الشفقة، المساواة، التكافل الاجتماعي، إغاثة الملهوف، التحرير، حشد الطاقات، صد العدوان... إلخ.

فإنك عزيزي القارئ لا تكاد تنتهي من قراءة صحيفة أو كتاب، أو تستمع لنشرة أخبار أو أنشودة وطنية، أو تنصت لحديث إذاعي أو عادي متداول بين عامة الناس في دواوينهم أو أماكن عملهم، أو تستمع لخطاب حاكم أو زعيم حزبي، إنك لا تكاد تقوم بهذا كله أو بعضه حتى تسمع وتبصر الكثير الكثير من هذه الكلمات وأشباهها بشكل تتوهم معه أننا أمة وصلت إلى أعلى مراتب العزة والتقدم والرقي، بحيث أصبحت السيادة لما توحيه هذه الكلمات من قيم ومبادئ هي الأصل الذي تنهض عليه الحياة الراشدة للإنسان الفاضل.

«ولكن؟؟»

·     ولكن لن يطول بك الوهم، ولن تمكث الصورة الزاهية التي أنشأها في ذهنك حالمٌ تتخلص من أطيافه الحالمة لتعود لواقع أمتنا الحياتي، تتفحصه بشتی نشاطاته -فردية كانت أو جماعية- لترى التزوير الذي يطوي معظم هذه النشاطات ويسيطر عليها، وخصوصًا ما له علاقة ماسة بمدلول هذه الكلمات، فتكتشف على الفور أن معظم الناس قد جعلوا منها بالفعل لحنًا جنائزيًّا صاخبًا يلدون وسط صخبه كل كريم من المبادئ نبيل، فلا يحس بهم أحد، ولا تنالهم وسط هذا الصخب أيادي أصحاب القضية أي من ينتفعون بانتصار المبادئ والمثل العليا، ويجاهدون بالفعل من أجل سيادتها!

أجل إن التزوير يطوي معظم نشاطاتنا، فلا حرية إلا لكل تافه دخيل من المبادئ والأفكار، والكبت والقهر للمبادئ السامية وأصحابها!

ولا حق، بل باطل يصول ويجول، ولا عدل، بل ظلم وجور. ولا شفقة، بل قسوة وصلف. ولا مساواة، بل تفاوت فظيع يدع عقل اللبيب حيران، ولا رحمة، بل هزو وسخرية، وعيون بدت منها البغضاء، وألسن اشتغلت باللعن، فالظالم يحتقر المظلوم ويلعنه، والمظلوم يلعن الظالم ويتمنى أن تواتيه الظروف فيبطش به ويذيقه مر العذاب الذي يتجرعه، ويكاد يفتك بأعصابه فيحيله إلى وحش كاسر، ولا تكافل اجتماعي، بل فرقة وتنابذ بألقاب ونعوت بذيئة، منها الصحيح وأغلبها الكاذب المفتري، ولا إغاثة ملهوف، بل مطاردة له باللوم والتقريع، ولا تحریر، بل عدو جاثم ثم يدنس حرمات البلاد والعباد، ويوشك أن يدمر المقدسات، ولا صدًّا لعدوان، بل بلاد مستباحة الجمال لكل غازٍ. ولا حشد الطاقات؟ بل جهود مبعثرة جرت بها أهواء أصحابها كما يجري الشيطان بدمه.

«صورة بشعة تثير في النفس التقزز»

·     وحينما تتضح لنا الحقيقة على هذا النحو، ونكتشف التزوير والتناقض بين الواقع والمثال، أو بين الشعار والتطبيق في حياتنا العملية، حينئذ يزول الوهم الناشئ من تكرار هذه الكلمات الجميلة وأشباهها، وتذهب مع هذا الوهم الصورة الزاهية للحياة الفاضلة المستوحاة منها، لتحل في أذهاننا صورة أخرى، صورة غير متوهمة ولا هي من نسج الخيال، صورة حقيقية رسمت على أرض الواقع بريشة الأحداث وبمداد النشاطات اليومية التي نقوم بها، لكنها صورة بشعة تثير في النفس الاحتقار والرعب في آن واحد؛ لأنها توضح بجلاء خط سير أمتنا إلى هاوية الضياع والدمار، هذا الخط الذي رسم أبعاده وحدوده، وبدفع خَطَونا فيه التناقض -الذي نعیشه- بين الشعار المرفوع والعمل المطلوب، إنه تناقض يفقد الإنسان العادي القدرة على التمييز بين كذب وصدق أو خير وشر، ويوشك أن يفقد الإنسان الواعي الإنسان الصالح كل أمل في تصحيح وإصلاح هذه الأوضاع المتردية التي لا يملكان حيالها لأول وهلة إلا التساؤل المشفق المذعور، كيف يحصل هذا وما هي الأسباب؟

·     كيف يدعو الإنسان للحق وإذا ذُكِّر به أخذته العزة والإثم؟!

·     كيف ينادي الإنسان بالعدل ويتنكَّر في آن واحد إذا أدرك أن من مقتضيات هذا العدل إنصاف الناس الذين ظلمهم؟!

·     كيف ينادي الإنسان بالحرية؟! ولماذا يطعنها خصوصًا إذا كان من أهدافها أن تحد من نشاطه المنحرف؟!

·     ثم كيف ينادي الإنسان بالمساواة بين الناس وهو لا يقنع من الغنيمة إلا بنصيب الأسد، ولا يرضى عن هؤلاء الناس حتى يقدموا له دومًا الولاء والطاعة، ويفتك بهم أو يحتقرهم إن شعر بولائهم واحترامهم لغيره حتى لو كان هذا الغير أجدر منه بالاحترام؟!

·     وكيف يتبجح هذا الإنسان أو ذاك بالشفقة والرحمة، وقوت يومه معجون بعرق ودماء البؤساء والمحرومين الذين يسرق جهدهم، وإذا ذكر أو طلب منه أن يكف عن ذلك استكبر وعاند.

·     ثم كيف يدعو هذا الإنسان للتكافل الاجتماعي وهو يمارس سرقة أموال الناس، ويمارس تحطيم الأخلاق والمبادئ الأساسية التي يقوم عليها التكافل، وذلك بزرع الشقاق والنفاق بين أفراد الأسرة الواحدة بل الأمة؟!

·     وكيف يدعو إنسان لإغاثة الملهوف ولم يمد يد المساعدة طيلة حياته لصديق أسلمته الأقدار لمحنة قاسية؟!

وكيف يدعو هذا الإنسان أو ذاك لتحرير الأوطان وهو يتاجر بمقدراتها ويحمل السلاح للدفاع عن الغزاة والطامعين في هذه الأوطان، وذلك بالدفاع عن أفكارهم والتمكين لها من غزو العقول والقلوب واستعبادها تمهيدًا لغزو الأرض وانتهاب خيراتها؟!

·     وأخيرًا كيف يدعو هذا الإنسان أو ذاك لحشد الطاقات والجهود، وهو الذي بددها ويبددها حينما زرع في كل رأس فكرة، وجعل لكل فرد هدفًا مغايرًا تمامًا لأهداف الآخرين؟!

إن الإنسان العادي لا يكاد ينتهي من هذه التساؤلات حتى تغشاه حالة من اضطراب التفكير، لا يملك معها القدرة على التركيز والبحث عن أسباب هذا التناقض الفظيع بين الشعار المرفوع والعمل المطلوب، فيستسلم نتيجـة لذلك للأمر الواقع وليكن ما يكون... يتوه... ينعدم وجوده... يحترق... فهذا لا يهم ما دام أنه واحد من قطيع التائهين كبير!

·     والأمر بالنسبة للإنسان الواعي يختلف كثيرًا؛ فهو لا يكتفي بالتساؤل عن هذا التناقض الذي أشرنا اليه، بل يبحث عن الإجابة لكل سؤال، لا لمجرد العلم والمعرفة بل لتحديد العلة الكامنة خلف هذا التناقض، ومن ثم تحديد العلاج الحاسم لها، فطبيعـة هذا الإنسان الإيجابية ترفض الاستسلام للأمر الواقع مهما كان، وتأبى عليه إلا أن يصنع الواقع في ظلال القيم الصالحة التي يؤمن بها، وهذا الإنسان بالذات هو القادر وحده على علاج التناقضات التي تعيشها أمتنا؛ لأن وعيه منبثق عن عقيدة آمن بها، عقيدة منحته التصورات الصحيحة والقيم الصحيحة والموازين الصحيحة التي يستطيع في ضوئها أن يدرك جميع الخلفيات الفكرية والعاطفية لهذه التناقضات، فيعالجها ويرسم طريق الخلاص منها.

·     وقد تسألني ما عقيدة هذا الإنسان الواعي التي منحته هذه القدرات الجبارة؟؟ وقد تستدرك فتقول لعلك تعني عقيدة التوحيد... عقيدة الإسلام؟

·     والحقيقة أننا لا نخرج عن الصواب لو قلنا بأنها العقيدة الوحيدة القادرة -بما لها من ميزات فريدة- على إيجاد الوعي الصحيح عند المؤمنين بها...

لقد قدمت لنا هذه العقيدة على امتداد تاريخها الطويل رجالًا مؤمنين كانوا قممًا في كل شيء... وفي تاريخها الحديث قدمت لنا ذلك الجيل الفريد من الرجال الذين رباهم محمد -صلى الله عليه وسلم-، فكانوا أعظم دليل على صدق تصورات وقيم وموازين هذه العقيدة وأصالتها، وذلك لمن لا يقنعه البرهان النظري، فينشد الدليل في واقع حيوي مشهود.

لقد استطاع ذلك الجيل الذي تربى على تعاليم الإسلام، وفي ظلال قرآنه أن يقضي على جميع التناقضات التي كانت تمزق المجتمع الإنساني في ذلك الوقت وتبدد جهوده، ورسموا طريق الحق والعدل والحرية لجميع البشر، وبقى من تبعوا ذلك الجيل بإحسان حراسًا لمسيرة الإنسان في هذه الأرض، وقادة لها طيلة اثني عشر قرنًا من الزمان، كان المسلمون خلالها لا يخرجون كثيرًا عن تصورات عقيدة الإسلام وقيمها وموازينها في مواجهة التحديات الخارجية والمشاكل الداخلية التي تعترض سبيلهم، وبعد ذلك كثر الخروج على تعاليم الإسلام، ونبذت معظم أحكامه حتى استحقوا بذلك عقابًا من الله بحجم جريمتهم هذه.

·     وفعلًا كان عقابًا شديدًا مساويًا للجريمة، لقد تحزبت قوى الكفر والباطل ضد أمة الإسلام، وشنت عليها حربًا ضروسًا انتهت بسقوط الخلافة الذي أعقبه -بشكل كثيف ومركز- غزو فكري ثقافي كافر لأبناء المسلمين، كان من ثماره الواضحة هذه التناقضات التي تكلمنا عنها في بداية هذا المقال، والتي قادت المسلمين لبناء ما يقرب من أربعين کیان سیاسي هزيل، على رأس كل كيان حاکم يزعم بأن دين الدولة الإسلام، واذا ما حزب المعتنقين لهذا الدين أمر أو آلت بهم مصيبة كاحتلال اليهود لأولی القبلتين أو كضرب عجوز الهند الوحدة الباكستانية وتمزيقها أو كذبح المسلمين في الفلبين وإريتريا وغيرها، إذا حصل شيء من هذا القبيل نسى هذا الحاكم أو ذاك انتسابه للإسلام وأمنه، فالأمر لا يعنيه، وعنده من التناقضات والمصائب ما يشقيه.

ولنعد بعد هذا الاستطراد لنؤكد أن العقيدة التي ربت رجال الأمس أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وخالد وأبي عبيدة وبلال وعمار هي نفس العقيدة التي ربت وتربي رجال اليوم الذين نقترح قيادتهم لمسيرتنا، وننشد لديهم الحل لجميع تناقضاتنا ومشاكلنا، ولكن أين نجدهم؟!

·     إن كل مسلم يشهد «أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله» يُعتبر مؤمنًا ويجوز أن نصفه بأنه صاحب عقيدة، وبناءً على هذا الاعتبار فكل المسلمين رجال عقيدة، لكنهم بالرغم من هذه الحقيقة ليسوا جميعًا صالحين لحل التناقضات التي نعاني منها أو تقديم الحلول العملية لها! وهذا ليس اتهامًا نسوقه ضدهم، بل حقيقة يؤكدها واقع حياتهم هذا الواقع الذي تتحكم فيه التناقضات، ولا يحرك فيهم ساكنًا للخلاص منه أو محاولة الخلاص، وحالة كهذه تدل على عدم وعيهم وارتفاعهم لمستوى الأحداث بشكل عام، مما يفرض علينا أن نبحث عن طلبتنا -بين جموع المسلمين- من الرجال الذين ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ (سورة الأحزاب: ٢٣)

فأخلصوا لدينهم وسعوا ويسعون لجعل السيادة لأحكامه، وإننا لواجدوهم إن شاء الله في صفوف الحركة الإسلامية التي تمثل ضمير الأمة الحي وعقلها الواعي.

• إنهم دعاة الإسلام وهم الواعون وعيًا حقيقيًّا اكتسبوه من جهادهم الطويل في ميدان الدعوة إلى الله وبتوفيق منه سبحانه.

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (سورة العنكبوت: ٦٩)

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾  (سورة البقرة: 282).

·     والحقيقة التي لا تقبل الجدل أن الإنسان الذي تربى على القرآن قادر أكثر من غيره على البذل والعطاء من وقته وماله ودمه؛ لأنه يرجو بذلك رضى الله ومثوبته، وأمتنا بحاجة لمن يبذل الكثير في سبيل حل قضاياها.

·     والحقيقة التي لا تقبل الجدل أن من تربى على القرآن يسعى النصر دومًا في ركابه؛ فهو وعد من الله مضروب لعباده حتى قيام الساعة.

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (سورة النور: 55).

·     والحقيقة التي لا تقبل الجدل أيضًا أن الإنسان الذي تربى على القرآن ويسعى لتكون السيادة لأحكامه هو أصدق الناس وأصوبهم رأيًا وأقومهم خطوًا، فاقرأوا إن شئتم الآيتين الشريفتين التي ذكرناهما قبل قليل ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا...﴾ (سورة  العنكبوت: 69)

·     وها هو نور الله بين أيدينا ها هو القران، اقرأوه وتدبروا معانيه؛ فإنكم قطعًا لن تجدوا صعوبة في إدراك أسباب هذا التناقض الذي یعیشه إنسان أمتنا الضائعة، وستعلمون بعد تدبر أنه ظاهرة تدل على مرض خطير! مرض النفاق الذي يكابر المصابون به، فلا يعترفون بوجودك بل يزعمون أنهم الأصحاء، وأنهم وحدهم السالكون طريق الخير والإصلاح!

وخير تعبير عن حالهم هذا قول الله -تعالى-:

﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ (سورة البقرة: 9-10-11-12).

·     هذه حقيقة من يدفعون شعارات أو يدعون لمبادئ لا يطبقونها في واقع حياتهم، إنهم مصابون بمرض النفاق الذي تنطمس معه معالم الفضيلة في النفس البشرية فلا يبقى لها وزن في الوجود، فتهون على الله وتهون على الناس، ومع الأسف المرير إن هذا المرض يفتك بالغالبية العظمى من أمتنا وعلى كافة المستويات، مما جعل منها أضحوكة بين الأمم «لقد عرفنا المرض، فماذا بعد؟؟».

·     إن تحديد المرض ومعرفة أسبابه يشكلان نصف الشفاء، شريطة أن يباشر في علاجه حال اكتشافه ومعرفة أسبابه، وتحديده مع عدم المباشرة في علاجه لا يعني إلا الاستزادة من الهموم التي تفتك بالأعصاب، فتعجل في القضاء على المصاب، وتمهد السبيل نفسيًّا لعدوى السليم ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ (سورة الأنفال: 25)، وتحديد المرض والكلام عن علاجه شيء والممارسة الفورية لهذا العلاج شيء آخر -خصوصًا إذا كان هذا الكلام صادرًا عن مصاب لمصابين-، ولنستمع وصفًا لهذه الحفلة في خطاب الله -تعالى- لمنافقي بني إسرائيل ﴿۞ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (سورة البقرة: 44)، ولنستمع لقوله -تعالى- مخاطبًا المؤمنين الذين زاغت قلوبهم مع هوى النفس ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ( سورة الصف: 2-3).

وأي مقت وأي عذاب أشد من هذا الذي نعانيه من أقوالنا الكثيرة التي نقولها فلا نتبعها بالعمل؟؟ أو كما وصفنا هذه الحالة «التناقض الفظيع بين الشعار المرفوع والعمل المطلوب» إنه لا يدانيه مقت، والمقت في اللغة: هو الكره والبغض الشديد ﴿ كَبُرَ مَقْتًا﴾  ( سورة الصف: 3)  في قوله تعالى أي عظم بغضًا وكرهًا.

«لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين».

·     أنهيت بعون الله كتابة هذا المقال مع صلاة الصبح إلا هذه الخاتمة التي لم أكن أتوقعها، فصليت ثم أخذتني سنة من النوم هببت منها مهمومًا مذعورًا! لقد رأيتني في المنام داخل غرفة أحمل مسدسًا وأصوبه لصدر صديق عزيز عَلَيَّ، فلم يتردد في رفع يديه إلى أعلى بعصبية وذعر، ويعلو صوته بالقَسَم إنني لست منهم إنني لست منهم، فانطلقَت من المسدس في الفضاء عدة طلقات شعرتُ بعدها بلفح حار يرتد منه إلى يدي، فألقيته على سرير في الغرفة وطلبت منه الخروج فكان لنا ذلك، ودام همي بعد أن استيقظت ما يقرب من ساعة كفت أردد خلالها «لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين» أجل إني كنت من الظالمين! لقد تذكرت مشروعًا خيريًّا أكثرت من الحديث فيه مع صديقين ولم نخطُ خطوة عملية واحدة في سبيل تحقيقه مع قدرتنا على ذلك، فقلت في نفسي لعل تعبير هذه الرؤيا أن قد يصيبنا بعض ما في هذا المقال، فنكون ممن يقولون ما لا يفعلون فتحبَط أعمالنا، لكنني تذكرت أنني خرجت وصديقي من الغرفة في المنام، فلما التقيت به بعد صلاة الظهر تعاهدنا أن نخرج من سجن الأقوال إلى ميدان «وبالله التوفيق».

·     لقد كان بودي أن أطيل معك الحديث وأستفيض في شرح بعض الشعارات المرفوعة في الساحة العربية بشكل خاص، كتحرير فلسطين ورد كيد اليهود عن بلاد المسلمين التي أصبحت نهبًا لكل غاصب! لكنني أكتفي بهذا القدر مشيرًا من جديد إلى ضرورة التقليل من رفع شعارات جوفاء لا مدلول لها في واقع الحياة ولا أثر منها لعمل إيجابي، فإن كنت تحب فلسطين وتريد تحريرها فاعمل لهذا التحرير، وإن كنت حاكمًا تحب العدل والمساواة فاشرع بتنفيذ ذلك، وإن كنت تشفق على الفقراء والمساكين غالبًا أمامك باب مفتوح لتكون فارس خلاصهم ومقيل عثراتهم، وإن كنت ممن يغار على مصالح الأمة فكن أول من يقف في وجه المستهترين والمقامرين بهذه المصالح، وإن كنت تكره الظلم فجاهد للخلاص منه ولك مرتبة سيد الشهداء حمزة -رضي الله عنه- إن قضيت في سبيل ذلك، وإن كنت ممن تحب السيادة لشريعة الله على جميع شئون الحياة ففي الميدان متسع للمجاهدين المخلصين، وعند الله العطاء الكافي لكل الصالحين.

الرابط المختصر :